تحقيق إخباري

أساطير لن تموت

لا تزال الخبرات الإنسانية تكتنفها الاعتقادات الخاطئة والتصورات الحالمة، التي تؤذي أصحابها، وتعوق مسيرة العلم والعلماء.

ميجان سكوديلاري
  • Published online:

Illustration by Ryan Snook


في عام 1997، بدأ الأطباء في جنوب غرب كوريا تقديم خدمة الفحص بالموجات فوق الصوتية؛ للكشف المبكر عن سرطان الغدة الدرقية. وذاع صيت هذه الخدمة، وسرعان ما بدأ الأطباء في المناطق المجاورة يقدمون الخدمة ذاتها؛ حتى انتشرت في جميع أنحاء البلاد بفضل مبادرة حكومية عن أنواع أخرى من السرطان. وأجرى مئات الآلاف هذا الفحص مقابل مبالغ تتراوح ما بين 30 و50 دولارًا.

وقفزت نسبة اكتشاف الإصابة بسرطان الغدة الدرقية في كل ربوع البلاد من 5 حالات لكل 100 ألف نسمة في عام 1999 إلى 70 حالة لكل 100 ألف نسمة في عام 2011. وأزال ثلثا الذين ثبتت إصابتهم بالمرض الغدد الدرقية المصابة، ووُصفت لهم برامج علاجية؛ لاتِّباعها مدى الحياة. والأمران كلاهما لهما مخاطر.

كان المتوقَّع أن تسهم هذه البرامج المُكلفة والشاملة في تحسين الصحة العامة، وإنقاذ حياة المصابين، لكن هذا البرنامج أخفق في ذلك، فقد أصبح سرطان الغدة الدرقية الآن من أكثر أنواع السرطان التي يتم تشخيصها في كوريا الجنوبية انتشارًا، لكن عدد الذين يقضون نحبهم بسببه ظل ثابتًا دون تغيُّر، بمعدل شخص واحد من بين كل 100 ألف شخص. وحتى عندما أدرك بعض الأطباء هذا الأمر، واقترحوا وقف اختبارات فحص الغدة الدرقية في عام 2014، رفضت الجمعية الكورية للغدة الدرقية ـ وهي جمعية مهنية، تضم أطباء الغدد الصماء، وجَرّاحي الغدة الدرقية ـ هذا الاقتراح، وأكدت أن كلًّا من الفحص والعلاج حق أساسي من حقوق الإنسان.

وفي كوريا، كما هو الحال في دول أخرى، كان الاعتقاد بأن الاكتشاف المبكر لأي نوع من أنواع السرطان ينقذ المريض اعتقادًا راسخًا، لا يقبل الشك.

تجسِّد هذه الثقة العمياء في فحوص السرطان مدى انتشار الأفكار المغلوطة عن جسم الإنسان، والسلوكيات البشرية بين الناس ـ ومن بينهم العلماء ـ رغم توفُّر الأدلة العلمية على عدم صوابها. وعن ذلك يقول نيكولاس سبيتزر، مدير معهد كافلي للمخ والعقل في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو: "يَعتقِد العلماء أن لديهم من الموضوعية ما يحول بينهم وبين الاعتقاد في أوهام العامّة وتصوُّراتهم التي تشبه الأساطير"، غير أنهم يقعون في الفخ ذاته.

تنبت هذه الأساطير غالبًا من بذرة حقيقية، تقول إن الاكتشاف المبكر لبعض أنواع السرطان ينقذ فعلًا حياة المريض، ثم تزهر هذه البذرة في رحم الرغبات والمخاوف البشرية، مثل الخوف من الموت، ولكن هذه الأساطير تضر حينما تدفع الناسَ إلى طلب علاج غير ضروري، أو إنفاق المال على منتجات غير مُثْبَتة الفاعلية. وهي عادة ما تتسبب في انحراف أو فشل الأبحاث الواعدة، عن طريق تشتيت العلماء، أو احتكار التمويل. والتخلص من هذه الأساطير صعب للغاية.

يقول بول هاوارد جونز ـ طالِب علم الأعصاب والتعليم في جامعة بريستول بالمملكة المتحدة ـ إنه ينبغي للعلماء تفكيك هذه الأساطير، وإبطالها. وهم يحملون ـ في الوقت نفسه ـ على عاتقهم مسؤولية وأد الأساطير الجديدة في مهدها. ويضيف قائلًا: "علينا أن نَنفذ إلى جوهر الأمور؛ لنعرف أسباب ظهور هذه الأساطير في المقام الأول، ولماذا تنتشر وتسيطر على العقول".

