أخبار

متعقّبو الإيبولا ينشطون، سعيًا للبحث عن مخبأ الفيروس

إثر بدء تلاشي وباء الإيبولا في غرب أفريقيا، يسعى الباحثون إلى اكتشاف المُضيف الطبيعي للفيروس؛ لمَنْع تفشِّي الوباء مجددًا فيما بعد.

إوين كالاواي
  • Published online:

<p>الخفافيش، يُشتبه في كونها مستودع برّي لفيروس الإيبولا. </p>

الخفافيش، يُشتبه في كونها مستودع برّي لفيروس الإيبولا.

Pete Muller/National Geographic Creative


مع الإعلان الرسمي عن انتهاء انتشار وباء الإيبولا في غرب أفريقيا، الذي كان من المقرر صدوره يوم 14 يناير الماضي، يكون الفيروس الذي فتك بحياة أكثر من 11,000 شخص في غضون سنتين قد بدأ في التلاشي فعليًّا إلى ذاكرة التاريخ. ولا يعني ذلك اختفاء الفيروس تمامًا.. فهو يبقى مختبئًا في مستودعات حيوانية، وفي الغالب، سوف يعود لينتشر بين البشر من جديد.

يقول ديفيد بيجوت، المتخصص في علم الأوبئة المكانية في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة: «يتوجب علينا التركيز على ما يمكن حدوثه بعد ذلك»؛ ولذا.. يجب العمل على كشف الأنواع التي تؤوي الفيروس في الحياة البرية؛ في محاولةٍ لمنع انتشار الوبائيات الفتاكة في المستقبل.

وتلك المهمة ليست سهلة؛ فمنذ بدء ظهور المرض في زائير ـ التي أصبح اسمها الآن جمهورية الكونغو الديمقراطية ـ لم تثمر أيّ من الجهود المبذولة لتعقُّب أصل تفشي الوباء في أي مرة عن شيء، حتى في التفشي الأخير. فبرغم تفشى الفيروس عدة مرات في حيوانات الغوريلا، والشمبانزي في الحياة البرية في أفريقيا الوسطى، إلا أن أجساد هذه الحيوانات تتأثر بشدة ـ كأجساد البشر ـ من الفيروس، حتى إنه لا يمكنها أن تكون مضيفًا طبيعيًّا له. ويرى الخبراء أنّ الأنواع التي يمكن أن تمثل مستودعًا للفيروس على الأرجح تؤوي مستويات منخفضة منه، ولا تمرض بسببه.

على رأس قائمة تلك الأنواع المضيفة المحتملة بعض خفافيش الفاكهة الموجودة في أفريقيا الوسطى والغربية، حيث بدأت كافة عدوى الإيبولا المعروفة؛ وهي تُصطاد عادةً من أجل أكل لحومها. فقد كشفت دراسة1 أُجريت في عام 2005 عن وجود مادة وراثية خاصة بفيروس الإيبولا في بعض خفافيش الفاكهة الموجودة في الجابون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كما كشفت عن وجود أجسام مضادة للفيروس في دماء البعض الآخر. ويُعْتَقد كذلك أنّ خفافيش الفاكهة تلك تنقل فيروس ماربورج، الذي يشبه فيروس الإيبولا كثيرًا.

«أنا على يقين من أنّ خفافيش الفاكهة هي مستودع فيروس الإيبولا».. هكذا صرَّح بيتر داساك، المتخصص في الأمراض البيئية، ورئيس تحالُف «إكو هيلث» EcoHealth، وهي منظمة حفظ في مدينة نيويورك، تنوي إجراء دراسة استقصائية لعدة أنواع من الخفافيش، بما فيها خفاش الفاكهة، في ليبيريا؛ بغية البحث عن علامات لوجود عدوى الإيبولا.

ويعتقد باحثون آخرون أنّ التركيز على الخفافيش وحدها هو أفق ضيق للغاية. يقول فابيان ليندرتس، المتخصص في علم الأوبئة في الحياة البرية بمعهد روبرت كوخ في برلين: «إن الأدلة التي تشير إلى خفافيش الفاكهة هي الأقوى بالفعل، لكنها تظل أدلة ضعيفة».

يشكّ ليندرتس في نوع آخر من الخفافيش. فقد ترأّس فريقًا للبحث عن مصدر التفشي الأخير للوباء في غرب أفريقيا في بدايات عام 2014، وذلك بعد عدة أشهر من الإصابة البشرية الأولى لطفل في جنوب غينيا. أمسك الفريق بعشرات الخفافيش قرب القرية التي يقطنها ذاك الطفل، إلّا أنهم لم يعثروا في أيّ منها ـ سواء في الأنواع الآكلة للفاكهة، أم غيرها ـ على أي إشارات قاطعة لوجود العدوى2. ورغم ذلك.. أثار دليل عرضي شبهة الباحثين حول خفافيش صغيرة آكلة للحشرات، كانت تعيش في شجرة بالقرب من بيت الطفل. أُحرِقَت الشجرة قبل أن يصل الباحثون إليها، إلّا أنه اتضح أنها كانت ممتلئة بتلك الخفافيش، وأخبر القرويّون فريق البحث أنّ الأطفال كانوا يلعبون في جذع الشجرة المُجوَّف. والآن، يبحث الفريق عن كثب في الخفافيش الآكلة للحشرات، برغم تحذير ليندرتس من صبّ جُلّ التركيز على حيوان واحد فقط.


