أنباء وآراء

حمض نووي ريبي غير مُشَفِّر: مضـاد حيـوي يخـدع مفتـاحًا جزيئيـًّا

كشَف مسح أُجري على المركّبات التي تعرقل أحد مسارات التخليق الحيوي في البكتيريا عن مضاد حيوي رئيس، يستهدف مفتاحًا جزيئيًّا في بنية حمض نووي ريبي مُنظّم في المُمْرض، ومن ثم يعوق نموه.

توماس هيرمان
  • Published online:

تمثِّل أعمال سلمان واكسمان ـ أخصائي الكيمياء الحيوية والأحياء المجهرية ـ بداية العصر الذهبي لاكتشافات المضادات الحيوية، الذي امتد من عام 1940، حتى عام 1960. صاغ واكسمان مصطلح "مضاد حيوي"، وكان أول مَن استخدم المسح المنهجي؛ لاكتشاف المضادات البكتيرية الرئيسة1. وقد أثمرت الجهود التي بذلها في مختبره عن أكثر من 20 مضادًّ حيويًّا طبيعيًّا، أبرزها الستربتومايسين في عام 1943، وهو أول علاج فعال لمرض السل2. وبفضل هذا الاكتشاف، حصل واكسمان على جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب لعام 1952. كما استرعت بحوثه انتباه علماء شركة الأدوية الأمريكية "ميرك" Merck، وساعد التعاون اللاحق بينهم على تطوير الستربتومايسين للاستخدام الطبي. والآن، يقدم هاو وزملاؤه3، العاملون حاليًّا بالمختبرات البحثية في الشركة، مضادًّا حيويًّا رئيسًا جديدًا، تم اكتشافه باستخدام عملية تطوير محنكة لنهج مسح يعتمد على النمط الظاهري، كان واكسمان هو مَن طرحه.

وبعد مرور سبعة عقود على أبحاث واكسمان، تضاءل فيض المضادات الحيوية طبيعية المنشأ.. ولأسباب مختلفة4، بقي عدد قليل فقط من الشركات نشطًا في هذا المجال، برغم الحاجة الطبية الملحّة إلى عوامل جديدة في مواجهة زيادة مقاومة المضادات الحيوية المتاحة5. وبذلك، فإن توصل هاو وزملائه إلى هدف دوائي جديد - متمثل في حمض نووي ريبي غير مُشَفِّر (ncRNA)، يوجد في البكتيريا - يعد نقطة مضيئة.

تتضمن عملية المسح المعتمدة على النمط الظاهري إدخال مركّبات اختبار في المزارع البكتيرية ومراقبة التغيرات الطارئة على خصائص الخلايا (تحديدًا نمطها الظاهري). ومنذ زمن واكسمان، كانت أبسط عملية مسح ظاهري للنشاط المضاد للبكتيريا تتمحور حول البحث عما يثبط النمو، إذ إن موت الخلايا هو النمط الظاهري الأعنف، والأسهل في القياس. لذا.. وضع هاو وزملاؤه طريقة مسح أكثر دقة، تستجوب إحدى المسارات الأيضية البكتيرية.. فخلافًا للبشر، تستطيع البكتيريا تخليق الأيض المسمى "ريبوفلافين" - أو "فيتامين ب2" - وهو المادة التي تنشأ منها العوامل المساعدة المطلوبة في العديد من التفاعلات الإنزيمية (أبرزها الفلافين وحيد النوكليوتيد (FMN)). وتصبح الجينات المسؤولة عن عملية تخليق هذا الأيض ضرورية، حين لا تتمكن البكتيريا من الحصول عليه من بيئتها المحيطة. وبذلك.. افترض الباحثون أن المركّبات المضادة للبكتيريا، التي يمكن عكس تأثيرها المثبط للنمو عن طريق إضافة الريبوفلافين إلى المزارع البكتيرية ستُرشّح كمثبطات لمسار التخليق الحيوي للريبوفلافين (الشكل1- أ). ومن ثم اختبروا نحو 57,000 جزيء صغير اصطناعي، حتى توصلوا إلى جزيء الريبوسيل (ribocil)، الذي يقتل البكتيريا عن طريق الإعاقة الانتقائية لعملية التخليق الحيوي تلك.

