رؤية كونية

الاكتشافات الجديدة في الكيمياء تعيد إحياء أسئلة أساسية

يُعَدّ الجدول الدوري رمزًا واسع الشهرة لعلم الكيمياء، إلا أن مع الزيادة المطردة له يتحتم علينا أن نؤكد على أن العلم لا يهدف إلى إنتاج قوائم فقط، حسب قول فيليب بول.

فيليب بول
  • Published online:

Richard Haughton

نادرًا ما تستمع الكيمياء بأضواء الشهرة التي حظيت بها خلال يناير الماضي، إذ أعلن "الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية" IUPAC أن الصف السابع في الجدول الدوري قد اكتمل بعد اكتشاف أربعة عناصر مصنعة (ذات الأعداد 113؛ 115، 117؛ 118)، الأمر الذي أثار نقاشات جماهيرية موسعة من قبيل: ما هي الأسماء التي ينبغي أن نطلقها على هذه العناصر؟ وما هي الخواص الكيميائية التي تتميز بها؟ وما هي الحدود المستقبلية لتوسُّع الجدول الدوري؟

هذا الاستقبال الحماسي هو أمر إيجابي للكيمياء بطبيعة الحال، إلا أنه يندر كذلك أن يتم الاحتفاء والترحيب باكتشاف كيميائي، له هذا القدر الضئيل من التأثيرات على أجندة البحث العلمي. كما أن إعلان الاتحاد ـ في واقع الأمر ـ ليس إعلانًا عن اكتشاف هذه العناصر، بل هو مجرد إخطار بنتيجة تقييم المنظمة لمزاعم تصنيع هذه العناصر، ولتحديد أي العناصر لها الأولوية. والقِلَّة القليلة من المختبرات على مستوى العالم التي تملك الإمكانيات اللازمة للقيام بالمهمة المذهلة لتصنيع العناصر الجديدة لم تكن بحاجة إلى موافقة الاتحاد الدولي أولًا، قبل أن تواصل مهمتها في استكشاف هذه المناطق غير المطروقة.

كل عنصر من هذه العناصر فائقة الثقل يطرح أسئلة مثيرة للاهتمام، مثل: هل توجد ثمة منطقة تزيد فيها درجة الثبات النووي، بدلًا من أن تقل مع زيادة الكتلة؟ وهل تغيُّر التأثيرات النسبية للحركة فائقة السرعة للإلكترونات من الأنماط المتكررة لخواص العناصر في الجدول الدوري؟ لذا فإن هناك الكثير مما ينبغي أن نحتفي به وندرسه.

ما زالت مسألة اعتبار العلوم النووية تابعة لعلم الكيمياء مسألة خلافية منذ ظهور هذا المجال، إذ نظر إرنست رذرفورد إلى حصوله على جائزة "نوبل" في الكيمياء في عام 1908 عن أبحاثه على الاضمحلال الإشعاعي على أنها مزحة طريفة، وهي محاولة، يرى البعض أن المقصود بها إعادة العلوم النووية إلى الكيمياء، خاصة بعدما نال كل من ماري كوري، وبيير كوري جزءًا من جائزة "نوبل" في الفيزياء، مكافأةً عن أبحاثهما على النشاط الإشعاعي في عام 1903.

كانت هناك مسبِّبات قوية لنسبة هذا المجال إلى الكيمياء، خصوصًا في الوقت الذي اعتَمَد فيه عزل وتحليل النويدات المشعة على التطبيقات الماهرة والمبتكرة لطرق فصل الكميات الضئيلة من هذه المواد. ويمكننا تطبيق الحجة نفسها على دراسة العناصر فائقة الثقل في يومنا هذا، إذ إن التجارب التي أدت إلى تنقية وتوصيف مجموعة من ذرات العناصر ذات الأرقام التي تبدأ من 104 (رذرفورديوم)، وتنتهي برقم 108 (هاسيوم) ـ تلك العناصر التي تضمحل إشعاعيًّا في أعشار الثواني على أكبر تقدير ـ هي بلا شك أمثلة مذهلة على التحليل الكيميائي ذي الحساسية الفائقة، إلا أن الطرق التي تُستخدم لتصنيع هذه العناصر في المقام الأول ـ بواسطة قصف الأنوية الثقيلة بأيونات ثقيلة عن طريق تسريع هذه الأيونات، بحيث تكتسب مقدارًا من الطاقة، يُمَكِّنها من اختراق الحاجز الكهربائي الاستاتيكي التنافري الذي يحيط بالنواة المستهدفة ـ تُعتبر طرقًا منتمِية ـ بلا شك ـ إلى علم فيزياء الطاقة العالية.

