أخبار

تَنَاقُص مادة الآجار الأساسية في المعامل

يتعرض عامل الكشف المعملي الأساسي في استزراع الميكروبات للخطر، بسبب انخفاض نِتاج الطحالب البحرية.

إيوين كالاواي
  • Published online:

<p>
أَثَّرَت القيود المفروضة على جَمْع وتصدير طحالب النوع «جيليديوم» في المغرب على الإنتاج العالمي من الكاشف المعملي الآجار.</p>

أَثَّرَت القيود المفروضة على جَمْع وتصدير طحالب النوع «جيليديوم» في المغرب على الإنتاج العالمي من الكاشف المعملي الآجار.

Abdelhak Senna/AFP/Getty


إنّ أهم كاشف معملي في علم الأحياء المجهرية لم يعد متوفرًا بالقدر الكافي، بكل ما يعنيه هذا من تبعات محتملة على الأبحاث، والصحة العامة، والمعامل الطبية في أنحاء العالم. فمادة «الآجار» الحيوية المشتقة من الطحالب البحرية ـ وهي مادة جيلاتينية، يستخدمها علماء الأحياء في استزراع الميكروبات ـ تتعرض لتناقص عالمي، وذلك وفقًا لما قاله علماء الأحياء البحرية، ومنتجو الآجار، ومحللو الصناعة لدورية Nature. يقول بيِدرو سانشيز، نائب مدير الإدارة لشركة «إنداستيرياس روكو» Industrias Roko في «بولينجو دي سيلفوتا» Polígono de Silvota بإسبانيا، حيث تعالِج هذه الشركة الطحالب البحرية؛ لتصنع حوالي 40% من الإنتاج العالمي للآجار: «لا توجد طحالب بحرية تكفي الجميع. ولذا.. فنحن ببساطة نقوم بخفض إنتاجنا في الوقت الحالي».

ويمكن إيعاز السبب في هذا التناقص إلى القيود التجارية المفروضة على الطحالب البحرية، النابعة من المخاوف البيئية بالإفراط في استغلال الطحالب البحرية. وليس واضحًا بعد إلى أيّ مدى يمكن أن تؤثر ندرة الطحالب على الباحثين، ولكنها بالفعل رفعت أسعار الجملة للآجار إلى حدّ لم تبلغه من قبل قط، حيث بلغ السعر 35 إلى 45 دولارًا أمريكيًّا للكيلوجرام، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف السعر قبل ذلك، إضافة إلى أن الباحثين المستقلين الذين يشترون الآجار الجاهز من شركات تجهيز المعامل قد يدفعون أضعاف هذا المبلغ.

وقد أعلنت إحدى الشركات الكبرى المورِّدة ـ وهي شركة «ثيرمو فيشر ساينتفيك» Thermo Fisher Scientific بمدينة والثام في ولاية ماساتشوستس ـ أنها توقفت عن بيع مُنْتَجَيْ آجار «خام» ـ أي الآجار غير المختلِط بمكونات أخرى ـ حتى عام 2016، وبذلك تتمكن من إعطاء الأولوية للمنتجات الأخرى المطلوبة أكثر، التي تحتوي على خليط من الآجار، ومواد مغذية. وصرحت الشركة بأن حوالي 200 من عملائها تأثروا بهذا التوقف. كما أوقفت شركة أخرى ضخمة للتجهيزات المعملية ـ وهي شركة «ميليبور سيجما» Millipore Sigma في مدينة بيليريكا بولاية ماساتشوستس ـ مبيعاتها أيضًا للآجار الخام، وصرحت بأنها ستعيد تقييم منتجاتها مبكرًا في العام المقبل. وتُلْقِي شركة «ميليبور سيجما» اللوم في النقص الحادث على منافسة شركات الأغذية لها على الآجار الخام، حيث إن الطلب العالمي من مصنِّعي الأغذية ـ الذي يبلغ آلاف الأطنان سنويًّا ـ يقلل من الكمية المطلوبة لشركات التجهيزات المعملية، التي تُقَدَّر بحوالي 900 طن.