أ، تَستعمل البكتيريا مسارًا أيضيًّا لتصنيع الريبوفلافين، وهو جزيء يشارك في كثير من التفاعلات الإنزيمية، حين لا يكون متاحًا في البيئة المحيطة. بحَث هاو وزملاؤه3 عن مثبطات لهذا المسار عن طريق تحديد مركبات يمكن إضعاف نشاطها المضاد للبكتيريا من خلال إضافة الريبوفلافين. ب، كشف المسح عن الجزيء الاصطناعي "ريبوسيل" ribocil كمثبط انتقائي لعملية التصنيع الحيوي للريبوفلافين. ويذكر الباحثون أن الريبوسيل يرتبط بجزء تنظيمي - يُسمى "مفتاح ريبي" - في منطقة غير مُشفِّرة من الحمض النووي الريبي المرسل، الذي يرمِّز إنزيم سينثيز المشارك في تصنيع الريبوفلافين. ويرتبط المفتاح الريبي عادةً بالفلافين وحيد النوكليوتيد (FMN)، وهو بمثابة أيضي يصنع من الريبوفلافين؛ إذ يحفز هذا الارتباط تغير بنيوي في المفتاح الريبي، يمنع التعبير عن إنزيم سينثيز، وبالتالي يوقف تصنيع المزيد من الريبوفلافين عند توفر كمية كافية من الفلافين وحيد النوكليوتيد. ج، برغم اختلافه البنيوي الكبير عن الفلافين وحيد النوكليوتيد، يرتبط الريبوسيل أيضًا بهذه المنطقة، خادعًا المفتاح، ليوقف تصنيع الريبوفلافين، وليحرم البكتيريا من هذا الأيضي الأساسي الذي تحتاجه.

كبر الصورة


ولتأكيد صحة آلية عمل الريبوسيل المقترحة، أظهر هاو وزملاؤه أن الريبوفلافين قد استُنفِد من البكتيريا المعالجة بالمركّب. ففي الفئران المصابة ببكتيريا مُمْرضة، أدى العلاج بالريبوسيل إلى إنقاص تركيز البكتيريا بأكثر من 1,000 ضعف.. وكانت تلك بداية واعدة.

ومن ثم، تابع الفريق العمل نحو تحديد الهدف الجزيئي للريبوسيل عن طريق عزل المستنسخات البكتيرية التي صارت مقاوِمة له أثناء تعرضها طويل الأمد لتركيزات تحت المميتة، وكذلك وضع تسلسل الجينوم الخاص بها. وهنا تحول ما بدا في البداية وكأنه عملية روتينية عادية إلى أمر مثير، حين وُجد أن البكتيريا المقاومة بها طفرات في امتداد غير مُشفِّر من الجينوم، ما يوحي بأن الريبوسيل يعرقل إحدى آليات تنظيم الجينات، بدلًا من تثبيط بروتين معين. وأدى المزيد من الاستقصاء لموقع هجوم الريبوسيل إلى توصل الباحثين إلى كونه يقع في جزء عالي التنظيم في الحمض النووي الريبي غير المُشَفِّر (ncRNA)، باعتباره مصدرًا للأحداث المتتالية التي تشير إلى موقع بداية عملية الترجمة في الحمض النووي الريبي المرسل (mRNA)، المرمِّز لإحدى إنزيمات سينثيز الرئيسة في مسار التخليق الحيوي للريبوفلافين.

وقد اتضح أن هذا الجزء المرتبط بالريبوسيل يرتبط بالفلافين وحيد النوكليوتيد في الحالات العادية، وأن الموقع بمثابة "مفتاح ريبي" (وهو المصطلح المستخدم لمناطق الحمض النووي الريبي التي تغير بنيتها حين ترتبط بها ربيطة ما)، (الشكل 1-ب). وعملية ربط الفلافين وحيد النوكليوتيد بالمفتاح الريبي تثبته في شكل معين يمنع وصول آليات النسخ والترجمة، ما يعوق التعبير عن إنزيم سينثيز. ولذا.. توفر هذه الآلية وسيلة للبكتيريا للحدّ من إنتاج المزيد من الريبوفلافين، وبالتبعية الريبوفلافين وحيد النوكليوتيد، عند توفر كميات كافية من العامل المساعد. ومن خلال الارتباط بالموقع نفسه، يخدع الريبوسيل المفتاح الريبي ليستجيب، معرقلًا إنتاج الريبوفلافين، ومجرِّدًا البكتيريا من ناتج الأيض الأساسي الذي تحتاجه.

