تأبين

ريتشــارد هِـك (2015–1931)

عالِم الكيمياء العضوية، الذي فاز بجائزة «نوبل» على أبحاثه في مجال الحَفْز باستخدام مركّبات البلاديوم.

فيكتور سنيكس
  • Published online:

Univ. Delaware

«افعل شيئًا باستخدام الفلزات الانتقالية».. كانت هذه التعليمات شبه الهزلية هي ما أعطاه رئيس وحدة الأبحاث في شركة «هيركيليس باودر» Hercules Powder لريتشارد هِك في عام 1958، بعد عامين من التحاقه بالعمل. وبعد أن قام هِك باستشارة بات هنري، عالِم الكيمياء العضوية الفلزية، الذي كان يشغل المكتب المقابل له، وبعدما أمعن التفكير في هذا الموضوع بجرأة علمية؛ اكتشف هذا العالِم طريقة جديدة لربط ذرات الكربون ببعضها البعض في خطوة واحدة (R. F. Heck Synlett 18, 2855–2860; 2006).

تُعَدّ الرابطة التي تصل ما بين ذَرَّتَي كربون شرطًا ضروريًّا للحياة، حيث تقوم الطبيعة بحَفْز تكوين هذه الرابطة باستخدام الإنزيمات، بينما استخدم هِك البلاديوم لأداء المهمة ذاتها، حيث تنبأ هذا الاكتشاف ببزوغ فجر جديد لتصنيع المركّبات العضوية، وهو المجال الذي يتخصص في بناء مجموعة واسعة النطاق من المركّبات، التي تشمل الوحدات البنائية البسيطة، وكذلك مجموعة مذهلة من التركيبات الذَّرِّية المهولة. وقد شَكَّلت هذه الأبحاث الخطوة الأولى في الطريق الذي انتهى بحصول هِك على جائزة «نوبل» للكيمياء في عام 2010.

اسأل علماء الكيمياء العضوية اليوم عن المنتجات التي قاد إليها تفاعل هِك، وسيشيرون إلى شاشات الهواتف الذكية، والمركّبات الواقية من الشمس، والعطور، والمبيدات الحشرية، والأدوية. وأحد الأمثلة على هذه المركّبات هو عقار نابروكسين، الذي يُستخدم لعلاج الألم، والحُمَّى، والتصلب، والالتهاب، والذي لا يحتاج الحصول عليه لوصفة طبية. أمّا لو طرحتَ السؤال ذاته على عالِم أحياء، فسوف يذكر لك أن هذا التفاعل هو الأساس الذي تعتمد عليه عملية اقتران الصبغات الفلورية مع قواعد الحمض النووي، وهو الأمر الذي يسمح بميكنة عملية فك تتابع الحمض النووي، وفك شفرة الجينوم البشري.

توفي ريتشارد هِك في يوم 9 أكتوبر 2015 في مدينة مانيلا. وقد وُلد هذا العالِم في سبرينجفيلد، ماساتشوستس، في يوم 15 أغسطس 1931. وعند بلوغه الثامنة، انتقل مع والديه محترِفَي الرقص إلى مدينة لوس أنجيليس في كاليفورنيا، حيث أشعلت الألوان البراقة، والروائح العطرة للزهور الموجودة في قطعة أرض خالية بجوار بيته في لوس أنجيليس جذوة اهتمامه بالكيمياء. وبعد حصوله على الدكتوراة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس على أبحاثه مع عالِم الكيمياء العضوية الفيزيائية البارز سول وينستين، وإتمامه لزمالة دراسات ما بعد الدكتوراة مع الكيميائي الذي حصل فيما بعد على جائزة «نوبل»، فلاديمير بريلوج، في المعهد السويسري الفيدرالي للتقنية في زيورخ، التحق هِك ذو الخمسة وعشرين عامًا وقتئذ بشركة هيركيليس (التي تُعرف اليوم باسم «آشلاند» Ashland) في ولمينجتون، ديلاوير، في عام 1956.

