أنباء وآراء

تقنيات حيوية: إنبـات أنسجة كلوية من خلايا جذعية مُحفَّزة

تم تحفيز الخلايا البشرية المعدلة، التي يمكن أن تولد جميع أنواع الخلايا، من أجل توليد هياكل تحاكي الكلية الجنينية.. وهو تطوُّر قد يمهد الطريق نحو استنبات كُلَى يمكن زرعها.

جيمي إيه. ديفيس
  • Published online:

تشيع أمراض الكُلَى بشكل متزايد، مع نقص الكُلَى المتوفرة الممكن زرعها لمواجهة ذلك. وأحد الحلول المطروحة الآن هو إنتاج كُلَى بشرية من الخلايا الجذعية، لكن قبل أن يتم ذلك، يجب التغلب على عدة مشكلات. وفي هذا الإطار، يقدم تاكاساتو وزملاؤه1 بحثًا يُعتبر خطوة مهمة في اتجاه بناء كُلَى مشتقة من الخلايا الجذعية.

تتضمن مسيرة الانتقال من خلايا جذعية إلى كلية مُخلقة العديد من الخطوات: أولًا، يجب "إقناع" الخلايا الجذعية بأن تتحول إلى خلايا أنسجة الكُلَى، وليس أي عضو آخر. ثانيًا، فور التزامها بذاك التخصص، يجب "تشجيعها" لبناء الهيكل المعقد الخاص بالكُلْية. ثالثًا، يجب أن تُحفَّز الكُلَى المُستنبتة لتنمو في جسم المريض المضيف، وتقوم بوظيفتها هناك.

منذ استنبات أجزاء من نسيج الكُلَى لأول مرة داخل المختبر2 في عام 1910، والباحثون يتقدمون بوتيرة ثابتة في الخطوتين الثانية والثالثة. وبفضل الإنجازات اللاحقة، تم إنتاج معلقات تحتوي على خلايا كلوية جنينية (تولّد الكُلَى)، قادرة على تنظيم نفسها في مُستنبت؛ لتشكل أعضاء صغيرة، وأنسجة شبه عضية3-5، كما تم زرع الكُلَى الجنينية في حيوانات بالغة6، إلا أن هذه الإنجازات وحدها لها استخدامات طبية قليلة، إنْ لم تُحقق الخطوة الأولى، وهي إيجاد تقنية لإنتاج الخلايا المنتجة لخلايا الكُلَى والأوعية الدموية الأولية المحيطة بها من الأنسجة البشرية السليمة.

إحدى طرق الحصول على الخلايا المنتجة لخلايا الكُلَى هي استنباتها من الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (خلايا iPS)، وهي خلايا بالغة، تم تحويلها في المُستنبت إلى خلايا متعددة القدرات، تستطيع التحول إلى أي نوع من الخلايا في الجسم7. تتم عملية التخصص هذه أثناء تطور الجنين، من خلال أنواع من الخلايا الوسيطة، في حين يتم الانتقال من مرحلة إلى أخرى بتحفيز من بروتينات تأشير مخصصة، مثل بروتينات "Wnt"، أو عوامل النمو الليفية (FGFs). لذا.. يقوم علماء الأحياء الذين يريدون توجيه خلايا iPs لتتحول إلى نوع معين من الأنسجة بمعالجتها بجزيئات تأشير، أو أدوية تحاكي هذه الجزيئات، في تسلسل مستوحَى من عمليات التطور الجنيني.

إن تصميم بروتوكولات فعالة لتطوير تلك الخلايا يمكن أن يشكل تحديًا صعبًا، خاصة إذا كان النسيج المرغوب يحتوي على أنواع متعددة من الخلايا مثلًا، أو إنْ كان ينشأ في مرحلة متأخرة من عملية التطور الجنيني. وكلتا الحالتين تنطبقان على الكُلَى، إذ تبدأ في التطور مع بلوغ الجنين البشري سن الخمسة أسابيع، وهي تحتوي على خلايا مشتقة من نوعين على الأقل من الخلايا الأولية المنتجة لخلايا الكُلَى: هما ظهارة الحالب، التي تُنشئ قنوات التجميع التي تساعد في الحفاظ على توازن السوائل والكهارل بالجسم، واللحمة المتوسطة المولدة للكلية التالية، التي تتطور إلى نيفرونات، وتسهم في عملية الإفراز.

