تحقيق إخباري

الحقيقة وراء أبحاث الأنسجة الجنينة

أثار استخدام أنسجة الأجنة المجهَضة جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة، بيد أن علماء كثيرين يقولون إن استخدامها ضروري في الأبحاث المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية، وأبحاث النمو، وفي كثير من الأبحاث الأخرى.

ميريديث وادمان
  • Published online:

Massimo Berge/Lighthouse/SPL


يتلقَّى ليشان سو كل شهر أنبوب اختبار صغيرًا محاطًا بالثلج من شركة في ولاية كاليفورنيا، يحتوي على قطعة من كبد جنين بشري تم إجهاضه بعد 14 ـ 19 أسبوعًا من الحمل.

يقوم سو وطاقم عمله في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل بطحن الكبد بعناية، ووضعه في جهاز الطرد المركزي، ثم استخراج وتنقية الخلايا الجذعية منه المكوِّنة لأنسجة الكبد وخلايا الدم، التي يقومون بحقنها في أكباد الفئران حديثة الولادة، ثم يتركون هذه الفئران حتى تكبر وتنضج. ينتج عن ذلك الإجراء عدد من الفئران التي "تحمل صفة من الصفات البشرية"؛ حيث تكون تلك الفئران هي الوحيدة التي بداخلها كبد بشري، وخلايا مناعية. وبالنسبة إلى سو، تُعتبر تلك الحيوانات في غاية الأهمية لأبحاثه المتعلقة بنوعي التهاب الكبد "بي"، و"سي"، حيث تسمح له بتتبُّع كيفية تهرُّب الفيروسات من جهاز المناعة البشري، وتَسَبُّبها في أمراض الكبد المزمنة.

حاول سو الحصول على فئران تحمل صفة من الصفات البشرية بتقنيات أخرى، لكنه فشل. يقول: "إن استخدام الأنسجة الجنينية ليس خيارًا سهلًا، لكن حتى الآن ليس هناك خيار أفضل، حيث يَعتمِد الكثير من الباحثين في الطب الحيوي على أبحاث الأنسجة الجنينية؛ لإنقاذ الأرواح، وأعتقد أن كثيرًا منهم لديهم الشعور نفسه تجاه هذا الأمر".

صاحَب الأبحاث الأمريكية التي تَستخدِم الأنسجة الجنينية مناخٌ ملتهب منذ شهر يوليو الماضي، عندما قام "مركز التقدم الطبي" في إرفين بكاليفورنيا ـ المُناهِض للإجهاض ـ بنشر مقاطع فيديو، تم تصويرها سرًّا، يظهر فيها أطباء كبار ـ تابعون لاتحاد تنظيم الأسرة الأمريكي ـ وهم يناقشون ـ بشكل صريح، وبعدم مبالاة ـ أمر أَخْذهم لأعضاء الأَجِنّة المُجْهَضة؛ لاستخدامها في البحوث. وهذا الاتحاد هو منظمة غير هادفة إلى الربح، تهتم بصحة المرأة، وتلقَّت في عام 2014 مساعدات مادية من الحكومة، بلغت 528 مليون دولار أمريكي، جزء كبير منها مخصَّص لتقديم خدمات للنساء الفقيرات على وجه خاص، بدءًا من وسائل منع الحمل، إلى اختبارات الكشف عن السرطان. وتشكِّل عمليات الإجهاض ـ التي تتم فيما يقرب من 350 عيادة من أصل 700 عيادة تابعة للاتحاد ـ 3% من الخدمات المقدَّمة، وتقوم حفنة من العيادات في ولايتين بتوفير أنسجة جنينية للأبحاث.

