أخبار

تقنية التحرير الجيني تصل إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية

تستعد الشركات الآن لاختبار عددٍ من العلاجات الجديدة على البشر.

سارة ريردون
  • Published online:

<p>ليلى ريتشاردز تتماثل للشفاء من سرطان الدم، بعد حصولها على خلايا مُعالَجَة بالإنزيمات القاطعة للحمض النووي.</p>

ليلى ريتشاردز تتماثل للشفاء من سرطان الدم، بعد حصولها على خلايا مُعالَجَة بالإنزيمات القاطعة للحمض النووي.

Sharon Lees/ Great Ormond Street Hospital


تتماثل الطفلة ذات العام الواحد ـ ليلى ريتشاردز ـ للشفاء الآن من سرطان الدم، وذلك بفضل تكنولوجيا التحرير الجيني، التي وَفَّرت لها خلايا مناعية مُعدَّلَة، مأخوذة من شخص آخر.

تُعتبر تلك هي الحالة البشرية الثانية التي تستخدم التحرير الجيني كعلاج، إذ استخدمت التقنية للمرة الأولى في العام قبل الماضي في مرضى نقص المناعة البشرية. ومن المخطَّط إجراء المزيد من التجارب المشابهة، كما تستعد الشركات لاختبار طرق علاجية، يتم فيها حقن أجزاء من الحمض النووي ـ الذي يحمل شفرات الإنزيمات الخاصة بعملية التحرير الجيني ـ مباشرة في جسم الإنسان.

وبقيادة أخصائي المناعة، وسيم قاسم، الذي يعمل في مستشفى جريت أورموند ستريت للأطفال ـ التابعة لأمانة الخدمات الصحية الوطنية بلندن ـ كان الفريق المعالج لريتشاردز قد خطَّط لبدء تجربة لاختبار أمان استخدام تقنية التحرير الجيني في 10 إلى 12 شخصًا مع بداية العام الحالي. وبمجرد أن وجد الباحثون أمامهم تلك الطفلة، التي فشلت معها جميع العلاجات الأخرى، طلبوا إذنًا خاصًّا لتجربة العلاج عليها. وبعد مرور عدة أشهر، يقول قاسم إن حالتها الآن تسير على ما يرام، وقام الفريق بعرض الحالة في أكتوبر الماضي بأحد اجتماعات الجمعية الأمريكية لأمراض الدم في أورلاندو بفلوريدا.

يتطلب أسلوب العلاج الجديد أن يستخلص الباحثون الخلايا التائية المناعية من متبرِّع سليم أولًا، ثم يتم تعريضها لإنزيمات «TALENs»، وهي من الإنزيمات التي تقطع الحمض النووي. صُمّم هذا النظام ـ الذي طوَّره باحثو شركة «سيليكتي» Cellectis، ومقرها باريس ـ بهدف تعطيل الجينات المناعية، التي قد تُحفز خلايا المُتبرِّع للهجوم حين تُحقَن في شخص آخر، وكذلك تعديل الجينات؛ لحماية الخلايا من الأدوية المضادة للسرطان. يخضع بعدها المريض لعملية تدمير للجهاز المناعي لديه، الذي يتم استبداله بالخلايا المُعدَّلة. وهذا النهج لا يُعتبر علاجًا شافيًا للمرض، كما يقول قاسم، بل إنه بمثابة «جسر»، يَعْبُر من فوقه المريض؛ ليبقى حيًّا، حتى يعثر على متبرِّع، لديه خلايا تائية مناسِبة.


نجاح علاج فيروس نقص المناعة البشرية

اعتمَد أول تطبيق لتقنية التحرير الجيني في الإنسان منهجًا معمليًّا مماثلًا. ففي العام قبل الماضي، نشرت شركة «سانجامو» للعلوم الحيوية Sangamo BioSciences في ريتشموند بكاليفورنيا نتائج من تجربتها الإكلينيكية التي استخدمت فيها خلايا مُعدلة جينيًّا لعلاج 12 مريضًا بفيروس نقص المناعة البشرية (P. Tebas et al. N. Engl. J. Med. 370, 901–910; 2014). وبدلًا من استخدام إنزيمات «TALENs»، استخدم الباحثون إنزيم نوكلييز أصابع الزنك (ZFN) – قاطع الحمض النووي، الذي يقوم بقطع الجين المخصص لنوع من البروتين الموجود على الخلايا التائية التي يستهدفها فيروس نقص المناعة البشرية، وذلك إثر إضافة الإنزيم للدم المُستخلَص من المرضى؛ ثم عاوَد الفريق حقن تلك الخلايا في دم المرضى.

كانت النتائج المعلَنة إيجابية، فقد شُفي نصف المشاركين في التجربة، وسُمح لهم بالتوقف عن تناول الأدوية المضادة للفيروسات. وأخبرت شركة «سانجامو» دورية Nature أنها قد عالجت بالفعل أكثر من 70 شخصًا بهذا العلاج.