ونظرًا إلى الحاجة الماسة لزراعة الكُلَى، فقد عمل الباحثون منذ زمن للحصول على الخلايا المنتجة لخلايا الكُلَى من أنواع متباينة من خلايا iPS البشرية والحيوانية. وأظهرت دراسة رائدة8 أن الخلايا متعددة القدرات في الفئران، المسماة بالخلايا الجذعية الجنينية الفأرية، يمكنها أن تُحَفَّز لأن تعبِّر عن واسمات وراثية خاصة بالالتحام المتوسط المولّد للكلية التالية، وأن تندمج مع كُلَى المضيف، ولو بكفاءة منخفضة. ومنذ ذلك الحين، وبرغم التحسينات الإضافية، ما زالت الكفاءة إحدى المشكلات، ويعتمد الكثير من الباحثين على رصد التعبير عن الواسمات وحده كمؤشر للنجاح، لكنه ليس ضمانًا على أن الخلايا سوف تنتِج أنسجة وظيفية آمنة، فالخلايا السرطانية مثلًا تعبِّر عن واسمات تدل على الأنسجة التي نشأت منها.

قام تاكاساتو وزملاؤه1 بإنشاء بروتوكول لاستنبات أنسجة كلوية شبه عضية، عن طريق تعريض الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPS)، التي يمكن أن تولد أي نوع من الخلايا، لإشارات من جزيئات بروتين "Wnt" لمدة أربعة أيام، ثم إلى إشارات عامل النمو الليفي (FGF) لخمسة أيام. وبذلك.. تسببت إشارات بروتين "Wnt" في توازن فيسيولوجي بين نوعين من الخلايا الأولية المولدة للكُلَى: اللحمة المتوسطة، المولدة للكُلْية التالية (MM)، وظهارة الحالب (UE). ومن ثم، قام الباحثون بنقل هذه الخلايا إلى نظام استنبات ثلاثي الأبعاد، ثم عرضوها لموجة أخرى من إشارات بروتين "Wnt"، حفَّزت مزيدًا من التطور، حيث تمايزت الخلايا ونظمت نفسها في هيئة نيفرونات، وأجزاء من قناة التجميع، تحاكي تلك الموجودة في الكُلَى البشرية الجنينية.

كبر الصورة


أما تاكاساتو وزملاؤه، فقد اعتمدوا على الأعمال السابقة لوضع بروتوكول لتحويل خلايا iPS البشرية بكفاءة عالية إلى الالتحام المتوسط المولّد للكلية التالية وظهارة الحالب، مع توازن بين أنواع الخلايا المختلفة (الشكل 1). ويعود سبب نجاحهم إلى فهمهم الأفضل للأصل الجنيني الذي يصدر منه نوعا الخلايا الجذعية.. تحديدًا، إدراك أن الخلايا التي من شأنها أن تُنشئ ظهارة الحالب تتعرض لفترة وجيزة إلى إشارات بروتين "Wnt"، في حين أن الخلايا التي ستُنشئ الالتحام المتوسط المولّد للكلية التالية يأتي من خلايا تعرضت لتلك الإشارات لفترة أطول. لذا.. يُحسّن البروتوكول الخاص بهم مدة تعرُّض خلايا iPS لأدوية تحاكي بروتين "Wnt"، لإحداث توازن بين نوعي الخلايا الجذعية، بما يقترب من النسبة المرصودة في الجسم الحي. ومن ثم، يتبع ذلك التعرض لإشارات عامل النمو الليفي، كما يحدث في الجنين البشري أيضًا.