أثارت الفيديوهات المنشورة غضبًا عارمًا، زادت حدته في الأسابيع الأخيرة من شهر نوفمبر الماضي، وأوائل ديسمبر الماضي. وفي الثالث من ديسمبر الماضي، صوَّت مجلس الشيوخ الأمريكي ـ الذي يسيطر عليه الجمهوريون ـ على سَحْب التمويل الحكومي الذي يتلقّاه الاتحاد؛ على الرغم من أن استخدام أنسجة الأجنة في الأبحاث أمر قانوني، كما تموِّله معاهد الصحة الوطنية الأمريكية "NIH" منذ عقود. ومن المؤكد أن الرئيس أوباما سيعارض أي قانون يصله حول ذلك الأمر. وقبل ذلك بعدة أيام، في يوم 27 نوفمبر، قام رجل بإطلاق النار على ثلاثة أشخاص في عيادة تنظيم الأسرة في مدينة كولورادو سبرينجز بولاية كولورادو، ما أدَّى إلى وفاتهم. وقال المتهم في مقابلة معه بعد اعتقاله: "لا استخدام لأعضاء الأطفال بعد اليوم".

سَلَّطت تلك الوقائع الضوء على أحد فروع بحوث الطب الحيوي التي لم تُناقَش بالقدر الكافي، وطرحت العديد من الأسئلة حول كيفية استخدام الأنسجة الجنينية، وماهية ذلك. وللإجابة على هذه الأسئلة، قامت دورية Nature بالاطلاع على قاعدة بيانات "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية" الخاصة بالمِنَح البحثية المموَّلة في عام 2014؛ للبحث عمَّن يستخدمون أنسجة جنينية بشرية، وقامت في شهر أكتوبر بالتواصل مع 18 باحثًا يستخدمونها. كان سو واحدًا من اثنين فقط كانا على استعداد للتحدث؛ فقد قوبلت أغلب طلباتنا بالرفض أو التجاهل، كما رفض مسؤول للشؤون العامة في واحدة من كبرى جامعات تكساس أن تتحدث الدورية مع باحث هناك، "حرصًا على سلامته"، كما يقول.

تُظْهِر البيانات أنه في عام 2014، مَوَّلَت "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية" 164 مشروعًا تُستخدَم فيها هذه الأنسجة، بتكلفة قدرها 76 مليون دولار؛ أي أقل من نصف ما أنفقته على أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية البشرية، التي كانت مثيرة للجدل أيضًا، و0.27% من إجمالي ما أنفقته على البحوث كلها (وهو 27.9 مليار دولار). فعلى سبيل المقارنة.. أنفق مجلس البحوث الطبية الإنجليزي في 12 شهرًا حتى 31 مارس من العام الماضي 0.16% من إجمالي ما أنفق على البحوث ـ ما بلغ 1.24 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 1.9 مليون دولار) ـ على خمسة مشروعات تَستخدِم الأنسجة الجنينية). وبتحليل مشروعات "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية"، يتضح أن الأنسجة تُستخدم بكثرة في الأبحاث المتعلقة بالأمراض المعدية، خاصة فيروس نقص المناعة البشرية، وفي دراسة وظيفة شبكية العين وأمراضها، ودراسات عمليات نمو الجنين الطبيعية والشاذة (انظر: "أبحاث الأنسجة الجنينية، حسب الاختصاص").

كبر الصورة


من جانبهم، يقول المعارضون إن استخدام هذه الأنسجة ليس ضروريًّا، إذ يمكن استخدام نماذج وتقنيات أخرى. يقول ديفيد برنتيس، نائب رئيس معهد شارلوت لوزيير ـ الذراع البحثي للمنظمة المناهضة للإجهاض "سوزان بي. أنتوني ليست" Susan B. Anthony List في واشنطن العاصمة ـ ومدير الأبحاث هناك: "هذا عِلْم بالٍ، وهناك بدائل أفضل وأكثر نجاحًا".

