أخبار

سفينة حَفْـر تستهدف وشـاح الأرض

بعثة المحيط الهندي الاستكشافية تستأنف مهمة الحفر في قشرة كوكب الأرض.

ألكسندر ويتز
  • Published online:

<p>أفراد طاقم العمل يُنْزِلُون أجهزة حَفْر ضخمة من سفينة مجهَّزة لاختراق قاع البحر.</p>

أفراد طاقم العمل يُنْزِلُون أجهزة حَفْر ضخمة من سفينة مجهَّزة لاختراق قاع البحر.

J. Baylor Roberts/ National Geographic/ Getty Images


كان الروائي جول فيرن على وشك أن يُنفذ هذه الخطة، ألا وهي الحفر في قاع البحر، لمسافة كيلومترات، عبر قشرة الكوكب الصخرية؛ ليخترق الوشاح الكامن الأكثر كثافة. إنها واحدة من المهام الكلاسيكية التي أقرَّها علم الجيولوجيا منذ ما يقرب من 60 عامًا، في ذروة ثورة نظرية الألواح التكتونية. وحاول الكثيرون منذ ذلك الحين تحقيق هذا الهدف؛ وفشلوا. وقد واجهت رحلة استكشافية في ديسمبر الماضي هذا التحدي مرة أخري.

 ففي أوائل ديسمبر الماضي، غادرت سفينة الحفر «جويديس ريزولوشن» JOIDES Resolution كولومبو في سريلانكا، متوجهة إلى نقطة في جنوب غرب المحيط الهندي، تُعرف بتلال أطلانتس (Atlantis Bank). وهناك، قامت بإنزال مثقاب؛ لمحاولة الحفر خلال 1500 متر من الصخور، مع جمع عيِّنات صخرية لُبِّيَّة أثناء الحفر. وإذا سار كل شيء علي ما يرام، فإن البعثات المستقبلية ـ التى لم تُحَدَّد، أو تُمَوَّل بعد ـ سوف تعود؛ لإتمام مهمة الحفر إلى الوشاح (انظر: «الفهم العميق»).

عادةً, يُعتقَد أن حدود القشرة ـ الوشاح الصخري ـ تتميز بظاهرة تُعرف بعدم استمرار موهو (Mohorovičić discontinuity)، أو «موهو» Moho, وتُغَيِّر عندها الموجات الزلزالية سرعتها، ولكن عند تلال أطلانتس، يُعتقد أن الوشاح يبرز إلى مسافة 2.5 كم فوق الموهو، مما يجعل الوصول إليه أيسر.

يقول هنرى ديك ـ من مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات بماساتشوستس، وأحد قادة البعثة ـ إن الوصول إلى هذه الحدود العميقة في الأرض يمثل «أحد مساعى القرن العلمية العظيمة».

يقع الموهو على عمق 30-60 كم أسفل القارات، بل أسفل المحيطات، قريبًا بما فيه الكفاية، ليتم الوصول إليه بمعدات الحفر التي تحملها السفن. في حملة الحفر، المسماة مشروع «موهو الحيد البطيء»، أو «سلومو» SloMo، يأمل ديك في الوصول إلي الحدود الفاصلة بين القشرة والوشاح في منطقة تلال أطلانتس، ثم العودة يومًا ما بآلة حفر يابانية حديثة إلى الموهو نفسه على عمق 5 كم، أو أكثر. ويأمل العلماء في الإجابة على أسئلة عميقة عن الكوكب، مثل: كيف يرتفع صخر منصهر من باطن الأرض، ويبرد ليكوِّن قشرة محيطية حديثة تغطي ثلاثة أخماس مساحة الأرض؟.

كبر الصورة


حلم قديم

يقول بونوا إلديفونس ـ وهو عالِم جيولوجى بجامعة مونبلييه فى فرنسا ـ إن حفرة بهذا العمق «ستمثل نافذة على أشياء لم نشاهدها أبدًا من قبل». في البداية، حاول العلماء الوصول إلى الموهو في منتصف القرن العشرين. ففي الستينات، قاد العلماء الأمريكيون مشروع «موهول» Mohole، حيث تم الحفر في قاع البحر قبالة جزيرة جوادالوبى فى المكسيك. وصل المشروع إلى عمق 183 مترًا فقط، قبل أن تتضخم التكلفة؛ وينهيه الكونجرس. ومع ذلك.. تمخَّضت عن مشروع «موهول» سلسلة برامج علمية لحفر المحيطات، استَخرجت عينات صخرية لُبِّيَّة من مئات المواقع حول العالم. وقد أحدث هذا ثورةً في علم الأرض، من خلال استرجاع سجلات رسوبية تعود إلى ملايين السنين، تقدِّم أدلة عن كيفية تفتت القارات، والعثور على حياة ميكروبية أسفل قاع البحار.