بعض الأساطير الخطيرة يتوفر لها الكثير من الوقت للانتشار، مثل أنّ لقاحات التطعيم تسبِّب التوحد، وأن فيروس نقص المناعة البشرية لا يسبب الإصابة بالإيدز، وغيرها من أساطير تهيمن على طريقة التفكير؛ فتؤذي الناس؛ وتبدد أموالهم، وتعرقل المشروعات البحثية، وتتسبَّب في الضغط على أعصاب العلماء. وهنا تسلِّط دورية Nature الضوء على أصول وداعيات خمسة من الأساطير التي ترفض أن تموت.

الأسطورة الأولى: الفحص المبكر ينقذ حياة المصاب بأي نوع من السرطان

ربما يفيد الفحص المنتظم لبعض الفئات المعرضة لخطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان، مثل سرطانات الرئة، والقولون، والعنق، ولكنه لا يجدي نفعًا مع أنواع الأخرى، غير أن هناك مرضى وأطباء لا يزالون يدافعون باستماتةٍ عن اختبارات الفحص غير الضرورية.

نشأ الاعتقاد بأن الاكتشاف المبكر للسرطان ينقذ حياة المصاب في بداية القرن العشرين، عندما أدرك الأطباء أنهم يحصلون على أفضل النتائج عندما يكتشفون الأورام، ويعالجونها فور ظهور الأعراض، فكانت الخطوة المنطقية التالية هي افتراض أنه كلما اكتُشف الورم مبكرًا؛ زادت فرص الشفاء. يقول أوتيس براولي، كبير الأطباء في الجمعية الأمريكية للسرطان: "لقد عَلَّمونا منذ نعومة أظفارنا أن الطريق لعلاج السرطان يبدأ باكتشافه مبكرًا، ثم استئصاله".


وقد أثبتت الأدلة من الاختبارات العشوائية الكبيرة لأنواع من السرطان، مثل الغدة الدرقية، والبروستاتا، والثدي ـ بخلاف الاعتقاد الشائع ـ أن الفحص المبكر لا يؤدي إلى إنقاذ حياة المصاب. فعلى سبيل المثال.. أثبت تقييم كوكرين لخمس تجارب إكلينيكية عشوائية مضبوطة، شملت 342,341 مشاركًا، أن الفحص المبكر لم يقلِّل من الوفيات في حالة سرطان البروستاتا1.

يقول أنتوني ميلر من جامعة تورونتو في كندا: "يبدو أن الناس يتصورون أن الاكتشاف المبكر لسرطان ما يجب أن يكون إيجابيًّا، لكن هذا التصور غير صحيح على الإطلاق". رَأَسَ ميلر المشروع الكندي الوطني لدراسة فحص الثدي، وهي دراسة استمرت 25 عامًا، وشملت 89,835 امرأة، تراوحت أعمارهن بين 40 و59 عامًا2. وَجَدَت الدراسة أن الفحص السنوي بالأشعة السينية لم يقلل من حالات الوفاة، لأن هناك أورامًا تؤدي إلى الوفاة، أيًّا كان وقت اكتشافها وعلاجها. وفي الوقت نفسه، ثبت أن الفحص المتكرر له آثار سلبية على الصحة؛ فالعديد من السرطانات ينمو ببطء، ولن يؤدي إلى أي ضرر، لو أنها تُرك على حاله، ولكن اكتشاف السرطان مبكرًا يؤدي إلى استئصال الناس للغدة الدرقية، والثدي، والبروستاتا بغير ضرورة. ولهذا.. فإن المزايا ـ عدد الناس الذين عُولجوا، وشُفوا ـ لا تضاهي المخاطر، المتمثلة في عدد الذين ماتوا، أو تضرروا من علاج غير ضروري.

ومع ذلك.. سيَشْعُر مَن اكتشف إصابته بالسرطان، ثم خضع لعملية جراحية لاستئصاله، بالامتنان لإنقاذ حياته. وهذه التجارب الشخصية الفردية هي التي تغذِّي هذا التصور الخاطئ، وتبقيه مستمرًا. ويدور جدل بين أطباء الأورام دائمًا حول الفئات العمرية والحالات التي يمكن أن تستفيد من الفحص المنتظم.