أما أنصار هذه البحوث، فيردّون قائلين إن الأنسجة الجنينية يتم الحصول عليها بشكل قانوني، وإنْ لم تُستخدم؛ فسيتم التخلص منها، كما إن هذه الأبحاث قد أدّت بالفعل إلى تقدُّم طبي ضخم، ولو كانت هناك بدائل أفضل؛ لاستخدموها. يقول كاري وولينيتز، المدير المساعد لسياسات العلوم في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية: "إن الأنسجة الجنينية أنسجة مرنة، وغير متمايزة بالكامل، وهي تنمو بسهولة وتتكيف مع البيئات الجديدة، ما يسمح للباحثين بدراسة علوم الأحياء الأساسية بشكل جيد، أو استخدامها لأعمال بحثية، لا يمكن فيها استخدام أنسجة البالغين". ويقول بول فاولر، عالِم الأحياء التناسلية في "معهد العلوم الطبية" بجامعة أبردين في المملكة المتحدة، الذي نشر بحثًا في شهر يناير من عام 2015، استخدم فيه أكبادًا من أجنّة مجهَضة؛ لبحث آثار تدخين الأم على نمو الكبد1: "أشعر بالانزعاج الشديد عندما يقول غير العارفين إنه يمكن القيام بالأمر كله عن طريق استخدام نماذج حاسوبية، أو مستنبتات خلوية، أو خلايا جذعية، أو حيوانات.. ففي بعض الجوانب، يختلف الإنسان كليةً عن القوارض".

أما البعض الآخر، فيرى أن الأمر بأكمله هو محاولة واضحة لمهاجمة الإجهاض، والحَدّ منه، من خلال سَحْب الدعم والتمويل المقدَّم إلى اتحاد تنظيم الأسرة. يقول حول ذلك شاري جيلبر، وهو متخصص في طب الأمومة والأجنة في كلية طب وايل كورنيل بمدينة نيويورك، ويدافع عن قيمة الأبحاث: "الناس يتحدثون الآن عن الأنسجة الجنينية، لكن النِّقاش الدائر ـ في واقع الأمر ـ هو عن الإجهاض نفسه".


السلالات الخلوية المختبرية

تُعتبر سلالات الخلايا المشتقة من أنسجة الأجنة المجهَضة شائعة الاستخدام في البحوث والدواء، ذلك منذ إنشاء السلالة الخلوية "WI-38" في الستينات، التي تم عزلها في معهد ويستار في فيلادلفيا ببنسلفانيا، وسلالة "MRC-5"، التي عزلت في مختبر مجلس  البحوث الطبية في لندن (انظر: Nature 498, 422–426; 2013). تتكاثر الفيروسات بسهولة في هذه الخلايا، وهي تُستخدم لتصنيع الكثير من اللقاحات المهمة عالميًّا، بما في ذلك لقاحات الحصبة، والحصبة الألمانية، وداء الكلب، وجدري الماء، والحزام الناري، والتهاب الكبد "أ".

قامت الشركات بتصنيع وشحن ما يقرب من 5.8 مليار من اللقاحات المصنوعة من السلالات الخلوية تلك، التي أصبحت هي وغيرها من الأدوات المعملية الأساسية في دراسات الشيخوخة، وسُمِّيَّة الدواء، مع العلم بأن لوائح الولايات المتحدة التي تنظم استخدام الخلايا الجنينية الجديدة لا تشمل الأبحاث التي تستخدم هذه السلالات، وهي لا تُسجَّل في قاعدة بيانات "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية". كما تم استخدامها في السنوات الـ25 الماضية؛ لإحداث تقدُّم في العديد من الجوانب الطبية، بما في ذلك الطفرة التي حدثت في إنتاج أدوية التهاب المفاصل، والبروتينات العلاجية المضادة للتليف الكيسي، وكذلك مرض سيولة الدم "الهيموفيليا".

"إن استخدام الأنسجة الجنينية ليس خيارًا سهلًا، لكن حتى الآن ليس هناك خيار أفضل".

تُعتبر سلالات الخلايا الجنينية المتوفرة محدودة الاستخدام بالنسبة إلى الكثير من العلماء، إذ إنها لا تحاكي الأنسجة الأصلية بدقة، وتمثل فقط مجموعة فرعية من الخلايا، إذ عُزلت سلالات "WI-38" و"MRC-5" من رئة جنينية، على سبيل المثال. ويمكن أن تتراكم الطفرات أيضًا مع مرور الوقت في السلالات، بعد تكاثرها في المختبر. كما يتطلب تخليق فئران تحمل صفة من الصفات الإنسانية ـ مثل فئران سو ـ قِطَعًا كاملة من الأعضاء الجنينية؛ لتوفير أعداد كافية من الخلايا الجذعية. من أجل ذلك كله، يتوجه الباحثون نحو الأنسجة الجاهزة.