وبهذا الدليل المثير، استخدم الباحثون عملية تصوير البلورات بالأشعة السينية لالتقاط صورة خاطفة للريبوسيل أثناء ارتباطه بالمفتاح الريبي.. فمثل تلك المعلومات البنيوية تسهم في تحسين النشاط المضاد للبكتيريا الخاص بمشتقات الريبوسيل، من أجل استخداماتها الإكلينيكية المحتملة.

تلك الآلية التي تحاكي ربيطة طبيعية لمفتاح ريبي لم تظهر مع أي من المركبات الأخرى المضادة للبكتيريا. وهكذا فإن الدراسة تُظهِر بشكل قاطع مزايا عملية مسح النمط الظاهري التي تسمح باختبار كافة مكونات إحدى المسارات، من بروتينات وأحماض نووية، في الوقت نفسه، ودون تحيز. وبرغم أن المفاتيح الريبية تُعد أهدافًا واضحة لاكتشاف مضادات البكتيريا6، تمكن هاو وزملاؤه للمرة الأولى من تحديد جزيء رابط للمفتاح الريبي، لا تقترب بنيته في الشبه من ربيطة أيضية، ما يحسّن من احتمالات عدم وجود تأثيرات للريبوسيل على المسارات الأخرى التي تتضمن الريبوفلافين والفلافين وحيد النوكليوتيد - بعيدًا عن هدفه - وهو ما ألمح الباحثون إليه بالفعل حين ذكروا أن حتى جرعات المركب العالية لم تكن سامة في الفئران.

من منظور أوسع، يُعتبر بحث هاو وزملائه بيِّنة مدهشة على أن المناطق الهيكلية في الحمض النووي الريبي غير المُشَفِّر قد تعمل كأهداف للأدوية الاصطناعية، إذ إن أجزاء الحمض النووي الريبي غير المُشَفِّر قد تم استغلالها كهدف دوائي عدة مرات فقط من قبل؛ أحدها كان جزءًا في فيروس التهاب الكبد "سي"، مربوطًا بواسطة مثبطات اصطناعية لعملية تصنيع البروتين الفيروسي7، إلا أن العديد من المضادات الحيوية الطبيعية8 يعمل عن طريق التدخل في عملية تصنيع البروتين، وذلك من خلال استهداف مكونات الحمض النووي الريبي المُشفِّر في الريبوسوم البكتيري، وهي الآلة الخلوية التي تنتج جميع البروتينات.

وبافتراض أن هناك حكمة في استهداف الحمض النووي الريبي غير المُشفِّر في الريبوسوم، من التفاؤل أن نفترض أن الأعداد الكبيرة المكتشَفة حديثًا من هذا الحمض النووي في جينوم البكتيريا والكائنات الأكثر تعقيدًا ستقدم إضافة ثرية لمجموعة من الأهداف العلاجية الممكنة9,10. أما بالنسبة إلى المشككين، فقد يخفف عمل هاو وزملائه من شكوكهم حيال الأمر.. كما نأمل أن يكون الأطباء المحتاجون بشدة إلى مضادات حيوية بديلة من أوائل مَن يجنون ثمار ظهور الحمض النووي الريبي كهدف دوائي.

  1. Waksman, S. A. Mycologia 39, 565–569 (1947).

  2. Waksman, S. A. Science 118, 259–266 (1953).

  3. Howe, J. A. et al. Nature 526, 672–677 (2015).

  4. Infectious Diseases Society of America. Bad Bugs, No Drugs (IDSA, 2004).

  5. World Health Organization. Antimicrobial Resistance: Global Report on Surveillance (WHO, 2014).

  6. Matzner, D. & Mayer, G. J. Med. Chem. 58, 3275–3286 (2015).

  7. Dibrov, S. M. et al. J. Med. Chem. 57, 1694–1707 (2014).

  8. McCoy, L. S., Xie, Y. & Tor, Y. Wiley Interdisc. Rev. RNA 2, 209–232 (2011).

  9. Morris, K. V. & Mattick, J. S. Nature Rev. Genet. 15, 423–437 (2014).

  10. Taft, R. J., Pang, K. C., Mercer, T. R., Dinger, M. & Mattick, J. S. J. Pathol. 220, 126–139 (2010).