أخبار

«البوصلة الحيوية».. كَشْف طال انتظاره

يقدم مُركَّب البروتين المعقَّد تفسيرًا للكيفية التي تشعر بها الحيوانات بالجاذبية المغناطيسية للأرض.

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:

<p>
يُعتقد أن الحيتان البيضاء واحدة من الأنواع التي تَستخدِم المجال المغناطيسي الضعيف للأرض؛ لتحديد اتجاهات الإبحار.</p>

يُعتقد أن الحيتان البيضاء واحدة من الأنواع التي تَستخدِم المجال المغناطيسي الضعيف للأرض؛ لتحديد اتجاهات الإبحار.

Doug Allan/Nature Picture Library


يقول علماء صينيون إنهم وجدوا بداخل خلايا ذباب الفاكهة إبرة لبوصلة حيوية، وهي بمثابة مركّبات بروتين معقدة، عصوية الشكل تتجاوب مع المجال المغناطيسي الضعيف للأرض. والبوصلة الحيوية ـ التي يدخل مكوِّنها الأساسي «البروتين» في تركيب أنواع حية أخرى، منها الإنسان ـ تستطيع تفسير لغز قديم، وهو كيف تشعر الحيوانات ـ مثل الطيور والحشرات ـ بالمغناطيسية. ومحتمل أيضًا أن تكون البوصلة الحيوية أداة عديمة النفع، فيما يخص استخدام المجالات المغناطيسية، بغرض التحكم في الخلايا، وذلك حسب ما ذكره بعض الباحثين بقيادة زِي كان، عالِم الفيزياء الحيوية في جامعة بكين في بكين، وذلك في بحث علمي ورَد في 16 نوفمبر في دورية نيتشر ماتريالز (S. Qin et al. Nature Mater. http://doi.org/89v; 2015).

وقد قال بيتر هور، عالِم الكيمياء الحيوية في جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة في هذا الصدد: «إنها ورقة علمية استثنائية»، لكن فريق زِي لم يكن قد أوضح كيف يتحرك المُركَّب مثل البوصلة داخل الخلايا الحية، ولم يشرح بالضبط كيف يشعر المُركَّب بالمغناطيسية. كما أضاف في هذا السياق ديفيد كايس، عالِم الأعصاب، الذي يدرس الاستقبال المغناطيسي في معهد الأمراض الجزيئية في فيينا: «إما أنه بحث علمي مهم جدًّا، أو خطأ تمامًا. وأنا أشكّ في الأمر الثاني»، حيث إن كائنات حية عديدة ـ متنوعة بين الحيتان، والفراشات، والنمل الأبيض، والحَمَام، وغيرها ـ تَستخدِم المجال المغناطيسي للأرض؛ للتنقل، أو لتوجيه نفسها خلال المكان، لكنّ التقنية الجزيئية وراء هذه المقدرة المعروفة بالاستقبال المغناطيسي غير واضحة.

وقد أشار بعض الباحثين إلى بروتينات حساسة مغناطيسيًّا تسمى «كربتوكروم»، أو اختصارًا « Cry»، فمثلًا ذباب الفاكهة الذي يفتقر إلى هذه البروتينات يفقد حساسيته للمجالات المغناطيسية، لكن زي يقول إن بروتينات Cry وحدها لا يمكن أن تكون بمثابة بوصلة، لأنها لا تستطيع الإحساس بقطبية المجالات المغناطيسية (اتجاه الشمال والجنوب). ويَعتقد آخرون أن المسؤولة عن ذلك هي المعادن المستخلَص منها الحديد، ومنها مادة الماجنتيت، وهو شكل من أكسيد الحديد، يوجد في خلايا منقار الحمام الزاجل. وحتى الآن، تبين الدراسات أن الماجنتيت لا يلعب أي دور في الاستقبال المغناطيسي للحمام.

يقول زي إنه وجد بروتينًا في ذباب الفاكهة يرتبط مع الحديد، ويتفاعل مع بروتينات Cry، ويُسمى CG8198، حيث يربط ذرات الحديد مع الكبريت، ومُتضمَّن في إيقاعات متكررة يوميًّا في ذبابة الفاكهة. ويتعاون هذا البروتين مع بروتينات Cry؛ مكونًا «إبرة» في حجم النانو، وهي مركز بوليمرات بروتين CG8198، وشبيهة بالعصا، وعليها طبقة خارجية من بروتينات Cry التي تلتف حول المركز. وباستخدام المجهر الإلكتروني، رأي فريق زِي تجمعات من هذه العصي، توجِّه نفسها في مجال مغناطيسي ضعيف بالطريقة نفسها لعمل إبر البوصلة. وقد قام زي بمنح بروتين CG8198 اسمًا جديدًا، هو MagR، اختصارًا للمستقبِل المغناطيسي.