في الولايات المتحدة، تُجمع هذه الخلايا في المراكز الطبية والعيادات التي تجري عمليات الإجهاض تحت مظلة مجموعة من القوانين واللوائح التي تنظم الإقرارات وعمليات جمع الأنسجة ونقلها (انظر: "الأنسجة الجنينية، والقانون"). ينص القانون في الولايات المتحدة على أنه يمكن للعيادات أن تتقاضى "مبالغ معقولة"؛ لتعوض تكاليف عملية توفير الأنسجة، بينما تَعتبِر التربُّح من هذا الأمر جناية. ويقول مسؤولو اتحاد تنظيم الأسرة إنّ عيادات الاتحاد تحصل على إقرار وموافقة كاملة من النساء اللاتي يخترن التبرع ببقايا الأجنة المجهَضة من أجل الأبحاث، كما أعلن الاتحاد في أكتوبر الماضي أن العيادات التابعة له ستتوقف عن تقاضي تكاليف جمع الأنسجة التي تبلغ 45-60 دولارًا لكل عيِّنة. إن الأنسجة الجنينية تنتقل ـ في كثير من الأحيان ـ من العيادات إلى شركات توريد أدوات الأبحاث الحيوية، التي تقوم بدور الوسيط وتعالج الأنسجة قبل بيعها للباحثين، فمثلًا، يدفع سو 830 دولارًا لكل عيِّنة من أنسجة الكبد الجنينية التي يحصل عليها مختبره من أحد أكثر المورِّدين انتشارًا "أدفانسد بيوساينس ريسورسز" Advanced Bioscience Resources في ألاميدا بكاليفورنيا.


الأنسجة الجنينية، والقانون


تنص القوانين التي صدرت لأول مرة في عام 1975 لإدارة أبحاث الأنسجة الجنينية التي تموِّلها الولايات المتحدة على ما يلي:

● يجب أن يتبع البحث جميع القوانين واللوائح المحلية والعامة المعمول بها في الولايات المتحدة.

● إذا كانت المعلومات الخاصة بالأنسجة تسمح بتعقُّب العيِّنة؛ للوصول إلى شخص حي، يصبح هذا الشخص جزءًا من  البحث، ويجب الحصول على موافقة مستنيرة منه، قبل استخدامها.

(تتطلب القوانين ـ المعمول بها في 40 ولاية على الأقل ـ موافقة مستنيرة من الأم، حتى وإن كان سيتم التعامل مع الأنسجة الجنينية على أنها مجهولة الهوية).

متطلبات إضافية من أحد قوانين الولايات المتحدة، الصادر في عام 1993:

● لا يمكن لمقدِّمي الأنسجة الجنينية أن يتربَّحوا من الأمر، لكن يمكنهم أن يتقاضوا مبالغ مادية معقولة؛ لتغطية المصاريف الخاصة بالتجهيز، والتخزين، والنقل مثلًا.

● لا يحق للباحثين الحصول على الأنسجة الجنينية، إذا كانوا يعلمون أن الحمل تم بهدف تقديم تلك الأنسجة للبحوث.

● مَن يخالف أيًّا من الفقرتين السابقتين سيخضع لعقوبات جنائية تصل إلى السجن لمدة عشر سنوات، أو دفع غرامة تصل إلى 500,000 دولار أمريكي، أو كليهما. ينطبق ذلك على مُوَرِّد الأنسجة، ومتلقيها في أي عملية تجارة تُرصَد.



فيروس نقص المناعة البشرية، ومرض الإيدز

من بين الأبحاث التي تَستخدِم الأنسجة الجنينية، تُعتبر دراسات فيروس نقص المناعة البشرية ومرض الإيدز هي الأكثر استقطابًا لتمويل "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية"، إذ تستحوذ على 64 منحة من أصل 164. ولطالما عانى الباحثون في هذا المجال من ندرة النماذج الفعالة لدراسة هذا المرض البشري الفريد؛ إذ تُعتبر النماذج الاعتيادية (قرود المكاك) عالية التكلفة، كما أنها تصاب بفيروس نقص المناعة القردي، لا البشري، وتختلف استجاباتها المناعية عن تلك الخاصة بالبشر. وقد سمحت مرونة الأنسجة الجنينية وقدرتها على التكيف، وكذلك كونها مصدرًا غنيًّا بالخلايا الجذعية، بتخليق فئران لها أجهزة مناعية ذات صفة من الصفات الإنسانية.

