عمود

مِنَــح الزمــالة الجـامعيـــة هــي المستقـبــــل

يحتاج باحثو ما بعد الدكتوراة إلى درجة من الاستقلالية؛ لتحقيق أفضل النتائج من خلال موقعهم الوظيفي، حسب قول فيفيان كاليير، وجيسيكا بولكا.

  • فيفيان كاليير
  • جيسيكا بولكا
  • Published online:

هناك أبحاث علمية كثيرة لا يمكن أن تؤتي ثمارها في غياب باحثي ما بعد الدكتوراة.. فهم يقومون بالأبحاث المطلوبة ضمن منحة ما؛ للإسهام في ما يقوم به الباحث الرئيس؛ لإعطاء عمله دفعة إلى الأمام، وكذلك إصدار الأوراق البحثية، والمساعدة في صياغة المشروعات المقدَّمة للفوز بالمنح. ومع ذلك.. فإن الكثير من باحثي ما بعد الدكتوراة ينتهي بهم الأمر إلى القيام بأعمال لا تعود عليهم بالنفع في تطورهم العلمي والفكري. وبالتالي يُبعَدون عن تكوين مشاعر انتماء تجاه برنامج بحثي ما، وهو ما يُعَدّ خطوة جوهرية للانطلاق نحو الخطوة التالية في حياتهم المهنية.

Claire Welsh/Nature


وقد دعا الكثيرون إلى وجوب اعتبار باحثي ما بعد الدكتوراة موظفين؛ حتى يتمكنوا من الحصول على تعويضات وميزات في مقابل ساعات العمل الكثيرة التي يقومون بها، ولكنْ حتى الآن لا يُعتبر باحث ما بعد الدكتوراة موظفًا يقدم خدمة في مقابل أجر يحصل عليه، برغم أن مرحلة تدريب ما بعد الدكتوراة تُعتبر نافذة مهمة، يتسنى للباحث من خلالها اكتساب مهارات وأفكار جديدة، سوف تساعده على إنشاء مختبَر خاص به، أو الانتقال إلى موقع وظيفي دائم.

وغالبًا ما تَلقَى هذه الأهداف توافقًا مع مثيلاتها لدى الباحث الرئيس، وكلتاهما تُعضّد الأخرى، ولكن عندما يصبح الدعم المادي محدودًا، والوضع أكثر تعثرًا، قد ينتهي الحال بباحثي ما بعد الدكتوراة بإعانة الباحثين الرئيسين في تَقَدُّمهم المهني، بدون تطوير المهارات اللازمة لهم شخصيًّا للتقدم في مستقبلهم المهني. وقد اتسعت الفجوة بين توافق الأهداف مع ازدياد التنافس داخل سوق العمل الأكاديمي، وقِلَّة فرص التمويل البحثي.

لمعالجة قضية احتياجات باحثي ما بعد الدكتوراة للتطور المهني في الولايات المتحدة، أصدر مكتب الإدارة والاعتمادات بالبيت الأبيض في العام الماضي بيانًا، أَقَرَّ فيه اعتبار باحثي ما بعد الدكتوراة موظفين ومتدربين، مؤكدًا على أنه ينبغي الحفاظ على تكريس وقتهم لمتابعة الأنشطة الخاصة بتَقَدُّمهم المهني. ويُعَدّ هذا البيان خطوة على الطريق الصحيح، ولكنْ تنقصه آليات التطبيق القانونية، حيث إن وسائل تطبيق هذه السياسة غير واضحة، ويحمل الكثير من العلماء توقعات غير واقعية بأنّ باحثي ما بعد الدكتوراة سوف يقضون جُلّ وقتهم في العمل على مشروعات المِنَح الخاصة بالباحث الرئيس، بالرغم من الحاجة إلى الإعداد للخطوة المهنية التالية.

ونحن ندعو إلى قيام المؤسسات المموِّلة بدعم باحثي ما بعد الدكتوراة، وذلك عن طريق توفير مِنَح الزمالة الجامعية لهم. وحاليًّا، يُوجَد %16 فحسب من باحثي ما بعد الدكتوراة في الولايات المتحدة مدعومون بمنح تدريبية، أو بمنح الزمالة الجامعية، أمّا الباقون، فيتم دعمهم من خلال الدعم المادي المقدَّم للباحثين الرئيسين، الذين يعملون تحت إشرافهم. كما ندعو إلى اعتبار المهمة المؤقتة لأبحاث ما بعد الدكتوراة مرحلة انتقالية، يطوِّر خلالها الباحثُ الاعتماد على الذات. وستكون هذه النقلة ممكنة، إذا تم دعم باحثي ما بعد الدكتوراة بطريقة مباشرة، بدلًا من تقديم المِنَح للباحث الرئيس، مثلما يحدث مع معظم الفنيين والعلماء المُعيّنين. فالأمان المالي يساعد على تعزيز الاستقلال الفكري، ومِنَح الزمالة الجامعية هي أفضل فرصة لتوفير هذا الوضع لهم. وتقدِّم منح الزمالة الجامعية المزيد من الأمان للباحث، لأنها تمكِّنه من الانتقال بها إلى معاهد أخرى، وكذلك تضمن لباحث ما بعد الدكتوراة دعمًا ماديًّا لعدد محدَّد من السنوات. وعندما يتم دعم باحث ما بعد الدكتوراة عن طريق منحة الباحث الرئيس، فإن هذه المنح يمكن مراكمتها معًا لعدة سنوات.