لماذا لا نُطْلِق لخيالنا العنان، بدلًا من وَضْع الأعلام الوطنية على الاكتشافات؟

القضية الأكثر عمقًا هي مغزى اهتمام الجمهور بهذه العناصر الجديدة، وعلاقته بقيمة الجدول الدوري نفسه في أذهانهم، إذ إن تنظيم هذا الجدول للعناصر جعل منه أيقونة لعلم الكيمياء ككل. وبرغم ذلك.. لا يرجع الكيميائيون إليه إلا فيما ندر، ويعمل غالبيتهم على حفنة من العناصر الشائعة فحسب. ويصح القول إن الجدول الدوري يحمل قيمة أكبر في أذهان الجمهور من المشتغلين بالكيمياء بالفعل. وهذا أمر غريب، إذ إن هذا الوضع يشير إلى وجود فُرْقة بين نظرة الجمهور لعلم الكيمياء ـ باعتباره علم دراسة العناصر ـ وما يعمل عليه الكيميائيون بالفعل (صناعة الجزيئات والمواد، واستقصاء خواصها وتفاعلاتها).

هذا الوضع ليس فريدًا، فجدولة الأساسيات وترتيبها هو ركن مهم من أركان الفيزياء "جسيمات النموذج القياسي"، والأحياء كذلك "الشفرة الجينية، وقوائم الجينات، والتصنيف". وتحظى هذه التقسيمات بمكانة خاصة في الوعي الجمعي للجمهور، ولذا.. يُنظر إلى الفيزياء باعتبارها العلم الذي يسعى إلى اكتشاف جسيمات جديدة، (إذ تأتي الجسيمات فائقة التناظر في المكانة بعد جزيء بوزون هيجز، تصحبها جسيمات المادة المظلمة، وما شابهها)، وكذلك يصبح علم الأحياء معروفًا باعتباره المجال الذي يعمل على التعرف على "الجينات المسؤولة" عن الصفات المحددة.

الحماس البالغ لصنع القوائم هو أمر مفهوم؛ لأن هذه العملية تبسِّط الأفكار المعقدة، وتنظم الفوضى، وتوجهنا كذلك بصورة أساسية إلى التناظرات والمبادئ الجوهرية، كما هو الحال بالنسبة إلى الجدول الدوري وجسيمات النموذج القياسي. وكلنا نحب الأنظمة الجيدة، لكن مخاطر هذه النظرة أنها تجعل العلم يبدو وكأنه مجرد "تجميع للحقائق". وفي عصر البيانات الضخمة الذي نعيش فيه، يبدو أن هذه النظرة تسببت في تشكيل الفكرة الذهنية للجمهور عن طبيعة العلم، كما انتقلت عدواها إلى أجندات الأبحاث العلمية.

التحدي الذي يجابه الكيميائيين هو التوصل إلى طريقة لاستثمار جاذبية الجدول الدوري واتساقه، مع تفادي إرسال رسالة، مفادها أن هذا الجدول يحكي قصة أبحاثهم بالكامل. ويعزز هذا التركيز الجماهيري من أهمية السؤال عن الكيفية التي سوف تُسمى بها هذه العناصر؛ وهو أمر مثير للشفقة، بحيث إن النظرة ضيقة الأفق التي سادت في الماضي، المدفوعة بحس وطني يكاد يصل إلى التعصب، تبدو وكأنها سوف تستمر في وقتنا الحاضر، (انظر إلى هذه الأسماء: جرمانيوم، وفرانسيوم، وسكانديوم، وأميريسيوم، وعدة تنويعات على اسم مدينة "يِتِيرْبِي" في السويد). كما يعتقد الكثيرون أن العنصر 113 سوف يُسمى "جابونيوم"، لأن سَبْق اكتشافه مُنِح إلى فريق بحثي يعمل في معهد "رايكن" في اليابان. فلماذا لا نُطْلِق لخيالنا العنان، بدلًا من وضع الأعلام الوطنية على الاكتشافات؟

كنت لأشعر بسعادة بالغة لو أُطلق اسم "ليفيوم" على واحد من هذه العناصر، على شرف الكاتب والكيميائي بريمو ليفي، الذي يظل كتابه "الجدول الدوري" The Periodic Table من إصدار (دار نشر إينودي، 1975) أفضل كتاب عن الكيمياء على الإطلاق، كما كنت لأعجب بالمفارقة بين تسمية عنصر فائق الثقل باسم يرتبط لدى الكثيرين بالخفة.

اقتراحي هذا ليس مبنيًّا على الطرافة والهزل فحسب، إذ إن سجل ليفي عن الوقت الذي قضاه معتقلًا في معسكر أوشفيتز في كتابه "هل هذا هو الإنسان؟" If This Is a Man الذي صدر في عام 1947 يُعتبر أحد أهم مؤلفات القرن الماضي وأكثرها إنسانية، كما أنه شهادة على مقدرة العلم على منح الحرية والخلاص للعالم، وفي الوقت ذاته يعترف بقابلية العلم لأنْ يُساء استخدامه بشتى الطرق. وإطلاق اسم "ليفيوم" على عنصر ما سوف يجعل الجدول الدوري رمزًا للإنسانية بأسرها.