يقول براولي إن التركيز أكثر من اللازم على اختبارات الفحص يأتي على حساب أبحاث السرطان، "ففي حالة سرطان الثدي، أَضَعْنا وقتًا كبيرًا في الجدل حول العمر الذي يجب أن يبدأ فيه الفحص المنتظم.. أفي الأربعين، أم في الخمسين، بدلًا من التحاور حول كوننا نحتاج إلى اختبارات تشخيصية أفضل"، مثل الاختبارات التي تكشف عما إذا كان نمو الورم سريعًا، أم بطيئًا. ويقول جون إيوانيديس من مركز ستانفورد لأبحاث الوقاية في كاليفورنيا إنه ينبغي إجراء مراجعة صارمة لوسائل التشخيص الحالية؛ لإثبات جدواها في إنقاذ حياة الناس. وكان إيوانيديس قد أعلن في العام الماضي أن اختبارات الفحص التي أسهمت في تقليل حالات الوفاة بسبب 19 مرضًا خطيرًا قليلةٌ للغاية3.

إنّ تغيير السلوكيات مهمة عسيرة. يقول جيلبيرت ويلش ـ من معهد دارتموث للسياسة الصحية والممارسات الإكلينيكية في مدينة لبنان بولاية نيوهامبشاير ـ إن الناس يفضِّلون إجراء اختبار سريع كل بضع سنوات على تَلَقِّيهم نصائح حول تناول الطعام الصحي، وممارسة الرياضة؛ من أجل الوقاية من السرطان. ويضيف: "لقد أصبح الفحص وسيلة سهلة لكلٍّ من الطبيب والمريض، معتقدين أن ذلك أفضل ما يمكن عمله للحفاظ على الصحة، لكن احتمالات الإصابة بالسرطان لم تتغير على الإطلاق".

Illustration by Ryan Snook

الأسطورة الثانية: مضادات الأكسدة مفيدة، والجزيئات الحرة ضارة

في ديسمبر 1945، اقترحت زوجة عالِم الكيمياء دينهام هارمان عليه قراءة مقالة في دورية "ليديز هوم" بعنوان: "غدًا ستصبح أكثر شبابًا". حَفَّزت المقالة اهتمامه بالشيخوخة. وبعد سنوات، عندما أصبح باحثًا مساعدًا في جامعة كاليفورنيا، في مدينة بيركلي، خطرت على باله فكرة "مفاجئة"، على حد وصفه. تَفترِض الفكرةُ أن الشيخوخة تتسبب فيها "الجزيئات الحرة" Free Radicals، وهي جزيئات تفاعلية تتراكم في الجسم ضمن النواتج الثانوية لعملية الأيض، وتؤدي إلى تلف الخلايا.

الْتَفَّ العلماء حول نظرية الجزيئات الحرة المسبِّبة للشيخوخة، مع الاعتقاد الضمني بأن مضادات الأكسدة ـ باعتبارها جزيئات تبطِل مفعول الجزيئات الحرة ـ جيدة لصحة الإنسان. وبحلول التسعينات، أصبح هناك كثير من الناس يتحدثون عن المكملات الغذائية من مضادات الأكسدة، مثل فيتامين "سي"، و"بيتا كاروتين".

يقول سيجفرايد هيكيمي، عالم الأحياء في جامعة ماكجيل في مونتريال بكندا: "من النظريات العلمية القليلة التي وصلت إلى الجمهور: الجاذبية، والنسبية، وتلك الخاصة بأن الجزيئات الحرة هي السبب في الشيخوخة، ومن ثم يحتاج المرء إلى مضادات الأكسدة".

ومع بدايات القرن الواجد والعشرين، واجه العلماء الذين حاولوا البناء على النظرية نتائج محيرة؛ فالفئران المعدلة وراثيًّا؛ لإنتاج المزيد من الجزيئات الحرة، عاشت أعمارًا مماثلة لأعمار الفئران العادية4، وكذلك الفئران المعدلة وراثيًّا؛ لإنتاج المزيد من مضادات الأكسدة، لم تعش أطول من الفئران العادية5. وكانت تلك نقطة البداية لسيل من الاكتشافات السلبية، التي كان من الصعب نشرها. يصف ديفيد جِمز في كلية لندن الجامعية ـ الذي بدأ نشر نتائجه السلبية في عام 2003 (المرجع 6) ـ نظرية الجزيئات الحرة بأنها "أشبه بكائن ما، نحاول قتله، فلا ننفكّ نطلق عليه الرصاص، لكنه لا يموت". بعد ذلك.. أثبتت دراسة على البشر7 أن مكملات مضادات الأكسدة تبطل الفوائد الصحية للتمرينات الرياضية، وأكدت دراسة أخرى وجود ارتباط بين مضادات الأكسدة، وارتفاع نسبة الوفيات8.

