تأبين

موريس سترونج (2015–1929)

رجل النفط الذي كان أول مَن شغل منصب مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

إحسان مسعود
  • Published online:

أصبح التغيُّر المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية من الموضوعات التي يهتم بها الجمهور. وللمفارقة.. يرجع الفضل في ذلك إلى أحد رجال النفط ـ وهو موريس فريدريك سترونج ـ أحد أقطاب الوقود الأحفوري، وأول من شغل منصب المدير التنفيذي المؤسِّس لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP، الذي وافته المنيّة في 27 نوفمبر الماضي.

Keystone Pictures USA/Alamy Stock Photo

كان سترونج أحد آخِر أفراد جيل الباحثين الذين تقلَّدوا مناصب إدارية في كندا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الجيل نفسه الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء السابق ليستر بيرسون، حيث عايَش هذان الشخصان حقبة الكساد الاقتصادي العظيم، والحرب العالمية الثانية، وقرَّرا ألّا يعيد التاريخ نفسه؛ فجعل بيرسون مِن كندا بطلة العالَم في محاربة الفقر، وكان سترونج جنديًّا في الجيش الذي سخَّره بيرسون لبناء الأمة، إذ ساعد في مهمة بناء «الوكالة الكندية للتنمية الدولية» في عام 1968، وكذلك في تأسيس الشركة الوطنية للنفط «بيترو كندا» Petro-Canada في عام 1976.

وبفضل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، توجد في كل حكومة ـ في وقتنا الحاضر ـ وزارة تهتم بشؤون الحفاظ على البيئة. ويُنسَب الفضل في إنشاء هذا البرنامج في عام 1972 بصورة مباشرة إلى المهارات الفريدة التي تحلَّى بها سترونج، إذ كان ماهرًا في تبسيط الموضوعات العلمية المعقدة، وتيسير فَهْمها لغير المتخصصين، كما كانت له مقدرة مميزة على بناء تحالفات غير عادية بين الفرقاء؛ من أجل دعم القضايا التي كان يهتم بها. وفي عام 2009، لَخَّص أسلوبه بالشكل التالي: «بدلًا من المواجهة، كنتُ أتعاون مع مَن أختلف معهم، فلَمْ أفرِض رأيي، بل كنتُ أراوغ، ولم يحدث أنْ تنازلتُ أبدًا».

وُلد سترونج في إبريل من عام 1929 في بلدة أوك ليك، الواقعة في الريف الكندي، لأسرة كانت تمر بأوقات عصيبة، حسبما كَتَب في سيرته الذاتية المؤثرة، التي كانت بعنوان: «إلى أين نحن ذاهبون بحق السماء؟» ?Where on Earth Are We Going، عن دار نشر «كنوبف 2000»، حيث عبَّر قائلًا: «لقد سَلَب الكسادُ العظيم والدي سبلَ الرزق واحترامه لنفسه، كما دمَّر صحة والدتي؛ وقتلها في نهاية المطاف». وفي الشتاء، كانت ملابسه تتيبس بفعل التجمد، وفي كثير من الأوقات لم يكن هناك في البيت ما يؤكل، ما عدا الأعشاب، ونبات الهندباء. وقد ظل شبح العوز والجوع ـ الذي شهده سترونج في تلك الفترة ـ يطارده لسنوات طويلة من حياته.

وحينما جاء وقت مغادرته للمدرسة في عام 1943، كسب سترونج جائزة نقدية، كان يُفترَض أن تعينه على دفع نفقات الدراسة الجامعية، ولكنه استخدم هذه الأموال لدفع الديون المستحقَّة على والديه. ولم يلتحق سترونج بجماعات الشباب التي كانت متجهة إلى جبهات القتال. وبينما كان ينتظر قطار البضائع على مقربة من منزله، وقع نظره على نسخة ملقاة من الصحيفة المحلية. وقرأ سترونج في ذلك العدد أن ونستون تشرشل، وفرانكلين روزفلت قرَّرا أن يعملا معًا على توحيد الأمم بعد نهاية الحرب، وعندها قرَّر سترونج أن يسهم في هذه المهمة.

وعلى مر العقدين التاليين، شق سترونج طريقه في مجالين، ينظر إليهما الكثيرون على أنهما متناقضان، إذ كان أحد أقطاب صناعة النفط، حيث أَسَّس شركات، وباع واشترى غيرها. كما اكتسب معرفة لا تُبارَى، وخبرة لا تُضاهَى في مجال الطاقة، وفي النهاية أصبح ثريًّا. وكان للثروة التي اكتسبها سترونج من النفط غرض آخر، إذ كانت جواز مروره إلى دوائر النخبة في كندا، حيث جَذَب صيت سترونج ومقدرته على توليد الثروة إلى جذب انتباه الوزراء، الأمر الذي مَكَّنه من الالتفات إلى تحقيق طموحاته في الخدمة العامة في كندا، وعلى مستوى العالم.