من أبرز هذه الفئران نوع يُسمّى "BLT" (ترمز حروف الاسم إلى كلٍّ من النخاع العظمي، والكبد، والغدة الصعترية)، التي أُنتجت لأول مرة في عام 2006 (المرجع 2). تُنتج هذه الفئران عن طريق تدمير الجهاز المناعي للفأر، ثم زرع أجزاء من أنسجة الكبد والغدة الصعترية المعزولة من جنين بشري فيه. بعد ذلك، ولجَعْل جهاز المناعة يحمل صفة من الصفات الإنسانية، يتم زرع النخاع العظمي باستخدام الخلايا الجذعية المكونة لخلايا الدم، المأخوذة من الكبد الجنيني ذاته.

تتيح هذه الحيوانات مثلًا دراسة الاستجابات المناعية المهمة؛ لتطوير لقاح فعال لفيروس نقص المناعة البشرية، إذ ساعدت في "الإسراع من وتيرة دراسات نشوء المرض من الفيروس، والبحث عن طرق مناعية جديدة مضادة للفيروسات، من أجل السيطرة عليه"، كما كُتب في مقال مراجعة، نُشر حديثًا من قِبَل باحثين، تموّلهم "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية"، ويستخدمون هذه الفئران في أبحاثهم3.

ساعدت تلك الفئران كذلك في إثبات أن الأدوية الوقائية قد تمنع عدوى الفيروس المهبلية، التي دخلت الآن في مراحل التجارب البشرية الأخيرة. وتُستخدم هذه الحيوانات حاليًّا لدراسة كيفية تأثير إصابة الأعضاء التناسلية بفيروس الهربس البسيط "herpes simplex virus" على المناعة في الغشاء المخاطي المهبلي، ما يسهِّل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. وفي السياق نفسه، يقوم سو الآن باستخدام الفئران الخاصة به ـ التي تحمل صفة من الصفات الإنسانية ـ للبحث في تأثير الإصابة المشتركة بالتهاب الكبد "سي"، وفيروس نقص المناعة البشرية على سرعة مرض الكبد.

ولتلك الفئران بعض العيوب أيضًا، فمتوسط عمرها قصير نسبيًّا (حوالي ثمانية أشهر، ونصف الشهر)، إذ إنها في الغالب تُصاب بسرطانات في الغدة الصعترية، كما إن الجهاز المناعي الذي يحمل صفة من الصفات الإنسانية لا يُوَرَّث، أي يجب إنتاج النموذج من البداية في كل مرة، ما يؤدي إلى استمرارية طلب الأنسجة الجنينية.. الأمر الذي يزعج معارضي الإجهاض.


النمو البشري

في بعض المجالات البحثية، يمكن فيما بعد استبدال بعض المواد والأساليب الأخرى بالأنسجة الجنينية، كالخلايا البديلة المرنة مثلًا، بما في ذلك الخلايا الجذعية الجنينية (ES)، والخلايا الجذعية المحفَّزة (iPS)، وكذلك العضوانيات، وهي هياكل خلوية تُصنع في المختبر، تشبه أنسجة الأعضاء الطبيعية (انظر: Nature 523, 520–522; 2015). وحسب قول العلماء، هناك مجال بحثي واحد يحتاج الأنسجة الجنينية بشكل أساسي، هو مجال دراسة النمو البشري في مراحله الأولى، وأسباب ظهور علل خلقية فيه أحيانًا. فكما يقول وولينيتز: "على الأرجح لن تُستبدل الأنسجة الجنينية البشرية أبدًا في بعض المجالات البحثية، خاصة في الدراسات المرتبطة بنمو الجنين".

