أخبار

الكلاب تُحبِط جهود القضاء على الدودة الغينية

يقف أحد الأوبئة التي تصيب الكلاب عائقًا أمام جهود القضاء الشامل على أحد الطفيليات.

إوين كالاواي
  • Published online:

<p>حدثت غالبية حالات الإصابة بالدودة الغينية في تشاد لدى مجتمعات الصيد، القائمة بمحاذاة نهر تشاري.</p>

حدثت غالبية حالات الإصابة بالدودة الغينية في تشاد لدى مجتمعات الصيد، القائمة بمحاذاة نهر تشاري.

PHILIPPE DESMAZES/AFP/Getty Images


صار القضاء على داء الدودة الغينية وشيكًا، بعد عقود من الجهود المبذولة، وبذلك ستصبح هذه أول عدوى طُفيلية يَقضي عليها العالم، إلّا أنّ الوباء الطفيلي الغامض الذي انتشر في الكلاب يهدِّد بإحباط هذه الجهود.

يقول ديفيد مولينو، المتخصص في علم الطفيليات في كلية ليفربول للطب المداري بالمملكة المتحدة: «إذا أردنا أن نكون حازمين في تحقيق ذلك، فعلينا أن نقضي على العدوى لدى الكلاب».

يقود «معهد كارتر» في أطلانطا بولاية جورجيا الأمريكية الحملة العالمية للقضاء على الدودة الغينية. وقد أعلن المعهد في الأسبوع الثاني من يناير الماضي عن هبوط عدد حالات هذه العدوى التي تسبب ألمًا لا يُطاق لأدنى مستوياتها بنحو 25 حالة مُبَلَّغ عنها طوال عام 2015 فقط، في أربعة بلدان، هي تشاد، وإثيوبيا، ومالي، وجنوب السودان، لكن مستويات العدوى في الكلاب متفاقمة في تشاد، حيث سيجتمع المسؤولون الرسميون في نهاية يناير؛ للتصدي للوباء المتفشي في الكلاب. وكان قد جرى تسجيل أكثر من 450 حالة من العدوى بالدودة الغينية في الكلاب الأليفة في وسط أفريقيا العام المنصرم، وهو عدد الحالات الأعلى إطلاقًا (انظر: «عودة وباء الكلاب»).

يشتبه باحثون ومسؤولون رسميون بشدة في أنّ الكلاب تنقل العدوى للإنسان، وبات التسابق الآن على فهم كيفية حدوث ذلك، وكيف تلتقط الكلاب العدوى من البداية. ومن غير المرجح أن تعلن منظمة الصحة العالمية اجتثاث الدودة الغنية، حتى يتوقف انتقالها بين الكلاب، كما يقول مولينو، الذي هو أحد أعضاء اللجنة التي ستتخذ هذا القرار.

Source: Carter Center/CDC


في عام 1986، عندما انضم «معهد كارتر» إلى حملة القضاء على الدودة الغينية، قُدِّر حدوث نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون حالة عدوى سنويًّا، معظمها بسبب تدنِّي النظافة، وتعسُّر الوصول إلى مصادر المياه النظيفة. فعندما يشرب الأشخاص مياهًا غير نقية؛ فإنهم قد يبتلعون مع المياه قشريات المياه العذبة المجهرية، التي تُدعى «مجدافيّات» copepods، والتي بدورها تُصاب بالعدوى بيرقات الدودة الغينية. وعندما تموت المجدافيات، فإنّها تُطْلِق اليرقات، التي تبلغ، وتتكاثر داخل أمعاء الإنسان. تموت الدودة الذكر بعد التزاوج، ولكن إناث الدودة البالغات ـ التي يصل طول الواحدة منها نحو 80 سنتيمترًا ـ تبقى على قيد الحياة، وتنتقل من الأمعاء ببطء. وبعد عام ـ تقريبًا ـ من الإصابة بالعدوى، تثقب هذه الديدان جلد الجسم المصاب، عادةً حول الأرجل، وباطن الأقدام. ويلجأ المصابون إلى الاستحمام في الأنهار، أو البحيرات؛ لتخفيف الآلام الحادة، وبذلك يلوثون المياه بالجيل التالي من اليرقات. وعلى الرغم من أنّ داء التنينات غير قاتل، إلّا أنّه قد يصيب الإنسان بالضعف والوهن لشهور طويلة، ويتسبب في تغيُّب الأطفال عن المدرسة لوقت طويل.

يقول دونالد هوبكينز، الذي يعمل كمستشار خاص لدى «معهد كارتر»، ويقود جهود القضاء على الدودة الغينية: «لا يتوفر لقاح مضاد للطفيلي، ولا يوجد علاج فعّال. ولذا.. انصبَّت جهود القضاء عليه في توفير مياه نظيفة، وتغيير سلوكيات الأشخاص». فقد تعلّم الأشخاص في المناطق التي كانت تنتشر فيها الدودة تصفية المياه باستخدام قطع من القماش، وتجنُّب إعادة تلويث مصادر المياه. وباتت حتى القرى البعيدة قادرة على احتواء العدوى، وإبلاغ مسؤولي الصحة عن حالات الإصابة.

كانت تشاد على وشك أن يُعلَن خُلُوُّها من دودة غينيا مع نهاية عام 2000، إلّا أنّ حالة واحدة سُجِّلت مع بداية إبريل من عام 2010. وقد أفضى تشديد الرصد إلى الكشف عن عدد من حالات العدوى، إذ سُجِّلت نحو 60 حالة عدوى مُذْ ذاك الوقت.