وبعد عامين من العمل على تطوير عملية تجارية لإنتاج البولي إيثيلين باستخدام عوامل زيجلر-ناتا الحفازة المكتشَفة حديثًا وقتئذ، طلب مدير الأبحاث ديفيد بريسلو من هِك إنجاز المهمة البحثية سابقة الذكر، التي اتضح فيما بعد أنها كانت مصيرية، ومهمة للغاية. وقال عنها هِك بعد ذلك: «لقد تركوا لنا الحرية الكاملة لتجربة كل ما هو ممكن». وأدرك هِك أن الاكتشافات تتقدم خطوة فخطوة من الملاحظات المتناثرة في الأدبيات العلمية. ولذا.. قام بدراسة التفاعل المسمَّى «تفاعل أوكسو» Hydroformylation، ثم اقترح أول آلية صحيحة لتفاعل يتم تحفيزه بواسطة فلز انتقالي. وأضاءت هذه الآلية الطريق لفهم التفاعلات العضوية الفلزية الأخرى، التي لم ندرك طريقة حدوثها من قبل، كما قادت إلى إنتاج محصول وافر من المعرفة الكيميائية الجديدة بخصوص المركبات العضوية الفلزية، التي تحتوي على عنصر الكوبالت.

تُستخدم تقنية «تفاعل أوكسو» في الوقت الحالي لإنتاج 6.8 طن من وحدات البناء الكربونية الأساسية (الكحوليات والألدهيدات) في كل عام، من أجل تصنيع المركّبات التي نستخدم الكثير منها في حياتنا اليومية. ولربما يجهل الكثيرون في وقتنا الحاضر المجهودات البحثية لهِك في دراسة كيمياء كاربونيل الكوبالت، بغرض تفاعل هذه المركّبات مع مجموعة متنوعة من المركبات العضوية (أول أكسيد الكربون، والألكينات، والدايينات، والإيبوكسيدات، والكيتونات). ولمّا لم تكن لدى هِك «فكرة حاضرة» كما ذكر، بخصوص الكيفية التي سوف يوظف بها هذه الكيمياء، لكي يجلب الأرباح لشركة هيركيليس؛ قرر أن يأخذ اتجاهًا مختلفًا.

وفي عام 1968، ذُهل المجتمع الكيميائي من فيض الأبحاث السبعة المتتابعة، التي نشرها هِك منفردًا في دورية «جورنال أوف أميريكان كيميكال سوسيتي». وحين نعيد النظر في هذه الأبحاث الآن؛ فإننا نرى فيها بشارة للأبحاث المبتكرة التي تبعتها، والتي نشرها هِك في عام 1971، بعد أن أنتقل الى جامعة ديلاوير، التي تقع على مقربة من الشركة التي كان يعمل بها. وفي العام التالي، نُشرت الورقة العلمية بالغة الأهمية، التي ألَّفها هِك (R. F. Heck & J. P. Nolley J. Org. Chem. 37, 2320–2322; 1972). وبكرمه الأصيل، استهلَّ هِك هذا البحث بالاعتراف بأسبقية تسوتومو ميزوروكي في الاكتشاف المنشور. وأكمل هِك حديثه قائلًا: «لقد اكتشفنا هذا التفاعل بصورة مستقلة، كما وجدنا أنه يمكن إجراؤه في ظل ظروف مختبرية أكثر ملاءمة».