قدَّم الاكتشاف للعلماء إمكانية استخدام المجالات المغناطيسية؛ للتحكم في الخلايا. وخلال السنوات العشر الماضية، سيطر العلماء على مقدرة الحساسية للضوء لبعض البروتينات، بغرض معالجة الخلايا العصبية، وذلك غالبًا بإدخال أسلاك ألياف ضوئية مباشرة إلى الدماغ، وهي أداة يُطلق عليها الوراثيات البصرية، لكن البروتينات ذات الحساسية للمغناطيسية لديها ميزة بأنها يمكن معالجتها باستخدام مجالات مغناطيسية خارج الدماغ.

ويَدَّعي تشانج شينج جيا ـ عالِم الأعصاب بجامعة تسينجهوا في بكين ـ أنه قد أثبت بالفعل قدرة «الوراثيات المغناطيسية». وقد قدَّم تصورًا مسبقًا مفاجئًا في سبتمبر الماضي لعمل زي وفريقه، حينما نشر بحثًا علميًّا لتقرير استخدام البوصلة الحيوية؛ لمعالجة الخلايا العصبية في الديدان، (X. Long et al. Sci. Bull. http://doi.org/883; 2015)، لكنّ زِي وآخرين قدموا شكوى بأن نَشْر تشانج المبكر قد انتهك اتفاقية التعاون بين الباحثين ـ ويوجد نزاع على التفاصيل ـ وقد طلب أن يتم سَحْب هذا النشر. وفي شهر أكتوبر الماضي، تم إعفاء تشانج من وظيفته في الجامعة، ومازال يطعن في هذا القرار، (انظر: Nature http://doi.org/882; 2015).

وقد أضاف زي قائلًا إنه في شهر إبريل الماضي قدَّم طلب براءة اختراع صيني، يتضمن استخدام الوراثية المغناطيسية، وقدرة البروتين المغناطيسية؛ لمعالجة الجزئيات الكبيرة. وقد بدأ أيضًا بالنظر إلى تركيب بروتينات MagR في الحيوانات الأخرى، متضمنةً البشر. وقد رأى أن التنوع في النسخة البشرية لبروتينات MagR يُحتمل أن يرتبط بالاختلافات في إحساس الأشخاص بالاتجاه.


آراء المتشككين

بعض العلماء لم يقتنعوا بأن وظيفة الإبر الحيوية مماثلة لوظيفة البوصلة في الكائنات الحية. وقد أوضح فريق زِي أن بروتينات MagR، وCry يتم إنتاجها في الخلايا نفسها لشبكية عين الحمام، وهو مركز الإحساس بالمجال المغناطيسي المفترَض في الطيور، لكن كايس يقول إن كلًّا من بروتينات MagR وCry موجودة في خلايا عديدة. وتابَع قائلًا: «إن وجود مثل هذه الكمية الصغيرة من الحديد تجعل الفرد يتساءل عمّا إذا كانت بروتينات MagR في الجسم الحي قادرة أصلًا على امتلاك الخصائص المغناطيسية في درجات الحرارة الفسيولوجية، أم لا». وأضاف بثقة: «إذا كانت بروتينات MagR هي مستقبِلات مغناطيسية حقيقة، فسوف آكل قبعتي».

«إذا كانت بروتينات MagR هي مستقبلات مغناطيسية حقيقة، فسوف آكل قبعتي».

يأمل زي أن يدعم الآخرون نظريته بإجراء المزيد من التجارب، مثل تثبيط جين بروتينات MagR في أنسجة معينة لذبابة الفاكهة؛ بغرض معرفة إنْ كانت تؤثر على إحساس الحيوانات بالاتجاه، أم لا. وقد قال إنه نشر بحثه بدون القيام بذلك العمل، لأنه أراد فقط أن يسجل النتائج التي كان يعمل عليها لمدة ست سنوات.

أمّا ما يعرقل بعض الباحثين الآن، فهو عدم وجود آلية محددة لكيفية إحساس مركّب البروتين المعقد بالمغناطيسية، أو احتمال أن يُجْرِي الدماغ معالجة لأي إشارة ترسلها البروتينات. وفي هذا الصدد قال ميشيل وينكلهوفر ـ أخصائي المغناطيسية، وعالِم الأرض في جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونخ في ألمانيا ـ إنه من المحتمل أن يكون نشاط البوصلة الحيوية لبروتينات MagR ناتجًا عن تلوث في التجربة. وأضاف قائلًا إنه يخطط لتجارب؛ لتتبع نتائج فريق زِي، ولو صمدت نتائج فريق زِي؛ فإن اكتشاف بروتينات MagR «سيبدو خطوة أساسية إلى الأمام نحو انهيار الأساسيات الجزيئية للاستقبال المغناطيسي».