أنباء وآراء

علم الأرض: الارتبـاط القـاتـل

تشير أدلة جديدة إلى أن الموجات الزلزالية الناتجة عن تصادم نيزك تشيكسولوب أدَّت إلى مضاعفة معدل اندلاع الحِمَم البركانية على الجانب الآخر من الكوكب، وهو ارتباط أدَّى إلى انقراض جماعي للديناصورات في نهاية العصر الطباشيري.

روبرت دونكان
  • Published online:

تمثِّل الأحداث التي واكبت نهاية العصر الطباشيري منذ 66 مليون سنة أكثر القصص تشويقًا في تاريخ كوكبنا. فهناك أدلة مقنعة على دور تصادم نيزك مدمر في تشيكسولوب (يوكاتان، المكسيك)، وثورات بركانية ضخمة في غرب الهند في الوقت نفسه، حيث يُعزى إلى كليهما الاختفاء المفاجئ للديناصورات، وكذلك معظم أنواع الكائنات الحية في ذلك الوقت. ظل النقاش محتدمًا لعدة عقود حول غلبة أي من الكارثتين في التسبب في التدمير السريع والمستدام للبيئة، الذي أدى إلى انقراض جماعي. والآن، اتضحت الصورة قليلًا، مع تقرير رينيه وزملائه1 في دورية "ساينس" عن شواهد تُشير إلى أن التصادم والثوران البركاني ربما كانا مرتبطين ببعضهما.

تُمثل مصاطب الديكان (الشكل 1) تراكمًا هائلًا من الحمم البركانية المتصلبة، يبلغ حجمها أكثر من مليون كيلومتر مكعب2، حيث تكونت عندما تدفقت الحمم الناتجة عن ذوبان وشاح الأرض عبر القشرة الأرضية القارية غرب الهند. ويُعتبر هذا النشاط البركاني الأحدث بين عديد من الأقاليم الصخرية الكبيرة، التي يتزامن وجودها مع الانقراض الجماعي خلال السجل الجيولوجي2. ويُمثل عدم اليقين المصاحب لتحديد عمر الصخور الناتجة عائقًا أمام فهْم كيف أدَّى هذا النشاط البركاني الكارثي إلى الانقراض الجماعي.

هي نتيجة تدفق مهول من الحمم البركانية في غرب الهند في نهاية العصر الطباشيري، أنتج صخورًا متراكمة، تُعرف باسم مصاطب الديكان. ويرى رينيه وزملاؤه1 أن تصادم نيزك تشيكسولوب قد تَسَبَّب في زيادة معدل التدفق أثناء ذلك النشاط البركاني، وأن ارتباط هذه الزيادة بتأثير التصادم ربما سَبَّبَ الانقراض الجماعي، الذي مَيَّز نهاية العصر الطباشيري.

كبر الصورة


تولدت الأفكار عن أسباب الانقراض الجماعي في نهاية العصر الطباشيري، من فكرة أن انقراض الأنواع حدث تدريجيًّا على مدى عدة ملايين من السنين، وهو ما يمكن تفسيره بعدة عوامل، مثل تغير المناخ، وهبوط مستوى سطح البحر، وظهور الثدييات التي تغذَّت على بيض الديناصورات. ورغم ذلك.. أظهرت الدراسات الدقيقة للسجل الرسوبي3، أن الانقراض الجماعي قد حدث فجأة، مما يجعل تصادم النيزك، والثورات البركانية الضخمة الآلِيّتين الوحيدتين القابلتين للتطبيق. وبسبب أن النشاط البركاني في الديكان قد بدأ قبل اصطدام نيزك تشيكسولوب بوقت كاف4، فإنه لا يمكن لشظايا النيزك أن تكون هي التي أدّت إلى ثورة البراكين، ولذلك.. فقد تم اعتبار أن التصادم والنشاط البركاني حدثان مستقلان متصادفان.

يقدِّم رينيه وزملاؤه تقديرات عالية الدقة لعمر القطاع الرئيس لحمم الديكان البركانية (منطقة جاتس الغربية)، ومن ثم يثبتون أن اصطدام نيزك تشيكسولوب قد حدث في غضون 50 ألف سنة من التغير الجذري في معدل تدفق الحمم، وتركيب الصهارة البركانية. ولذلك.. يؤكد الباحثون أن الطاقة الناتجة عن اصطدام النيزك انتشرت بواسطة الموجات الزلزالية خلال سطح الأرض وحوله، مسبِّبة تغيرًا في "نظام ضخ" حمم الديكان؛ من أجل زيادة معدل التدفق. وأسهم ذلك بدوره في التدهور البيئي، من خلال إطلاق غازات معينة ـ مثل ثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت ـ إلى الغلاف الجوي.

تعقب النتائج الحالية نتائج دراسة حديثة مرتبطة، قام بها ريتشارد وزملاؤه5، حيث قَدَّروا طاقة الحركة الناتجة عن اصطدام نيزك تشيكسولوب بأنها تعادل الطاقة الناتجة عن زلزال ضخم بقوة تتراوح بين 9 و11 ريختر. وذكروا أيضًا أن طاقة الموجة الزلزالية التي تصل إلى منطقة الديكان ـ على بُعد 14 ألف كيلومتر من منطقة التصادم ـ كانت كافية لتثير الانبعاثات البركانية، من خلال زيادة نفاذ القشرة وتدفق الصهارة، ومن خلال التسبب في اضطراب أو الْتِحام غرف الحمم في القشرة الأرضية6.