وكثيرًا ما كانت هذه الحالات متفرقة ومعزولة عن بعضها البعض، حسب وصف مارك إبرهارد، متخصص علم الطفيليات، ومستشار القضاء على دودة غينيا في معهد كارتر. ومِن المألوف أكثر أن يأخذ حدوثُ حالات العدوى النمطَ العنقودي، ليعاود الظهور مجددًا في القرية نفسها، عامًا بعد عام. ويقول إبرهارد: «ليس ثمّة ازدياد أو تفجُّر في عدد الحالات، كما قد يتوقع البعض».

«إذا أردنا أن نكون حازمين في تحقيق ذلك، فعلينا أن نقضي على العدوى لدى الكلاب».

بعد مدة قصيرة من هذه المشاهدات، بدأ المسؤولون الرسميون يسمعون إشاعات عن إصابة كلاب بعدوى الدودة الغينية في تشاد. وقد عَرَف الباحثون على مدى عقود أنّه نادرًا ما تصاب الكلاب والنمور وعدد من الثدييات بعدوى مشابهة للدودة الغينية، ولكنهم افترضوا أنْ تكون هذه الحالات ناجمة عن الإصابة بفصيل نادر من طفيل Dracunculus، الدودة الخيطية التي تسبِّب المرض، أو لربما تكون أمثلة نادرة لعدوى قد تكون انشقت عن تقشِّي مرض يصيب البشر.

وفي تشاد، يعتقد الباحثون في الوقت الراهن أنّ الكلاب هي التي تنقل الدودة للإنسان، وليس بالعكس. وقد سَجَّل الموظفون الرسميون ـ بين يناير وأكتوبر من عام 2015 ـ نحو 459 حالة إصابة لدى الكلاب في 150 قرية في وسط أفريقيا، وهو حجم غير مسبوق من حيث عدد الحالات. ويؤكد تحليل التسلسل الجيني أن الكلاب في تشاد مصابة بالديدان الخيطية نفسها Dracunculus medinensis التي تصيب البشر بالوباء (M. L. Eberhard et al. Am. J. Trop. Med. Hyg. 90, 61-70; 2014).

ولفَهْمٍ أفضل للوضع، يقوم حاليًّا فريق عمل ـ يقوده كل من جيمس كوتون، وكارولين دورانت، المتخصصَين في علم الجينات لدى «معهد وِلْكَم تراست سانجر» في هينكستون بالمملكة المتحدة ـ بتحليل التسلسلات الجينية لمزيد من ديدان غينيا، التي يجري جَمْعها من الكلاب والأشخاص في تشاد؛ لتأكيد ما إذا كانت الكلاب تنقل العدوى للإنسان بالفعل، أم لا، بينما يحاول إبرهارد ـ المقتنِع تمامًا بأنّ الوضع بالفعل كذلك ـ تحديد كيف تلتقط الكلاب العدوى أصلًا. ويعتقد أنّه من غير المحتمل أن تصاب الكلاب بالعدوى عبر شرب الماء الملوث، لأنّ الكلاب تُفْزِع المجدافيّات عندما تلعق الماء. وقد حدثت غالبية حالات الإصابة في تشاد لدى مجتمعات الصيد، على امتداد نهر تشاري. ويشتبه إبرهارد في أنّ الكلاب تأكل أحشاء السمك آكِل المجدافيّات. وبعدها، تنقل الكلاب العدوى للإنسان بتلويث المياه باليرقات.

يَختبِر باحثون ـ مِن بينهم إبرهارد ـ جوانب هذه الفرضية على حيوانات ابن مقرض، وهو حيوان نموذجي يُستخدم في بحوث الأمراض، لكنّ المسؤولين الرسميين في تشاد لن ينتظروا حتى صدور نتائج الاختبارات، لاتخاذ التدابير، فمنذ فبراير 2015، بدأوا في عرض 20 دولارًا أمريكيًّا على كل مَن يبلِّغ عن حالة إصابة بالدودة الغينية في الكلاب، ورَبْط الكلاب؛ لمنعها من تلويث مصادر المياه. كما أنهم يشجعون القرويين على دفن أحشاء السمك؛ لمنع الكلاب مِن أَكْلها. وفي الوقت نفسه، تُجرى تجربة طبية، لمعرفة إذا ما كان للدواء المُستخدم في علاج الدودة القلبية ـ من الطُفيليات المستديرة الشائعة في الكلاب ـ تأثير على العلاج من الدودة الغينية. ولأنّ مدة حضانة الدودة الغينية تستمر نحو عام، فقد ينجلي الأمر قبل نهاية عام 2016، ليتبيّن ما إذا كان هذا التدخل ناجحًا، أم لا.

يقول السكان من كبار السن من القرى الممتدة بمحاذاة نهر تشاري إنّ سلوكياتهم في الصيد لم تتغير، حسبما يقول هوبكينز، ولا يذكرون حدوث حالات عدوى الكلاب بالدودة الغينية في الماضي. وفي المقابل، يقول مولينو إنّ نَقْل القليل من الأشخاص للمرض قد يفسِّر التقاط الكلاب للعدوى، ويضيف: «لو كنتَ دودة غينية، ولم يتبقّ من نوعك أكثر من 100 في العالَم، فما الذي كنتَ ستفعله؟ ستغادر جسم المضيف الذي تُهاجَم فيه، وتنتقل إلى مضيف آخر».