أما بالنسبة إلى بعض الأمراض الأخرى، فمن الأكثر منطقية أن يُعَدَّل الجينوم داخل الجسم الحي، إذا كانت الخلايا المُستهدفة مثلًا موجودة في عضو، أو نوع من النسيج يصعُب استخلاصه. ففي دراسة عُرضت في شهر أكتوبر الماضي بأحد اجتماعات الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب في واشنطن العاصمة، أعلن فيودور أورنُوف ـ كبير علماء شركة «سانجامو» ـ أن فريقه قد قام بحقن خمسة عشر قردًا بفيروسات تحمل جينات بشفرات إنزيم نوكلييز أصابع الزنك، إضافةً إلى نُسَخ طبيعية من العامل التاسع، وهو بروتين خاص بتجلط الدم، يُنتَج في الكبد، ويتحور في المصابين بسيولة الدم «ب».

يقوم إنزيم نوكلييز أصابع الزنك بقطع الجينوم عند الجزء الذي يحمل شفرة بروتين الألبومين ـ الذي يُصنع بكميات كبيرة في الكبد ـ ويتم إدماج نسخة سليمة من جين العامل التاسع في ذاك المكان. ومن ثم، بدأت القرود في إنتاج المزيد من هذا العامل، بحيث زادت مستوياته في الدم بنسبة %10. لذا.. يقول أورنوف إن موقع الألبومين قد يكون موقعًا جيدًا لإدخال جينات أخرى، مشبِّهًا إياه بـ«منفذ USB في الجينوم البشري» (R. Sharma et al. Blood 126, 1777–1784; 2015).

وفي شهر سبتمبر الماضي، أعطت لجنة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية ـ المسؤولة عن التصديق على جميع التجارب الإكلينيكية التي تتضمن حمضًا نوويًّا مُعدَّلًا ـ الضوء الأخضر؛ لإجراء تجارب للعلاج بالعامل التاسع في البشر، كما صرح أورنوف.. إلا أنه يتوجب على شركة «سانجامو» الحصول على تصريح من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أولًا. وفي نوفمبر الماضي، صرَّح أورنوف أن الشركة ستتقدم بطلب بحلول نهاية العام المنصرم، على أن تبدأ التجارب مع بداية العام الجديد. كما تخطِّط الشركة للتقدم بطلب للحصول على تصريح بإجراء عدة تجارب أخرى للعلاج بالتحرير الجيني داخل الجسم الحي، بما في ذلك علاجات لأمراض الدم الوراثية، كمرض اعتلال الهيموجلوبين، ومرض البيتا-ثالاسيميا.

كما يخطط آخرون أيضًا للبداية في اختبار هذه الطريقة في البشر. ففي الثالث من نوفمبر الماضي، قامت شركة التكنولوجيا الحيوية الناشئة «إيديتاس ميديسين» Editas Midicine في كمبريدج بماساتشوستس بإعلان أنها تأمل في أن تبدأ في تجارب التحرير الجيني في الجسم الحي بحلول عام 2017. وسوف يقوم الباحثون بحقن أجزاء حمض نووي تحمل شفرة تقنية «كريسبر/كاس9» في أعين المصابين بمرض نادر في شبكية العين ـ يُدعى «كُمْنَةُ ليبر الخِلْقِيَّة» ـ لتصحيح الجين الطافر.

إن العلاجات التجريبية عامةً، سواء أكانت خارج ،أم داخل الجسم الحي، تحمل خطر التسبب في تقطعات أو طفرات في أماكن أخرى في الجينوم، إلا أن التجارب داخل الجسم الحي تتضمن مخاوف أخرى؛ إذ إن الناقل الذي يوصل الحمض النووي يمكنه أن يبقى نشطًا في الجسم لعدة سنوات بعد حقنه؛ ما قد يؤدي إلى أمورٍ غير متوقَّعة، مثل إثارة رد فعل مناعي ضد إنزيم تقطيع الحمض النووي.. وهو ما يُقلِق عالِم الأحياء فالدر آرودا، الذي يعمل بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا حاليًّا على استكشاف علاجات لمرض سيولة الدم، تتضمن العلاج الجيني التقليدي. ومن جانبها، صرحت شركة «سانجامو» بأنها لم تجد دليلًا على مثل تلك الآثار الجانبية في دراساتها على الحيوانات. أما قاسم، فيقول إن التحديات الأخرى التي يتضمنها التحرير الجيني في الجسم الحي تشمل التأكد من إتمام تحرير عدد كاف من الخلايا المُستهدَفة، وإن الناقل يوصل حمولته إلى المكان الصحيح في الجسم.

إن قائمة الأمراض التي قد يسهم التحرير الجيني في الجسم الحي في علاجها تتزايد. وفي اجتماع أُقيم حول علم الأحياء التخليقي في شهر إبريل الماضي، عرض مهندس الطب الحيوي، تشارلز جيرزباخ ـ من جامعة ديوك في دورهام بكارولينا الشمالية ـ دراسة أُجريت على فئران تحمل طفرة مسؤولة عن مرض الضمور العضلي. فمع حقْن الفريق البحثي لناقل فيروسي يحمل شفرة الإنزيم القاطع للحمض النووي في عضلات الفئران، حدث تصحيح في الجين في حوالي %20 من الخلايا العضلية، وهي نسبة كافية لتحسن نغمة العضلة وقوتها بشكل جوهري. ويضيف جيرزباخ: «أعتقد أن التجارب في الجسم الحي ستتصدر الموجة القادمة في مجال التحرير الجيني».