وهذه النتائج لم تثبط السوق العالمية لمضادات الأكسدة، بدءًا من الأطعمة والمشروبات إلى علف الماشية. ومن المتوقع أن تواصل هذه السوق نموها، لترتفع من 2.1 مليار دولار في 2013 إلى 3.1 مليار دولار في 2020. ويعلِّق جِمز قائلًا: "إنها سوق هائلة. والسبب في بقاء أوهام الأكسدة والشيخوخة هو أن الناس الذين يجنون المال من ورائها يعملون على ترسيخها".

يتفق اليوم معظم الباحثين الذين يدرسون الشيخوخة على أن الجزيئات الحرة قد تتسبب في تلف الخلايا، ولكن يبدو ذلك جزءًا طبيعيًّا من رد فعل الجسم تجاه التوتر والضغوط. ومع ذلك.. أهدر الباحثون في هذا المجال الوقت والموارد. ويقول مايكل ريستو ـ باحث في عمليات التمثيل الغذائي في المعهد السويسري الفيدرالي للتكنولوجيا في زيوريخ بسويسرا ـ إن هذه الفكرة المغلوطة تقف عائقًا أمام نشر المزايا المحتملة للجزيئات الحرة. ويضيف: "هناك عدد كبير من الأدلة حبيس الأدراج. ووحدات التخزين تدعم هذا الرأي، لكن القائمين عليها لا ينشرونها، لتظل فكرة مسؤولية الجزيئات الحرة عن الشيخوخة تمثل مشكلة جسيمة".

يشكك بعض الباحثين أيضًا في الافتراض الشهير القائل إنّ تَلَف الجزيئات من أي نوع يسبب الشيخوخة. يقول جِمز: "هناك علامة استفهام حول ما إذا كان ينبغي إهمال الأمر برمّته، أم لا". والمشكلة ـ على حد قوله ـ تكمن في أن "الناس الآن لا يعرفون أين الحقيقة".

Illustration by Ryan Snook

الأسطورة الثالثة: الإنسان يتمتع بمخٍّ استثنائيٍّ كبير

غالبًا ما يُنظر إلى المخ البشري ـ بقدرته الإدراكية المذهلة ـ على أنه ذروة ما وصل إليه التطور في الأدمغة. وتُعزى هذه النظرة في الغالب إلى الحجم الاستثنائي للمخ، مقارنة بالجسم، وكذلك إلى كثافة الخلايا العصبية والخلايا الداعمة التي تسمى "الدِّبْق العصبي".

وكُلّ ما سبق تجافيه الحقيقة. يقول لوري مارينو، عالم الأعصاب في جامعة إيموري في أتلانتا، جورجيا: "نحن ننتقي الأرقام التي تجعلنا نشعر بالتفوق". فمُخّ الإنسان أكبر بسبعة أضعاف المتوقَّع بالنسبة إلى الحيوانات المماثلة في الحجم، لكن الفئران والدلافين تتمتع بأدمغة مماثلة في الحجم النسبي، بل إن الحجم النسبي للمخ أكبر في بعض الطيور.

يقول تشيت شيروود، عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية في جامعة جورج واشنطن في واشنطن العاصمة: "تنطبق قواعد التناسب على الدماغ البشري. فلدينا مخ متناسب مع أحجامنا كمخلوقات من فصيلة الثدييات العليا". وحتى عدد خلايا المخ ناله قدر كبير من المبالغة والتضخيم، فمعظم المقالات والمراجعات والمراجع الدراسية تقول إن المخ البشري يتكون من 100 مليار خلية عصبية، لكن القياسات الأدقّ تقول إن الرقم الأصوب هو 86 مليار خلية. قد يبدو ذلك خطأ في التقريب، لكن 14 مليار خلية عصبية تعادل تقريبًا ضعف حجم مخ قردة المكاك.