يقول والتر مونك، أخصائي علم المحيطات بمؤسسة سكريبس لعلم المحيطات في لاجولا بولاية كاليفورنيا، الذي وضع مع زملائه تصورًا لمشروع «موهول» في حفل في إحدى ليالي عام 1957: «إننا نعيش على هذه الأرض، ويجب أن نعرف شيئًا عما يحدث أسفلها». وقد أعرب عن ارتياحه لنجاح الجهود العلمية لحفر المحيطات عموما، ولكنه يأمل فى أن تُتوج الجهود باختراق الوشاح الصخري.

وقد اقتربت البعثات السابقة من تحقيق هذا الهدف. فبين عامي 2002 و2011 تمكنت أربعة ثقوب بموقع بشرق المحيط الهادئ من الوصول إلى صخر هش دقيق الحبيبات، ويعتقد الجيولوجيون أنه صهير تصلَّب بالتبريد مباشرة فوق الموهو، لكن الثقوب لم تتمكن بعد من اختراق هذه الطبقات العنيدة. وبالمثل، وفي عام 2013، وجد القائمون بالحفر بموقع «هيس ديب» Hess Deep القريب أنفسهم مقيدين بصخور قشرة قاسية (K. M. Gillis et al. Nature 505, 204–207; 2014).

يستهدف ديك وزملاؤه حيود المحيط الهندي، وليس شرقي المحيط الهادئ، لأن كميات الحمم البركانية المغذية لقاع البحر هناك قليلة جدًّا، ولذلك.. فإن الصخور الصلبة التي سوف يتم الحفر خلالها أقل، حيث رفعت القوى التكتونية بمنطقة تلال أطلانتس قاع البحر إلى مستوى 700 متر تحت سطح الأمواج.

يعلم ديك أنه من الممكن الوصول إلى هدف الـ1,500 متر الأولى، لأنه تمكَّن من ذلك من قبل. ففى عام 1997، قاد بعثة إلى تلال أطلانتس، ووصلت إلى هذا العمق قبل أن تحل الكارثة، حيث انفصلت أنبوبة الحفر بفعل الرياح العاتية، وانزلقت في الفتحة وسََّدتها. يقول: «سنعمل على التأكد من أن ذلك لن يتكرر هذه المرة».

من خلال هذا السعي، يأمل الباحثون في استكشاف.. ليس فقط المزيد عن علم الجيولوجيا، ولكن علم الأحياء أيضًا، حيث تشير عمليات رسم الخرائط الجيولوجية إلى أن مياه البحر ربما تكون قد نفذت إلى عمق عدة كيلومترات في تلال أطلانتس، مسبِّبة لتفاعلات كيميائية تُحوِّل الصخر إلى نوع يُسمى «سربنتينيت» serpentinite. تُنتِج هذه التفاعلات الميثان، وهو غاز عادةً ما تتغذى عليه الميكروبات التي تعيش تحت قاع البحر؛ للحصول على الطاقة. وتقول فرجينيا إدجكومب، وهي عالمة أحياء مجهرية بمؤسسة «وودز هول»، ومن ضمن الموجودين على متن سفينة الحفر: «سوف يقوم علماء ‹جويدس ريزولوشن› بفحص العينات اللُبية الصخرية؛ بحثًا عن كائنات حية مجهرية».

تستمر المرحلة الأولى من «سلومو» حتى 30 يناير الحالي. وإذا سارت الأمور على ما يرام، يأمل ديك فى العودة مع «جويدس ريزولوشن» للوصول إلى عمق 3 كم. وبعد ذلك، يأمل هو وزملاؤه فى استخدام السفينة اليابانية «شيكيو» Chikyu؛ للتنقيب فى المرحلة الثالثة من المشروع لحفر كل المسافة إلى الموهو. كان الهدف من إنشاء السفينة «شيكيو» ـ التي استهلت عملها منذ عقد من الزمان ـ هو الحفر حتى الوصول إلى الموهو في غرب المحيط الهادئ، ولكن حالت دون تحقيق ذلك إلى الآن الصعوبات الفنية، وكذلك نقص التمويل. سوف تتيح سفينة الحفر «شيكيو» ـ وهى ذات قدرة على المناورة حتى عمق 6 كيلومترات ـ لعلماء الجيولوجيا تحقيق حلمهم المنتظر منذ ما يقرب من 60 عامًا.