ذلك الاكتشاف، الذي يُعرف على نطاق واسع باسم «تَفَاعُل ميزوروكي-هِك»، يتضمن تسلل البلاديوم الحفاز إلى الرابطة التي تصل ما بين ذَرَّة كربون، وذَرَّة هالوجين، لكي ينتج كيانًا كيميائيًّا مؤقتًا. ويمسك هذا المركّب الوسيط بزمام جزيء فعال آخر، لكي ينتج في نهاية المطاف ـ بعد حدوث عدد من التحولات والتغيرات ـ مركَّبًا يحتوي على رابطة جديدة تصل ما بين ذَرَّتَي كربون. وعلى الرغم من أن هذه الورقة العلمية قادت في النهاية إلى حصول هِك على جائزة «نوبل» في عام 2010 (بالاشتراك مع أي-إيتشي نيجيشي، وأكيرا سوزوكي)، إلا أنها ظلت مدفونة في الأدبيات العلمية، ولم تحظ في معظم الأوقات على ما تستحقه من تقدير.

واصل هِك السير في هذا الطريق البحثي المبتكر، ونشر بحثين إضافيين في عام 1975، كشف فيهما عن طريقتين جديدتين لتكوين الروابط ما بين ذرات الكربون، حيث كانتا نبوءتين بتفاعلي سونوجشيرا وسوزوكي-مايورا للاقتران المتبادل. « لقد نشرتُ تفاعل سونوجشيرا الخالي من النحاس»، هكذا أخبرني ديك هِك ببساطة.

وخلال هذه الفترة المثمرة من الطفرات البحثية المهمة، أضاف هِك والباحثون الذين عملوا معه أداتين مهمّتين إلى «صندوق أدوات» الكيميائيين التصنيعيين، وهما: تفاعل إضافة مجموعة الكاربونيل إلى هاليدات الأريل، عن طريق الحفز بواسطة البلاديوم، والهدرجة العارضة باستخدام الفورمات كعامل اختزال. وفي الوقت الحالي، يتعلم طلاب المرحلة الجامعية تفاعل هِك في الصف، وفي المختبر، ويستخدم الكيميائيون العاملون في الصناعة التفاعل نفسه؛ لإنتاج أطنان من الأدوية التي تعالج الربو، والسكري، ومرض نقص المناعة البشرية، والكثير من الأمراض الأخرى. ولذا.. يمكن القول إن أبحاث هِك تُعَدّ رائدة في مجال التقنيات الوفيرة، التي تعتمد على الحفز باستخدام الفلزات الانتقالية، والتي تنتشر في كل أنحاء العالم.

في عام 1989، تقاعد هِك، واستقر مع زوجته الفليبينية سوكورو ناردو في ولاية فلوريدا. وفي عام 2006، قُدِّمت إليه الدعوة لكي يواصل أبحاثه على الكوبالت في جامعة كوينز في كندا. وقد تَغَلَّب الطلاب على انبهارهم به؛ لكي يتمكنوا من العمل بجانبه في المختبر، كما حاولوا جاهدين أن يحضروا إلى المختبر قبل موعد وصوله في تمام الساعة الثامنة صباحًا. وبعد 17 عامًا من التقاعد، و45 عامًا من فَتْحِه لباب الأبحاث على الكيمياء العضوية للكوبالت، دخل ديك الى المختبر مرة أخرى، وقام بتحضير المركّبات، وبقياس أطياف الأشعة تحت الحمراء لها.. «ستحصل على كل ما تحتاجه من معلومات». وبمساعدة باحث ما بعد الدكتوراة، حصل على بيانات الرنين النووي المغنطيسي، ومطيافية الكتلة فائقة الوضوح، وقام بتفسيرها، واتخذ الخطوات التالية اللازمة.

في وقت لاحق من عام 2006، عاد ديك إلى الفلبين مع زوجته سوكورو. وفي الخطاب الورقي الذي أرسله لي، ذكر أنه عاد إلى هوايتيه المفضَّلتين: «لديَّ مساحة أرض خالية، تصلح لزراعة بستان جديد. وبهذا.. سوف يكون لديَّ ما أعمله. فهل وجدتَ بعد مَنْ يَوَدّ العمل على كاربونيل الكوبالت؟» كذلك قام برسم البِنَى الكيميائية للخطوات التالية الممكنة على الطريق المرصوف بالبلاديوم، الذي قام ببنائه.