يختلف مخ الإنسان عن أدمغة الكائنات الأخرى من الثدييات العليا في نواحٍ أخرى.. فالإنسان العاقل يتمتع بقشرة مخية أكبر، وهي الجزء المسؤول في المخ عن وظائف مثل التفكير واللغة. ويتميز مخ الإنسان بخصائص فريدة في الهيكل والوظائف العصبية في أجزاء أخرى منه.

يقول شيروود إن أسطورة تميُّزنا بمخ فريد بسبب العدد الكبير من الخلايا العصبية قد ألحقت الضرر بالعلوم العصبية، لأنها طغت على الفروق الأخرى المحتملة، التي نادرًا ما كانت تحظى بالدراسة والتحقيق، ومنها التمثيل الغذائي، ومعدل نمو خلايا المخ، وطول الوصلات العصبية. ويضيف: "تمثل هذه الخصائص فروقًا تميِّز البشر عن الكائنات الأخرى، وهي فروق لا تبدو مرتبطة بأي علاقة تَنَاسُب مع العدد الإجمالي للخلايا العصبية".

بدأ الاهتمام بهذه الفرروق يتزايد رويدًا، وشرعت مشروعات بحثية في التعرف على وظائف المخ، من خلال دراسة أنماط الوصلات العصبية، وليس حجم المخ، مثل مشروع "هيومان كونيكتوم"Human Connectome Project، الذي تشرف عليه المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة، ومشروع "بلو برين"Blue Brain Project، التابع للمعهد السويسري الفيدرالي للتكنولوجيا في مدينة لوزان.

الأسطورة الرابعة: المرء يتعلم أفضل عندما يلائم التدريس نمطه المفضَّل في التعلم

ينسب الناس صفات أسطورية أخرى لأمخاخهم الاستثنائية الكبيرة. ومن بين هذه الأساطير أن المرء يتعلم أفضل عندما ينسجم التدريس مع الطريقة التي يفضِّل التعلم بها. فالمتعلم السمعي ـ على سبيل المثال ـ يُفترض أن يتعلم أفضل من خلال الإرشادات الشفوية، أمّا المتعلم البصري، فيستوعب المعلومات من خلال الصور والأشكال التوضيحية.

وينبغي الإقرار بأن ثمة حقيقتين في قلب هذه الأسطورة: أن العديد من الناس لهم تفضيلات حول طريقة استقبال المعلومات، وأن المعلمين يحققون أفضل النتائج عندما يقدِّمون المعلومات بوسائل تخاطِب الحواس المختلفة. أضِفْ إلى هذا.. رغبة الناس في التعلم والتفرد. وعندئذ.. تصبح كل الظروف مُهيَّأة لصناعة الأسطورة.

يقول هاوارد جونز: "لقد توافر لأنماط التعلم كل عناصر الترويج: جزء من الحقيقة، والانحياز الوجداني، والأماني". يقول بول كيرشنر، أخصائي علم النفس التعليمي في الجامعة المفتوحة بهولندا: "ما تفضِّله ليس بالضرورة في مصلحتك"، مثل السُّكَّر، والصور الخليعة، والتلفاز.

في عام 2008، راجَع أربعة من متخصصي علم الأعصاب المعرفي كلًّا من الأدلة العلمية المؤيدة، والمعارِضة لفكرة أنماط التعلم. ولم تُختبر الأفكار المطروحة بجدية سوى في دراسات قليلة للغاية. وغالبية هذه الدراسات بيَّنت أن التعليم بالطريقة المفضلة للشخص ليس له أي تأثير إيجابي على استيعابه للمعلومات. وكتب مؤلفو إحدى هذه الدراسات9: "في رأينا، التناقض بين الشعبية الهائلة لفكرة أنماط التعلم وبين نقص الأدلة الموثوقة ـ على فائدتها ـ صارخ ومزعج".

إنّ هذا لم يوقف تلك الصناعة الرابحة التي تضخ الكتب والاختبارات لحوالي 71 نمطًا تعليميًّا مقترحًا. وأسهم العلماء أيضًا في ترسيخ جذور الأسطورة، من خلال الاستشهاد بأنماط التعلم في أكثر من 360 ورقة بحثية خلال السنوات الخمس الماضية. يقول ريتشارد ماير، أخصائي علم النفس التعليمي بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا: "هناك مجموعات من الباحثين الذين لديهم اهتمام عميق بهذه الفكرة، ولا يزالون يتشبثون بها، خاصة أولئك الذين يضعون استطلاعات الرأي والدراسات المسحيّة لتصنيف الناس".