يتميز تصادم نيزك تشيكسولوب في السجل الجيولوجي بوجود تركيزات عالية من عنصر الإيريديوم النادر، والكوارتز المهشَّم في الرواسب البحرية، حيث يتكون الكوارتز المهشم نتيجة تعرُّض النوع العادي منه للتشوه الناتج عن ضغوط عالية تحت درجات حرارة منخفضة في موقع التصادم. ومن المُسلَّم به تزامن التصادم مع الانقراض الجماعي في نهاية العصر الطباشيري، بناء على هذه الشواهد3 ـ المعروف رسميًّا بالحد الفاصل بين العصر الطباشيري، والعصر الثلاثي المبكر (KPB) ـ إلا أن البيانات الجديدة تضع الحد الفاصل بين العصر الطباشيري والعصر الثلاثي المبكر بدقة أكبر، وهذا خلال فترة تدفق حمم الديكان على وجه التحديد.

ربما أدَّى اصطدام نيزك تشيكسولوب منفردًا إلى التدهور البيئي الشديد والمفاجئ؛ الكافي ليسبب الانقراض الجماعي. وعلى النقيض من ذلك.. لا يوجد دليل على تصادم نيزكي في حالات الانقراض الجماعي الأخرى، لكن جميعها يتزامن مع وجود أقاليم بركانية كبيرة2. لذلك.. يبدو من المعقول أن نقبل بأن كلًّا من التصادم والنشاط البركاني الحادثين على جانبين متقابلين من الكوكب تقريبًا، أسهم في الانخفاض المفاجئ، وانقراض الأنواع بين العصر الطباشيري، والعصر الثلاثي المبكر.

ذكر ريتشارد وزملاؤه5 أيضًا حدوث تغيير جوهري في حجم تدفق الحمم، ووتيرة الثورات البركانية، وتركيب الحمم، أثناء تكوين تتابع حمم الديكان، وذلك في الوقت نفسه لتصادم تشيكسولوب، وفي فترة الحد الفاصل بين العصر الطباشيري، والعصر الثلاثي المبكر تقريبًا، حيث تدفق أكثر من %70 من إجمالي حجم الحمم بعد هذا التغيير، وذلك في شكل تدفق حمم بركانية ضخمة (تصل إلى 10 آلاف كيلومتر مكعب) خلال فترة الـ500 ألف سنة التالية7، بالرغم من حدوث التدفق بوتيرة أقل من ذي قبل. فهل يعكس هذا التحول صغر سُمْك القشرة الأرضية القارية، كما هو موثق لغيرها من الأقاليم البركانية الكبيرة8؟ لاحظ ريتشارد وزملاؤه أن اتجاه السدود ـ الشقوق الرأسية والأفقية في الصخر التي سمحت للحمم أن تتخلل إلى السطح ـ قد تغيِّر من اتجاهات يتم تحديدها تبعًا لاتجاهات تمدُّد القشرة الأرضية، إلى اتجاهات موجهة عشوائيًّا أثناء التحول، بينما لا تُظْهِر كيمياء العناصر الثانوية الدالة على عمق الانصهار أيَّ تغير. وبالتالي، يشير كلا العاملَين إلى أن زيادة إنتاج الحمم لم تكن بسبب تمدد القشرة الأرضية، أو صغر سُمْكها.

ومقارنة رينيه وزملائه بين تصادم تشيكسولوب والتغييرات الموثقة في ديناميكية الثورات البركانية في إقليم الديكان تدعم آليّة معقولة لربط الحدث الأول بالثاني. وهذا الرابط لا يفسِّر بشكل كامل النظام الموسع للثورات البركانية الكبيرة بوتيرة أقل عقب التصادم، لكن الباحثين يعتقدون أن تغيرًا في حجم غرف الحمم وتوزيعها قد يكون من العوامل المتحكِّمة في ذلك. وفي النهاية، تسجل الفترة الزمنية الفاصلة بين العصر الطباشيري، والعصر الثلاثي المبكر استجابة بيئية معقدة لتأثيرين - تصادم نيزك، وثورات بركانية – مرتبطين بقوة الآن. وربما تظهر تفاصيل أخرى عن السجل الزمني لثورات الديكان البركانية، من دراسات تفصيلية لسجلات الرسوبيات البحرية للمُدخلات البركانية، والانتعاش الحيوي.

  1. Renne, P. R. et al. Science 350, 76–78 (2015).

  2. Courtillot, V. E. & Renne, P. R. C. R. Geosci. 335, 113–140 (2003).

  3. Schulte, P. et al. Science 327, 1214–1218 (2010).

  4. Renne, P. R. et al. Science 339, 684–687 (2013).

  5. Richards, M. A. et al. Geol. Soc. Am. Bull. 127, 1507–1520 (2015).

  6. Manga, M. & Brodsky, E. Annu. Rev. Earth Planet. Sci. 34, 263–291 (2006).

  7. Chenet, A.-L. et al. J. Geophys. Res. 114, B06103 (2009).

  8. Fram, M. S. & Lesher, C. E. Nature 363, 712–715 (1993).