حين قام الباحثون باستنبات الخلايا على شكل تجمعات ثلاثية الأبعاد، وعرّضوها لإشارة ثانية محفّزة من بروتين "Wnt"، تطورت خلايا الالتحام المتوسط المولّد للكلية التالية إلى نيفرونات، بينما تطورت خلايا ظهارية الحالب إلى قنوات تجميعية. كما نضجت النيفرونات، وأنتجت سلسلة من قطاعات متخصصة تحاكي تلك الموجودة في الأجنة، بالإضافة إلى النسيج الضام والخلايا الأولية الخاصة بالأوعية الدموية التي تحيط بالنيفرونات الجنينية. إن التعبير الجيني كان مشابهًا لما يحدث في أنسجة الكلية الجنينية البشرية في الأشهر الثلاثة الأولى؛ كما قامت النيفرونات بامتصاص جزيئات تتبُّع موسومة، ما يشير إلى أنها تؤدي وظيفتها بفعالية.

ومِن الأهمية بمكان التأكيد على أن هذه العملية لا تُنتِج كُلْية متكاملة، بل أنسجة شبه عضية فقط. والتنظيم الدقيق لهيكل النسيج يُعتبر واقعيًّا، لكنه لا يشبه التنظيم عالي النطاق لكُلْية كاملة.. فهو لا يُعدّل فيما بعد، كي يُصرّف الفضلات، كما يفتقر إلى الخصائص واسعة النطاق، المهمة لوظائف الكُلَى، مثل حلقات هنلي، وقنوات التجميع المرتَّبة بشكل شعاعي، التي من المفترض أن تُوجَد في منطقة النخاع التي تركز البول. فما زال الطريق طويلًا لتخليق كُلَى مفيدة إكلينيكيًّا يمكن زرعها، لكنْ بروتوكول تاكاساتو وزملائه يُعتبر خطوة قيِّمة في الاتجاه الصحيح.

ومع ذلك.. يمكن لهذه الأنسجة الكلوية أشباه العضيات أن تُلبي احتياجات طبية مختلفة، كإمكانية اختبار سلامة العقاقير على أنسجة الكُلَى البشرية، بدلًا من الحيوانات ضعيفة التنبؤ9؛ إذ تحتوي هذه الأنسجة على أنواع الخلايا الأكثر عُرضةً للتدمير بالأدوية، ويستطيع الباحثون أن يقدموا أدلة أولية لإثبات أنها قد دُمرت فعلًا بسبب سُمِّيات الكُلَى المعروفة. ومن المأمول أن يشكل تاكاساتو وزملاؤه مع علماء السموم فريقًا واحدًا؛ لإجراء دراسة شاملة حول قدرة نظامهم هذا على الفحص. ويمكن أن يكون ذلك بمثابة خطوة كبيرة نحو استبدال الحيوانات، وتحسين فحص سلامة الأدوية، وكذلك الحصول على كُلَى يمكن زرعها.

  1. Takasato, M. et al. Nature 526, 564–568 (2015).

  2. Carrel, A. & Burrows, M. J. Am. Med. Assoc. 55, 2057–2058 (1910).

  3. Unbekandt, M. & Davies, J. A. Kidney Int. 77, 407–416 (2010).

  4. Lusis, M., Li, J., Ineson, J., Christensen, M. E., Rice, A. & Little, M. H. Stem Cell Res. 5, 23–39 (2010).

  5. Lawrence, M. L., Chang, C. H. & Davies, J. A. Sci. Rep. 13, 9092 (2015).

  6. Rogers, S. A., Lowell, J. A., Hammerman, N. A. & Hammerman, M. R. Kidney Int. 54, 27–37 (1998).

  7. Takahashi, K. & Yamanaka, S. Cell 126, 663–676 (2006).

  8. Kim, D. & Dressler, G. R. J. Am. Soc. Nephrol. 16, 3527–3534 (2005).

  9. Fletcher, A. P. J. R. Soc. Med. 71, 693–696 (1978).