في العقود القليلة الماضية، بدأ البحث في أساليب التعليم يثبت أن هناك وسائل تسهم في تحسين التعلم والاستيعاب، منها جعْل الطلاب يلخِّصون المفاهيم، أو يشرحونها لأنفسهم. ويبدو أن جميع الأفراد تقريبًا ـ باستثناء الذين لديهم صعوبات في التعلم ـ يتعلمون من مزيج الكلمات والصور، بصورة أفضل مما يتعلمون منهما كل على حدة.

إنّ أسطورة أساليب التعلم تجعل من الصعب تطبيق هذه المفاهيم المعززة بالأدلة في الفصول الدراسية. وعندما يحاول هاوارد جونز إقناع المعلمين ـ على سبيل المثال ـ باستبعاد فكرة أنماط التعلم، فإنهم عادةً لا يبدون أي اهتمام بما يريد أن يقوله لهم. يصف هاوارد ذلك قائلًا: "تبدو خيبة الأمل على وجوههم، وهذا طبيعي؛ فقد استثمر المعلمون كثيرًا من الأمل والوقت والجهد في هذه الأفكار غير العلمية، حتى فقدوا اهتمامهم بفكرة أن العلم قادر على تقديم الدعم لعملية التعليم والتعلُّم".

Illustration by Ryan Snook

الأسطورة الخامسة: سكان العالم ينمون بمعدلات هائلة، "وسيُقضى علينا"

أول مَنْ أثار المخاوف بشأن زيادة أعداد السكان هو القس توماس مالتوس، الذي تنبّأ في عام 1798 بأن نمو سكان الأرض دون ضابط سيفضي في النهاية إلى المجاعة والفقر.

يؤكد جويل كوهين ـ الباحث في مجال السكان في جامعة روكفيلر في مدينة نيويورك ـ أن البشر لم يزدادوا بشكل متضاعف، ولا يتزايدون بمعدلات متضاعفة، ومن المستبعَد أن يحدث ذلك في المستقبل. ينمو عدد سكان العالم الآن بنصف المعدل الذي كان ينمو به قبل عام 1965. ويُقدَّر سكان العالم اليوم بحوالي 7.3 مليار إنسان. ومِن المتوقَّع أن يصل هذا العدد إلى 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050، غير أن الاعتقاد بأن معدل النمو السكاني سيؤدي في النهاية إلى أحد سيناريوهات يوم القيامة رُوِّج له مرات عديدة. فقد ألقى عالِم الفيزياء الشهير ألبرت بارتليت ـ على سبيل المثال ـ أكثر من 1,742 محاضرة، ابتداءً من 1969 حول النمو الهائل في سكان العالم، وما ينذِر به من عواقب وخيمة.

إنّ سكان العالم لديهم ما يكفي من الطعام. ووفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة، التابعة للأمم المتحدة، فإن المعدل العالمي لإنتاج الغذاء يفوق معدلات النمو السكاني. فسكان العالم يزرعون من الحبوب ما يكفي ما بين 10 إلى 12 مليار شخص. ومع ذلك.. ينتشر الجوع وسوء التغذية في جميع أنحاء العالم. ويقول كوهين إن ذلك يُعزى إلى أن نحو 55% من المحاصيل الغذائية مُقسَّم بين إطعام الماشية، وإنتاج الوقود ومواد أخرى، أو مُهدَر. وما يتبقى لا يُوزَّع بالتساوي؛ فالأغنياء يحصلون على الكثير، ولا يحصل الفقراء إلا على القليل. وبالمثل، ليس هناك شُحّ في المياه على مستوى العالم، رغم أن 1.2 مليار إنسان يعيشون في مناطق تعاني من نقص المياه.

يقول نيكولاس إبيرستادت، الباحث الديموغرافي في المعهد الأمريكي للمشروعات، الذي يضم فريقًا من الخبراء والمفكرين المحافظين في واشنطن العاصمة: "الزيادة السكانية ليست لها علاقة ـ في حقيقة الأمر ـ بزيادة السكان. إنها قضية فقر". ويرى إبيرستادت أنه بدلًا من التركيز على أسباب وجود الفقر، وكيفية توفير الدعم المستدام لأعداد السكان المتزايدة، يبدو أن علماء الاجتماع وعلماء الأحياء في واديين منفصلين، وهم يتجادلون حول التعريفات، وأسباب الزيادة السكانية.