مادة ثمينة

تتكون مادة الآجار من سلاسل طويلة من جزيئات سكرية، ويَعتبِرها علماء الأحياء المجهرية مادة ثمينة؛ وذلك لقدرتها على تكوين مواد هلامية متماسكة، عندما يتم خلطها مع الماء، ومواد مغذية. وعندما يتم فرد السائل الذي يحوي البكتيريا على الآجار المُبَطِّن للطبق؛ تنمو الخلايا المفردة وتكوِّن مستعمرات محددة، مما يسمح للباحثين بعزل كل سلالة على حدة.

«إنها لا تُستزرَع، ولا يمكن استزراعها، على الرغم من إنفاقنا الكثير من المال هباءً، في محاولة عمل ذلك في الماضي».

وقد قام آدم روبرتس ـ وهو عالِم أحياء مجهرية بكلية لندن الجامعية ـ بلَفْت الانتباه إلى مشكلة مخزون الآجار منذ عدة أشهر، عندما نشر على شبكة «تويتر» رسالة من شركة «ثيرمو فيشر»، تعلِن فيها تَوَقُّفها عن بعض مبيعات الآجار، حيث يَعتمِد معمله على ذلك المنتَج، للتعرف على مركّبات مضادات ميكروبية جديدة في بكتيريا التربة. وقد استطاع روبرتس أن يصل إلى مصدر الآجار الخام من مورد آخر، لكنه يقول إن معمله يبدو أنه سيضطر للبدء في ترشيد الكمية، وإعطاء الأولوية لبعض التجارب على الأخرى. ويضيف قائلًا: «إنه كابوس حقيقي». وعندما سمعت إحدى الزميلات من مؤسسة أخرى عن مشكلة مخزون الآجار لدى روبرتس؛ بدأت في ادخار مخزونها الخاص. ويضيف روبرتس قائلًا: «إذا ازدادت المشكلة تفاقمًا، وصار الحصول عليه أصعب، لا أعرف ما الذي بإمكاننا فعله».

منذ بداية استخدام أطباق الآجار في ثمانينات القرن التاسع عشر، التي مكَّنت الباحثين من عزل بكتيريا السل، والكوليرا، وأمراض أخرى لأول مرة، تم الحصول على الآجار البكتيري من مجموعة من أنواع الطحالب الحمراء، التي تنتمي إلى نوع «جيلديوم» Gelidium. وينمو هذا النوع من الطحالب فوق قاع البحر الصخري، مكونًا مسطحات واسعة تحت الماء من الأوراق الحمراء الكثيفة، التي تفضل المياه الباردة المضطربة، التي توفر إمدادات ثابتة من الأكسجين، والمواد المغذية الأخرى، مما يجعل استزراعها على نطاق صناعي يبدو مستحيلًا. ويقول سانشيز في هذا الصدد: «إنها ليست مزروعة، ولا يمكن استزراعها، على الرغم من إنفاقنا الكثير من المال هباءً في محاولة عمل ذلك في الماضي». وفي بعض الأماكن، يمكن جمع طحالب النوع «جيلديوم»، عن طريق الغواصين تحت الماء، أو عندما تخرجها أمواج المَدّ والجَزْر، لكن في الأغلب أنه يتم حصاد الطحالب البحرية عندما تلقِي بها المياه على الشاطئ.


