رؤية كونية

يجب على الصين العمل بحسم، لاقتلاع تجارة العاج من جذورها

يؤدي الاحتفاظ بمخزون كبير من العاج الشرعي الخام في الصين إلى إعاقة تنفيذها لوعودها بإنقاذ الأفيال، حسب قول لي زانج.

لي زانج بروفيسور
  • Published online:

حققت محاربة الاتجار غير الشرعي في العاج بعض النجاح في شهر أكتوبر الماضي، حيث اُلقِيَ القبض على سيدة صينية، زُعِمَ أنها هرَّبت ما يزيد على 700 من أنياب الأفيال من تنزانيا. فلطالما كان يتمتع العاج بقيمة خاصة في الصين، حيث كان يُنحت في صورة قطع فنية مزخرفة، وعصيّ تناول الطعام، وحليّ، وذلك على مدار ما يزيد على 3,000 عام.

هذه الواقعة ـ بالإضافة إلى العديد من مثيلاتها ـ تضع الحكومة الصينية في موقف حرج، فلقد تعهدت الصين رسميًّا بالمساعدة على منع القتل غير الشرعي للأفيال، كما أنها اتخذت إجراءات فعلية لمنع الاستيراد غير الشرعي للعاج. وعلى الرغم من ذلك.. صنفت وزارة الثقافة الصينية في عام 2006 نحت العاج كموروث معنوي ثقافي قومي، وبذلك فإن الحكومة تستمر في دعم بيع العاج (الشرعي) محليًّا، وتستمر في شراء مخزونات عالمية من العاج المُصادَر من آن إلى آخر، وبيعه لنحّاتي العاج. وجدير بالذكر أنه يوجد في الصين 34 مُصَنِّع عاج رسميًّا، بالإضافة إلى 130 تاجرًا يبيعون أطنانًا من منتجات العاج إلى المشترين كل عام.

وقد بررت الحكومة الصينية ذلك بأن هناك عددًا كافيًا من الأفيال في أفريقيا لدعم التجارة المستدامة المنظمة الشرعية بما يلبِّي الطلب عليها، ومن ثم فالسوق الصيني المحلي لا يؤدي إلى الصيد الجائر غير المشروع. كما استحدثت لوائح تشترط تسجيل كل منتج من منتجات العاج وبيعه بشهادة توضح أن مصدرَ هذا المنتَج معترَف به. ومن ثم، فإن صناعة العاج ـ إضافة إلى استنادها إلى الدعم الرسمي ـ تروِّج لمنتجاتها بين الناس على أنها استثمار مالي رشيد، حتى إن الصين في عام 2009 ـ بعد مرورها بإجراءات موافقة مثيرة للجدل مع "اتفاقية الاتجار الدولي بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهدَّدة بالانقراض" CITES ـ استوردت 62 طنًّا من العاج من دول بمنطقة جنوب أفريقيا.

تعــود مكانــة وقيــمـة العـــــــاج إلى قــــــرون عديدة مضت.

تكمن مشكلة هذا النهج في أن السوق الشرعي يشجع على الصيد غير المشروع، والاستمرار في عرض العاج غير الشرعي في السوق، حيث تشير الدراسات التي أُجريت في الصين إلى أن حوالي ثلث المتاجر المرخَّص لها بيع العاج لا تزال تبيع العاج غير الشرعي، وأن عشرات التجار غير المرخصين ما زالوا يعملون في هذه التجارة. كما تؤكد سجلات وفيات الحيوانات وحالات ضبط العاج غير الشرعي استمرار نمو هذه السوق السوداء، حيث يتم صيد عشرات الآلاف من الأفيال كل عام صيدًا غير مشروع، ويُهرَّب الكثير من العاج الذي يحصلون عليه من هذا الصيد إلى الصين وجنوب شرق آسيا، حتى إن السلطات سحقت في بكين في مايو الماضي ما يزيد على نصف طن من العاج المُهرَّب، كما دمَّرت أكثر من ستة أطنان في جوانجدونج في يناير 2014.

وصرَّحت الحكومة الصينية عندما طحنت العاج في مايو الماضي بأنها أرادت أن تفعل شيئًا أكثر من ذلك؛ لحماية الأفيال، وتعهدت بأن تنهي تجارة العاج المحلية الشرعية بالتدريج. كما زاد الرئيس الصيني شي جين بينج على ذلك بأن أبرم أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة في الشهر الماضي اتفاقية، مِن شأنها أن تخطو بالصين خطى محددة، "وفقًا لجدول زمني معين"، بهدف إغلاق هذا السوق المحلي نهائيًّا. ويبدو أن الرأي العام الصيني يدعم هذا الحظر التام لبيع العاج، ولكن يجب أيضًا معالجة أمر المخزون الشرعي الموجود لدى الشركات الصينية بطريقة ما، حيث يُقدر ذلك المخزون بحوالي 40 طنًّا من العاج الخام، والمنتجات غير كاملة الصنع، وذلك منذ صفقة عام 2009.