استثنائيون.. مشتبَه فيهم

ينصح بعض الباحثين بتوسيع دائرة الاشتباه أكثر؛ إذ يقول جينس كون، المتخصص في علم الفيروسات في المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية في فورت دتريك بولاية ميريلاند: «لستُ مقتنعًا البتة بطرح الخفافيش ذلك». يرى كون أنّه بسبب أن الخفافيش موجودة بكثرة حول الإنسان، ومقرَّبة جدًّا منه، لا يمكن أن تُعتبر مصدرًا لعدوى ظهرت حوالي أربع وعشرين مرة فقط على مدار العقود الأربعة الأخيرة.. ويضيف قائلًا إنها «ستكون مضيفًا عجيبًا، إنْ صحَّ الأمر»، وبذلك.. قد تنضم المفصليات والفطريات أيضًا للاحتمالات، كما يرى.

يميل آخرون إلى البحث في الأنواع المألوفة أكثر.. فالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مثلًا تنوي إجراء دراسة استقصائية، تمتد على مدار عامين، لنطاق واسع من الحيوانات، بدءًا من القوارض، حتى المواشي والكلاب والقطط الأليفة. قد لا تكون تلك الحيوانات مستودعًا طبيعيًّا للفيروس، لكنها قد تسهم في انتشاره في الإنسان، حسب رؤية دينيس كارول، مدير وحدة «الإنفلونزا المتوطنة، والتهديدات الأخرى الناشئة» في الوكالة.

وبوجود الكثير من علامات الاستفهام حول المستودعات الفعلية لفيروس الإيبولا، يرى بعض العلماء أن الوقت قد حان للتوقف عن البحث عن الفيروس في مخلوقات معينة، والبدء في تَبَنِّي منهجيات أكثر شمولية، تبحث في عوامل بيئية وبشرية عامة لانتشار الأوبئة. ومِن بين هؤلاء.. توني جولدبرج، المتخصص في علم الأوبئة في جامعة ويسكونسين ماديسون؛ فهو لم يعد يساند الرأي القائل إنه يجب «علينا تغطية القارة الأفريقية بمبتعثين يقومون بتحليل التسلسلات الجينية، وأخْذ عيِّنات من أي كائن فيها يزحف، أو يطير، أو يسبح، لكي نجد المستودع الطبيعي للفيروس». ويقول: «كنت أفكر بهذه الطريقة أيضًا.. لكنّني الآن أحِيد عن هذا النهج». لذا.. يدرس فريق جولدبرج كيف يتعامل أولئك الذين يصطادون الحيوانات البرية لأَكْلها مع الأنظمة البيئية التي تنتمي إليها تلك الحيوانات، بغية تحديد عوامل، قد تكون ذات صلة بانتشار أنواع من العدوى حيوانية المصدر، مثل الإيبولا.

وبجهود مماثلة.. يقود بيجوت وزميله سيمون هاي ـ المتخصص في علم الأوبئة ـ فريقًا ينظر في العدوى السابقة للفيروس، باحثين عن عوامل بيئية عامة، مثل نمو النبات، وزيادته، ووجود أنواع من الحيوانات، يُشتبه في كونها مستودعات للفيروس، مثل خفافيش الفاكهة، وأخرى ناقلة له، كالقرود. وبعرض تلك المعطيات، أنشأ الفريق البحثي خريطة لمناطق معرضة لخطر انتشار الإيبولا3.

أما باربرا هان، المتخصصة في الأمراض البيئية في معهد كاري لدراسات الأنظمة البيئية في ميلبروك بنيويورك، فهي تستخدم تقنيات التعلُّم الآلي؛ للتنبؤ بأنواع الخفافيش، التي مِن المرجَّح أن تؤوي فيروس الإيبولا، والفيروسات ذات الصلة به، انطلاقًا من كونها تتقاسم العوامل البيئية العامة الموجودة في الأنواع المشتبه في كونها مستودعًا للفيروس.

تلقَّت بحوث علاجات ولقاحات الإيبولا تمويلات كثيرة من مصادر عامة وخاصة إبان انتشار الوباء. لذا.. يأمل الباحثون المتعقبون للفيروس في البر أن ينالوا اهتمامًا مشابهًا، ودعمًا ماليًّا مماثلًا؛ لكنهم يدركون أن الأمر لن يكون سهلًا. يقول جولدبرج: «أثار هذا الأمر الحماس والنشاط لدى الكثيرين، وأثار حماسي أنا أيضًا. إنّ المشكلة هي أنّنا لا ندري إلى أيّ وجهةٍ نمضي بكل هذا الحماس».

  1. Leroy, E. M. et al. Nature 438, 575–576 (2005).

  2. Saéz, A. M. et al. EMBO Mol. Med. 7, 17–23 (2014).

  3. Piggott, D. M. et al. eLife 3, e04395 (2014).