وفي عام 1969، بينما كان سترونج يدير برنامج المعونة الكندي، طلبت السويد منه النصح بشأن كيفية إنقاذ مؤتمر عالمي عن البيئة من محاولات إفشاله. وكان من المقرر أن يتم عقد ذلك المؤتمر في ستوكهولم في عام 1972. ولم تُبْدِ سوى بلدان قليلة رغبتها في المشاركة، كما بدا أن هناك دولًا سَجَّلَت رغبتها في الحضور كانت تتمنى فشل هذا المؤتمر. وفي ذلك الوقت، لم تكن الدول النامية قد اقتنعت بعد بأنه يوجد ما يهدد البيئة. وحينها، قام سولي زوكرمان ـ المستشار العلمي السابق للحكومة البريطانية ـ بوصف سترونج بأنه «متطرف»، زاعمًا أن التدهور البيئي قابل للانعكاس.

كانت لدى الدول النامية مخاوف أخرى، إذ رأت دولٌ طامحة إلى التحول إلى دول صناعية هذا المؤتمر بمثلبة مؤامرة للإبقاء عليها تحت وطأة الفقر. فقد قال محبوب الحق، مسؤول الاقتصاد الأساسي السابق في باكستان آنذاك: «دول العالم الثالث ليست قلقة من تدهور جودة الحياة بمقدار قلقها على الحياة ذاتها». كما هددت دول الكتلة السوفيتية بمقاطعة المؤتمر، لأن الولايات المتحدة طالبت باستبعاد ألمانيا الشرقية الشيوعية من حضور المؤتمر.

باشر سترونج العمل، وبوصفه السكرتير العام للمؤتمر، قام بتعيين عالِم من الاتحاد السوفيتي في فريق عمله، الأمر الذي مَكَّنه من فتح خط تفاوض مباشر مع موسكو. كما طلب أيضًا من الدول النامية أن تضع أجندة الاجتماع، وكانت الرسالة من وراء هذه الخطوة أنه يمكن لهذه الدول أن تحمي بيئاتها، من غير أن تضحِّي بطموحاتها الصناعية، كما ينبغي على الدول الغنية أن تساعد على تمويل قيام الدول النامية بإنجاز هذه الأهداف. ولكي يتمكن من التصدي لاعتراضات العلماء البريطانيين، استعان سترونج بخبرات فريق من معهد ماساتشوستس للتقنية في كمبريدج، كان قد فرغ لِتَوِّه من نشر كتاب «عقبات النمو» The Limits to Growth، عن دار نشر «يونيفيرس»، في عام 1972.

قام سترونج أيضًا بتعيين باربرا وورد، المحررة السابقة للشؤون الخارجية في مجلة «الإيكونوميست»، التي تحولت إلى مُدَافِعة عن البيئة، في فريق عمل المؤتمر؛ وذلك لكي تعادل تأثير دبلوماسيّ الدول الغنية المتشككين. وبطريقة ما، استطاع سترونج إقناع أنديرا غاندي ـ رئيسة وزراء الهند حينئذ ـ أن تُلْقِي الكلمة الافتتاحية في المؤتمر.

انتهى مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية بخطوات عملية، إذ قاد هذا الاجتماع إلى إنشاء كيان جديد في الأمم المتحدة؛ لمراقبة البيئة العالمية، متخذًا من مدينة نيروبي في كينيا مقرًّا له. وظل سترونج في منصب المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة حتى عام 1975. وبعد عقدين من الزمان، طلبت منه الأمم المتحدة أن يقود قمة الأرض، التي عُقدت في ريو دي جانيرو، والتي ترتب عليها إبرام ثلاث اتفاقيات إضافية، هي: الاتفاقية الإطارية بشأن تغيُّر المناخ، واتفاقية التنوع الحيوي، وفي وقت لاحق.. اتفاقية مكافحة التصحر.

رغم ما سبق.. كان هناك مَن لم تعجبهم قدرات سترونج الدبلوماسية، إذ اعتبره الكثيرون من العاملين في مجال صناعة الطاقة من مناصري البيئة المتخفِّين، بينما كانت المجموعات البيئية تنظر إليه باعتباره ممثلًا لشركات النفط العملاقة. كما هاجمه حزب اليمين، باعتباره ممثلًا لحكومة كبيرة. وواقع الأمر أنه لم يحرز برنامج الأمم المتحدة للبيئة ـ ولا الاتفاقيات البيئية ـ سوى القليل من التقدم في مضمار إبطاء التغير المناخي، أو الحدّ من معدلات فقدان التنوع الحيوي.

إنّ هذا الفشل لا يمكن أن يُلْقَى على عاتق سترونج وحده، إذ تشير هذه الانتكاسات إلى عيب في بِنْية البيئة العالمية، التي ساعد سترونج على تأسيسها، حيث تحتاج الاتفاقيات العالمية صديقة البيئة إلى قادة متفرِّدين، وكان موريس سترونج آخِر هؤلاء القادة. وهكذا، شَكَّلَت وفاته نهاية مرحلة تاريخية مهمة.