ميزات وتحديات

من خلال خبرتنا، ندرك أن مِنَح الزمالة الجامعية لها الكثير من الميزات، مقارنةً بباقي طرق التمويل التقليدية. فعلى سبيل المثال.. يُمكن للتدريب أن يؤدي إلى بناء الخبرة بسهولة، كما أن التقديم لمنح الزمالة الجامعية يوفر الفرصة لتحديد برنامج بحثي، وكذلك للبحث عن فريق من المستشارين المُتابِعين، سواء في المعهد الذي يدرسون فيه، أم في غيره. وكل ذلك يوفر الفرصة لباحث ما بعد الدكتوراة لخوض تجربة تتناول العناصر الأساسية من المهام المطلوبة من مساعد الأستاذ الجامعي.

وبتوسيع المساحة لدعم باحثي ما بعد الدكتوراة من خلال مِنَح الزمالة الجامعية، سيساعد ذلك هيئات التمويل على تسجيل وتنظيم أعداد المتدربين داخل النظام عن قُرْب. وسوف تساعد عملية مراجعة استمارات التقديم على ضمان وصول المِنَح للباحثين الذين يملكون القدرة والرغبة ليكونوا باحثين مستقلين. وإذا كان هناك قليل من المنح المتاحة، فمن المحتمَل أن تخلق حالة من التنافس المحموم، وتؤدي إلى تقليص واضح لعدد باحثي ما بعد الدكتوراة المُحتمَلين، على الأقل داخل الولايات المتحدة.

لكي تُعتبَر منح الزمالة الجامعية بديلًا عمليًّا، لا بد أن تُوفِّر لباحثي ما بعد الدكتوراة مزايا أماكن العمل ذاتها التي يتمتع بها باحثو ما بعد الدكتوراة المدعومون بمنح، وهذا ليس محقَّقًا بطريقة موحدة. فعلى سبيل المثال.. يقوم مُتَلَقُّو منح الزمالة الجامعية في الولايات المتحدة بشراء التأمين الصحي على نفقاتهم الخاصة. وعند انتقال إحدانا ـ نائبة رئيس الجامعة ـ من الوظيفة الجامعية ذات الراتب المضمون، لتحصل على منحة الزمالة الجامعية، نجد أنها فقدت تأمينها الصحي المكفول من الجامعة، وكان عليها البحث عن مصدر آخر لذلك. وبالرغم من أن القانون الصادر في عام 2010 بالولايات المتحدة، الخاص بإتاحة الرعاية الصحية للجميع، قد جعل من الرعاية الصحية أمرًا متيسرًا للأفراد، إلا أن هذا المطلب يُشكل عبئًا غير ضروري على كاهل باحثي ما بعد الدكتوراة. وبدلًا من ذلك.. لماذا لا تُتاح لجميع باحثي ما بعد الدكتوراة ـ ببساطة ـ طريقة للحصول على المميزات الصحية نفسها التي يتمتع بها الخريجون، أو العاملون الرسميون بالجامعة؟

«كفاح باحثي ما بعد الدكتوراة خارج المسار المطروق سوف يؤدي إلى توليد أفكار ووسائل جديدة داخل المجال».

هذا.. ويوجد هناك تَحَدٍّ آخر، يتمثل في أن زيادة عدد منح الزمالة الجامعية سوف تزيد العبء على نظام مراجعة المنح. ونتيجة لأنّ منح دعم الأبحاث لا يمكنها تغطية مرتبات باحثي ما بعد الدكتوراة، فإن مثل هذا الترتيب سوف يضع الباحثين الرئيسين في موقف غير مستقر؛ حيث سيكون عليهم تمويل لوازم وأجهزة البحث، ولكن سيكون هناك القليل من الحوافز لتقديمها إلى باحثي ما بعد الدكتوراة؛ للانضمام إلى العمل في مختبرات الباحثين الرئيسين. ولن يكون في مقدور الباحثين الرئيسين أيضًا تعيين عدد أكبر من باحثي ما بعد الدكتوراة، حتى يتمكنوا من تغطية نفقات وظائف الفنيين، وطاقم العلماء.

وفي حالة حصول باحثي ما بعد الدكتوراة على قَدْر أكبر من الاستقلالية، سيفقد الباحثون الرئيسون جزءًا من السيطرة على الأمر، ولذا.. يتوجب على الباحثين الرئيسين إيجاد مصادر أخرى للقيام بأبحاثهم. وقد يكون لذلك أثر طيب على العلم؛ فكفاح باحثي ما بعد الدكتوراة خارج المسار المطروق سوف يؤدي إلى توليد أفكار ووسائل جديدة داخل المجال. وبالنسبة إلى كل منا، فإن حصولنا على منحة الزمالة الجامعية قد ساعدنا على قَطْع مسار منفصل عن مساحة البحث المسيطِرة على كل مختبرات أساتذتنا المشرفين علينا. فالخبرة المكتسَبة من خلال محاولة تحديد منحنى علمي جديد كان لها أكبر الفائدة لنا، بالرغم من أن مساراتنا المهنية قد تباعدت.