لقد تغيرت أماكن المصادر الجغرافية للطحالب من نوع «جيليديوم» عبر العقود، فقبل الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان هي المتصدرة، كما كانت البرتغال كذلك موردًا رائدًا. أما الآن، فإن أغلب إنتاج الآجار العالمي مُصنَّع من طحالب «جيليديوم»، التي تنمو في المغرب، ثم تأتي إسبانيا في المركز الثاني، ثم تشارك كل من البرتغال، وفرنسا، والمكسيك، وشيلي، وجنوب أفريقيا، واليابان، وكوريا الجنوبية في الإنتاج العالمي بكميات صغيرة (انظر: «نقص الطحالب البحرية»). ووفقًا لما ذكره خبراء في هذه الصناعة، فإن العجز الحالي في إنتاج الآجار ناتج غالبًا عن تقلُّب الإمدادات من طحالب «جيليديوم»، التي تنمو في المغرب. وخلال الألفينات، كانت الدولة تحصد ما يقارب 14 ألف طن سنويًّا، حيث كان يُباع لمنتجي الآجار المحليين والأجانب، لكنْ بالنظر إلى تناقص طحالب «جيليديوم»، خفّضت الحكومة المغربية الإنتاج السنوي القانوني لحوالي 6 آلاف طن، وحددت قيمة الصادرات من الطحالب للخارج بحوالي 1,200 طن فحسب. وعلى الرغم من أنه تم فرض هذه التغييرات في عام 2010، إلا أن المغرب بدأت في فرض هذه القيود التجارية في العام الماضي، حسب قول سانشيز.


البحث عن الذهب

يقول ريتشارد ميلو ـ وهو عالِم البيئة البحرية في جامعة ليزبون ـ إنه يوجد دليل على أن مخزون طحالب «جيليديوم» المغربية قد تَعَرَّض لحصاد جائر، عن طريق مجموعات كبيرة ممن يمسحون الشاطئ بحثًا عن الطحالب البحرية، أو «الذهب الأحمر»، كما يُطلق عليها. وبرغم ذلك.. يضيف ميلو قائلًا إن القيود التجارية لا تعني شيئًا من وجهة نظر الحفاظ على البيئة، فالسوق المغربي المحلي غارق بكميات من طحالب «جيليديوم»، بينما بقية العالم يعاني من نقص شديد. وهذا يفيد منتجي الآجار المغاربة وحدهم، الذين يمكنهم الآن شراء الطحالب بأسعار زهيدة، لكن ذلك الإجراء رفع بشدة من سعر التكلفة لدى المنتجين في الأماكن الأخرى.

هذا يعني أن الشركات التي تشتري الآجار النقي من المنتجين وتبيعه للباحثين كمنتجات معبأة ـ مثل «ثيرمو فيشر»، و»ميليبور سيجما» ـ لديها فرص ضعيفة، تكفي بالكاد لدفع الأسعار المرتفعة للغاية، التي يتطلبها شراء الآجار الآن، حسب قول دينيس سيسان، الذي يدير مؤسسة تحليل صناعي تُدعى IMR International في سان دييجو، بكاليفورنيا، إذ يقول: «يحظى الذين لديهم عقود مع المورِّدين بتعامل أفضل، رغم أني متأكد أنهم لا يحصلون على كل ما يريدون».

وقد اشتكى المجلس الأوروبي للحكومة المغربية بأن ما تفرضه من قيود على التصدير يُعتبر خَرْقًا لاتفاقيات التجارة الحرة مع بلاد الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لم يُجْدِ نفعًا. والتوقعات قاتمة فيما يخص المصادر الجديدة لطحالب «جيليديوم». ورغم وجود كميات غير مستغلَّة من الطحالب، موجودة قبالة سواحل كوريا الشمالية، إلا أنه «من الصعب العمل مع بلد مثل كوريا الشمالية»، على حد قول سانشيز.

لقد أثبتت بدائل الآجار ـ مثل منتَج طحلبي آخر يُدعى «كاراجينان» ـ أنها غير صالحة لاستزراع الميكروبات. وفي السابق، قبل أن يقدِّم أحد التقنيين الآجار في معمله، قام الرائد الألماني في علم الأحياء المجهرية، روبرت كوخ، بعَزْل البكتيريا من على شرائح البطاطس. ويقول روبرتس في هذا الصدد: «إذا لم نَعُدْ إلى ما كان كوخ يستخدمه في الماضي، ونستخدم البطاطس؛ فلا يوجد بديل حقيقي هناك».