أما نيل هانلي، المتخصص في الغدد الصماء بجامعة مانشستر في المملكة المتحدة، فيقول إن تطبيقات هذه الأعمال تتجاوز دراسات اضطرابات النمو، كأمراض القلب الخلقية مثلًا، أو التشوهات الأخرى. "هناك نطاق واسع من الأمراض والاضطرابات التي تصيب البالغين، نعلم أنها تنشأ أثناء مراحل النمو المبكرة"، كداء السكري من النوع الثاني، ومرض الفصام. ويضيف: "إذا لم تحاول فَهْم الحالة السليمة؛ فلن تستطيع فهم الخلل".

<p>أثار أمر استخدام أنسجة الأجنة المجهَضة في البحوث مظاهرات مؤيِّدة، وأخرى معارِضة للاتحاد الأمريكي الذي يقدم الرعاية الصحية "اتحاد تنظيم الأسرة".</p>

أثار أمر استخدام أنسجة الأجنة المجهَضة في البحوث مظاهرات مؤيِّدة، وأخرى معارِضة للاتحاد الأمريكي الذي يقدم الرعاية الصحية "اتحاد تنظيم الأسرة".

Andy Katz/Demotix/Corbis; Win McNamee/Getty


 تتراوح موضوعات الثلاثين منحة التي منحتها "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية" في مجال الأحياء التطورية في عام 2014، التي تتضمن استخدام أنسجة جنينية، من دراسة تمايز الأرومة العضلية ـ وهي الخلايا الجنينية السالفة لخلايا العضلات ـ إلى عدة فحوص لتطوُّر الجهاز البولي التناسلي، وهي دراسات لها علاقة مثلًا بحالة المَبال التحتاني الشائعة، حيث لا ينغلق مجرى البول، ولا يكتمل تكوين الجانب السفلي من القضيب. يدور أحد المشروعات حول إنشاء أطلس ثلاثي الأبعاد للتعبير الجيني في الحديبة التناسلية، التي تتحول بعد ذلك لتُكوِّن القضيب، بينما يتعلق مشروع آخر بالبحث في نشاط الجينات في الخلايا المبطِّنة للأمعاء الجنينية؛ للمساعدة في تفسير الالتهاب الشديد الذي يصيب أمعاء الأطفال المولودة مبكرًا. يقول هانلي إن مثل هذه الدراسات مهمة جدًّا، خاصة أن عملية تنظيم عمل الجينات يمكن أن تختلف بشكل كبير بين الأنواع المختلفة، حتى إن النتائج التي يتم الحصول عليها في الحيوانات في كثير من الأحيان لا يمكن أن تنطبق على البشر، كما إن أكثر من نصف تلك المنح يذهب إلى دراسة نمو الدماغ، وكثير من هذه المشروعات يسعى لإحراز تقدم في محاربة أمراض معينة، مثل التوحد، والفصام، والألزهايمر.

أما لاري جولدشتاين، وهو عالِم أعصاب في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا سان دييجو في لاهويا، فيستخدم خلايا "نجمية" معزولة من أدمغة أجنة مجهَضة؛ لتغذية الخلايا العصبية المستمدة من الخلايا الجذعية المحفَّزة، التي تحتوي على طفرات مرتبطة بمرض الألزهايمر. ويُعتقد أن الخلايا النجمية تفرز عوامل تساعد على الحفاظ على صحة الخلايا العصبية المزروعة في المختبر، وهو يستخدم هذا النظام لدراسة عملية نشوء المرض، واختبار الأدوية المحتملة.

يأمل جولدشتاين أن يتمكن من استخلاص الخلايا النجمية أيضًا من الخلايا الجذعية المحفَّزة، لكنه يقول: "الخلايا النجمية الجنينية التي نحصل عليها حاليًّا هي المعيار الذهبي الذي نستخدمه، وسنظل نستخدمه لمقارنة الخلايا النجمية التي ننتجها من خلال التمايز". كما استخدم أيضًا خلايا عصبية من أجنة مجهَضة، لمقارنتها مع الخلايا العصبية المنتجة من الخلايا الجذعية المحفَّزة4. ويضيف: "مع توافر الأنسجة الجنينية، يَعَدّ ذلك استخدامًا قَيِّمًا لها".