رغم ذلك.. فالقانون الصيني الذي يهدف إلى حماية اقتصاد السوق الجديد لا يسمح بإغلاق أماكن عمل المصنِّعين والمورِّدين المسجَّلين، ولذلك.. يجب السعي ـ عوضًا عن ذلك ـ وراء إلغاء تجارة العاج. وأبسط طريقة للقيام بهذا الإجراء ـ ويجب على الحكومة أن تدرسها ـ هي أن تشتري الحكومة كل المخزون التجاري القانوني من العاج، وفقًا لبرنامج شراء جبري، ثم تسلِّم بعد ذلك هذا المخزون إلى المتاحف بالطريقة الملائمة. ولا يُسمح بعد هذه الخطوة بأي نوع من أنواع تجارة العاج، بحيث يكون أي منتَج موجود في السوق من منتجات العاج منتَجًا غير شرعي. وهذه الطريقة ستجعل تطبيق القانون أكثر سهولة وفعالية، بل وأكثر توفيرًا للمال. كما سيُتاح بذلك عرْض المنحوتات المصنوعة من العاج في المتاحف كثروة قومية، كما يمكن أن تُستخدَم في المدارس أيضًا؛ لتثقيف الأطفال، وتعريفهم بالموروثات الصينية، وبالحاجة إلى الحفاظ عليها.

السؤال الآن: كم ستتكلف هذه الخطوة؟ في عام 2009، كان سعر شراء الكيلوجرام من مخزون العاج الشرعي 1,350 دولارًا أمريكيًّا، وإذا أضفنا مقابل تكلفة تخزين هذا المخزون، والحفاظ عليه منذ ذلك الحين، يكون مبلغ 2,100 دولار لكل كيلوجرام سعرًا معقولًا، ومن ثم سيتكلف شراء العاج الخام حوالي 84 مليون دولار أمريكي. ووفقًا لأسعار السوق الحالية، سيُضاف حوالي 500 مليون دولار لشراء المنتجات المصنعة منه.

تبدو التكلفة الإجمالية مرتفعة، ولكن الصين تنفق مليارات الدولارات بصورة منتظمة على ما تُطلِق عليه التعويض البيئي، حيث تدفع أموالًا للفلاحين، ومالكي الأراضي؛ كي يحولوا الأراضي الزراعية الحدية إلى غابات أو مروج (برنامج "Grain for Green")، كما تحصل المحليّات على تمويل حكومي للحفاظ على النظام البيئي. وتشير بعض التقديرات إلى أن الصين أنفقت 100 مليار دولار على مثل هذه المشروعات، وبذلك نجد أن مبلغ 600 مليون دولار المطلوب لمنع طلب العاج في السوق يمثل نسبة صغيرة من المبالغ التي يمكن للدولة أن تنفقها في هذا الصدد. كما أن هناك طرقًا لتقليل هذه التكلفة إذا كانت هناك حاجة إلى ذلك، حيث يمكن استخدام جزء من الأموال في تدريب المصنِّعين الذين يعملون لدى الحكومة في مجال نحت العاج؛ لإنتاج منتجات أخرى.

في إطار الاتفاقية الرئاسية المبرَمة في شهر أكتوبر الماضي بين الصين والولايات المتحدة، صرحت الأخيرة (وهي ثاني أكبر سوق للعاج غير الشرعي بعد الصين) بأنها ستضيِّق من القيود التي وضعتها على استيراد منتجات الأفيال، بما في ذلك تذكارات الصيد. وجدير بالذكر أن مكانة وقيمة العاج ترتكز على تاريخ يعود إلى قرون طويلة، حتى إنّ جوزيف كونراد قال في روايته "قلب الظلام" Heart of Darkness: "كان يمكنك أن تتنسم كلمة ’عاج‘ في الهواء، وتسمعها كترنيمة، وكهمسة، حتى إنك قد تظن أنهم يُصَلُّون لها". وذلك يوضح لنا أنه لن يكون من السهل فصْل هذه القيمة الثقافية عن القيمة المالية. وحيث إن هدفنا هو إنقاذ الأفيال، فعلينا أن نحاول.