ويضيف كوهين قائلًا: "حتى الناس الذين يعرفون الحقائق يستخدمونها كذريعة لعدم التركيز على حل المشكلات التي نعاني منها الآن"، مشيرًا إلى النظم الاقتصادية التي تحابي الأثرياء، على سبيل المثال.

ومِثل كل الذين التقينا بهم أثناء إعداد هذا التحقيق، فإن كوهين غير متفائل بشأن فرص التخلص من فكرة الزيادة السكانية، وغيرها من الأساطير الشائعة (انظر: "أساطير باقية")، ولكنه يتفق مع الرأي القائل إنه لا بأس من محاولة منع المفاهيم المغلوطة في المستقبل. لقد نشأ العديد من الأوهام في السابق عندما تَسَرَّع باحث في تعميم نتائج محدودة، توصَّل إليها باحث سبقه، كما كان الحال في الجزيئات الحرة.


استطلعت دورية Nature آراء الأطباء والعلماء عن الأساطير الطبية التي يجدونها أكثر إحباطًا. وهذا ما قالوه:

لقاحات التطعيم تسبِّب التوحد

رغم أن هناك بالفعل بعض المخاطر المرتبطة بلقاحات التطعيم، لكن ارتباطها بالاضطرابات العصبية قد تم تفنيده أكثر من مرة.

آليات عمل الباراسيتامول (أسِيتامينُوفين) معروفة

رغم شيوع استعمال هذا العقار، فإن المعلوم عن طريقة عمله هو وغيره من العقاقير شائعة الاستعمال قليل للغاية.

المخ منفصل عن نظام المناعة

لدى المخ خلايا المناعة الخاصة به، وقد اكتُشف مؤخرًا النظام الليمفاوي الذي يربط المخ بنظام المناعة في الجسم.

الطب المِثلي (أحد صور الطب البديل) يُجدي

هو لا يُجدي.


هذه "الاستنتاجات المسروقة" ـ كما يسميها سبيتزر ـ يمكن أن تؤدي إلى مفاهيم مغلوطة وتصورات خاطئة، يتعذر استئصالها. ولمنع حدوث ذلك.. يشير سبيتزر إلى أنه "يجب أن نحرص على التعليل بالأدلة لأي استنتاج، وألّا نغض الطرف عن البيانات والحقائق". ويقول هاوارد جونز إنه بخلاف ذلك، وحينما يتعلق الأمر بالتواصل، يجدر بالعلماء توصيل أفكارهم ورسائلهم بوضوح، وتجنُّب التبسيط المُخِلّ، لأنه بمجرد أن ترى الأسطورة النور، فإنها غالبًا ما تبقى. وتشير الدراسات النفسية إلى أن التشبث بالأساطير والتعلق بها يشتد ويقوى مع أي محاولة لتفنيدها، وكشْف زيفها. وفي إحدى التجارب، أدَّى التعرض للرسائل المروِّجة للتطعيم إلى تقليل اهتمام الآباء بتطعيم أطفالهم في الولايات المتحدة. وفي تجربة أخرى، كان تصحيح المَزاعم المضلِّلة للسياسيين مؤديًا إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة في نفوس مَن يعتنقونها بالفعل. يقول كيرشنر: "من المستحيل استئصال الأساطير، فكلما حاولت جاهدًا إثبات عدم صحتها؛ اشتدت قوتها، وترسخت جذورها".

  1. Ilic, D., Neuberger, M. M., Djulbegovic, M. & Dahm, P. Cochrane Database Syst Rev. 1, CD004720 (2013).

  2. Miller, A. B. et al. Br. Med. J. 348, g366 (2014).

  3. Saquib, N., Saquib, J. & Ioannidis, J. P. A. Int. J. Epidemiol. 44, 264–277 (2015).

  4. Doonan, R. et al. Genes Dev. 22, 3236–3241 (2008).

  5. Pérez, V. I. et al. Aging Cell 8, 73–75 (2009).

  6. Keaney, M. & Gems, D. Free Radic. Biol. Med. 34, 277–282 (2003).

  7. Ristow, M. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 106, 8665–8670 (2009).

  8. Bjelakovic, G., Nikolova, D. & Gluud, C. J. Am. Med. Assoc. 310, 1178–1179 (2013).

  9. Pashler, H., McDaniel, M., Rohrer, D. & Bjork, R. Psychol. Sci. Public Interest 9, 105–119 (2008).