من ناحية أخرى، هناك 23 منحة مقدَّمة من "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية" لمشروعات تَستخدِم الأنسجة الجنينية؛ لدراسة نمو العين وأمراضها، إذ تلعب الأضرار التي تلحق بالظهارة الصباغية الشبكية "RPE" ـ وهي طبقة الخلايا الموجودة في الجزء الخلفي من العين ـ دورًا رئيسًا في عدد من أمراض العيون، بما في ذلك التَّنَكُّس البقعي المرتبط بالتقدم في العمر، الذي يُعتبر السبب الأكثر شيوعًا للإصابة بالعمى بين البالغين في دول العالم المتقدم. وقد شهد ما مضى من القرن الواحد والعشرين تقدمًا في طرق استنبات خلايا الظهارة الصباغية الشبكية المعزولة من عيون الأجنة؛ ما سمح للعلماء بدراسة وظيفة تلك الخلايا في المختبر. وعلى الرغم من استخدام بعض العلماء للخلايا الجذعية من أجل توليد هذه الخلايا، إلا أنهم ـ كحال جولدشتاين ـ لا يزالون يستخدمون الأنسجة الجنينية كأساس لدراسة النمو الطبيعي والوظائف الطبيعية.

قَبِلَ جولدشتاين التحدث إلى دورية Nature، إذ "لا بد  لشخص ما أن يتحدث بمسؤولية"، على حد قوله، وأكد أنه وزملاءه يفكرون مليًّا في أخلاقيات عملهم. "لسنا سعداء بطريقة توافر هذه الأنسجة، لكننا أيضًا لا نودّ رؤيتها تُهْدَر، ويتم التخلص منها دون فائدة".

بجانب ذلك كله.. تُستخدم الأنسجة الجنينية إكلينيكيًّا في بعض الأحيان، حيث قامت في العام الماضي شركة "نيورالستيم" Neuralstem في جيرمنتاون بولاية ميريلاند ـ بالتعاون مع علماء في جامعة كاليفورنيا بسان دييجو ـ بإطلاق تجربة، تم فيها زرع الخلايا الجذعية الجنينية للحبل الشوكي؛ لعلاج إصابات النخاع الشوكي. كما قام باحثون من المملكة المتحدة والسويد ـ في شهر مايو الماضي ـ بالبدء في دراسة، تم فيها زرع الخلايا العصبية الدوبامينية المعزولة من الأجنة المجهضة في أدمغة المرضى الذين يعانون من مرض باركنسون (انظر: Nature 510, 195–196; 2014). إن البحوث التي تعتمد على الأنسجة الجنينية هي أقل إثارة للجدل في البلدان التي يحظى فيها الإجهاض بقبول أوسع.


مشهد مزعج

تسببت مقاطع الفيديو في شعور بعدم الارتياح، حتى بين بعض مؤيدي استخدام الأنسجة الجنينية في البحث العلمي. ففي أحد المقاطع، تصف الطبيبة ديبورا نوكاتولا ـ وهي مديرة الخدمات الطبية للمجموعة ـ كيف أنها تسحق أجسام الأجنة من حول الأعضاء المهمة؛ لتحافظ على الأعضاء سليمة؛ من أجل الأعمال البحثية. كما وصفت تحويل الجنين إلى الوضع المقعدي عند الولادة، عندما يكون عنق الرحم متوسعًا، لتحافظ على سلامة الدماغ؛ من أجل البحوث.

أثار هذا الأمر سؤالًا حول ما إذا كان الأطباء يغيِّرون تقنيات الإجهاض؛ لتلبية متطلبات البحوث، وبذلك يقومون بانتهاك مبادئ أخلاقيات البحوث الأساسية. يقول آرثر كابلان ـ المتخصص في أخلاقيات البحوث الحيوية في كلية الطب بجامعة نيويورك ـ إن أمر تلك الفيديوهات "سياسي بحت"، إلا أن هناك مَشَاهِد من مشاهِدِه "صدمتني بشدة". ويضيف: "لا يمكنك استخدام نهج مختلف للإجهاض؛ لتحفظ أي شيء. فهذا غير مقبول بالمرة".

ومن جانبها، تقول المتحدثة باسم الاتحاد، أماندا هارينجتون، إن المنظمة لم يصل إلى عِلْمها حدوث أي حالات تم فيها تغيير أسلوب الإجهاض؛ لحفظ الأعضاء. وتضيف قائلة إنه "لا حرج في أن تكون هناك تعديلات طفيفة، لا تؤثر على صحة المرأة وسلامتها، إنْ أبدت رغبتها في التبرع بالأنسجة.. فإن ذلك لائق تمامًا، وأخلاقي، وقانوني". وتُتَابِع بقولها إن صحة المرأة وسلامتها "لهما الأولوية دائمًا".

إنّ نتيجة هذا الجدل هي ما يشغل بال كثير من العلماء الآن.. ففي أعقاب حادث إطلاق النار في كولورادو، دعا بعض الجمهوريين في الكونجرس للتراجع عن الاقتراحات السابقة بوقف تمويل اتحاد تنظيم الأسرة، بينما يُتوقع أن يَستخدِم الرئيس أوباما حقه في رفض أي مشروع قانون يُقَدَّم حول الأمر، ما يعني أن الضرر طويل الأمد الناجم عن الفيديوهات قد لا يؤثر على ميزانية الاتحاد، بل على العلم والأبحاث نفسها. فمنذ شهر يوليو الماضي، تم تقديم أربعة مشروعات لقوانين في الكونجرس الأمريكي، لتجريم أو تقييد تلك البحوث، كما بَذَل المشرِّعون جهودًا مماثلة في اثني عشر مجلسًا تشريعيًّا (حظرت ولايات ميسوري، وأريزونا، وشمال داكوتا هذه البحوث بالفعل).

وهنا، شعر سو بأن وضع أعماله البحثية بدأ يسوء، عندما تم التوقيع في الأول من أكتوبر على قانون جديد خاص بولاية كارولينا الشمالية، يَعتبِر بيع الأنسجة الجنينية داخل الولاية بأي ثمن جناية. وعلى الرغم من أن سو يتلقى الأنسجة التي يستخدمها من خارج الولاية، إلا أن تبعات هذا القانون تثير مخاوفه. ويقول: "آمل ألّا يبطئ الجدل الحالي ـ أو أي تدخُّلات من قِبَل الكونجرس ـ مسار البحوث الطبية الحيوية. إن الفائدة المرجوة من هذه الأبحاث تزيد على مساوئها".

ومن جانبه، يقول كابلان إن الجدل القائم "يضع أبحاث الأنسجة الجنينية في خطر بكل تأكيد". ويضيف: "من المرجَّح ألّا يود الباحثون الجدد دخول مجال محاط بالكثير من الجدل، إذ تكون فرص تمويله غير مضمونة، إضافة إلى احتمال وجود تهديدات جسدية للعاملين به". كما يقول أيضًا إنه يمكن لما حدث في بدايات القرن الواحد والعشرين أن يتكرر، عندما تَحَوَّل استخدام الخلايا الجذعية الجنينية البشرية في البحوث الأمريكية إلى جدل سياسي، ثم تم التضييق على هذا النوع من الأبحاث من خلال لوائح فيدرالية تحكم تمويلات "معاهد الصحة الوطنية الأمريكية" الممنوحة لها، لكن جاء رد فعل بعض الولايات ـ ومن بينها ولايتا كاليفورنيا، وماساتشوستس ـ بأن ضخَّت أموالًا في جميع أنواع البحوث على حد سواء.

ويضيف كابلان: "للمضي قدمًا.. ليس من الضروري أن تُمَوَّل بحوث الأنسجة الجنينية، أو يُسمح بها في كل مكان، لكن لا بد في النهاية من السماح بإجرائها في مكان ما".

  1. Drake, A. J. et al. BMC Med. 13, 18 (2015).

  2. Melkus, M. W. et al. Nature Med. 12, 1316–1322 (2006).

  3. Karpel, M. E., Boutwell, C. L. & Allen, T. M. Curr. Opin. Virol. 13, 75–80 (2015).

  4. Israel, M. A. et al. Nature 482, 216–220 (2012).