أنباء وآراء

علم المواد: قطرات تتقافز في نشاط

ما الذي يمكن أن يدفع قطرة من الماء لأنْ تتقافز على سطح ما؟ يبدو أن التبخر، ووجود سطح شديد الكره للماء ـ مجتمِعَين ـ يسببان ذلك، مع انخفاض مستوى ضغط المحيط الجوي.

  • دوريس فولمر
  • هانز-يورجن بات
  • Published online:

يشير شوتزيوس وزملاؤه1 إلى ظاهرة غريبة، تفيد بأنه في مستويات الضغط المنخفضة، تقوم قطرات الماء الموضوعة على سطح شديد الكراهية لها بالقفز والارتداد تلقائيًّا. وأحيانًا، يزداد ارتفاع الارتداد في كل مرة بشكل يشبه قفز لاعبة جمباز على الترامبولين. إن هذه النتائج تعزز من فهْمنا للآلية التي يمنع بها التفاعل بين القطرات والأسطح تراكم المياه، أو الثلج عليها.

يُعتبر تراكم الثلج على الأسطح مشكلة كبيرة في المناطق الباردة، خاصة بالنسبة إلى مجالات الطيران والشحن والصناعات البحرية2. وتشمل استراتيجيات تقليل التصاق الثلج استخدام أسطح ملساء، أو أسطح شديدة الكراهية للماء، إذ إن الأخيرة تغطيها نتوءات صغيرة، لها طاقة بينية منخفضة، تقلل من استقطابها للسوائل.

يشير شوتزيوس وزملاؤه1 إلى أنه عند مستويات ضغط المحيط الجوي المنخفضة، يمكن لقطرات الماء أو الثلج الموضوعة على الأسطح شديدة الكره للماء (المغطاة بنتوءات ميكرومترية كارهة للماء) أن تتقافز وترتد تلقائيًّا. وافترض الباحثون أنه حين تتلامس القطرة مع السطح، تتسرب جزيئات بخار الماء الآتية من القطرة بشكل أبطأ بكثير من الفراغ الموجود تحت الوجه السفلي للقطرة، مقارنة بتسرُّبها من أي مكان آخر. وعندها يعلو مستوى الضغط في هذا الفراغ عن مستويات ضغط المحيط الجوي؛ ما يتسبب في نشوء قوى ترفع القطرة لأعلى (في اتجاه الأسهم). (الصورة مقتبسة من المرجع 9).

كبر الصورة


تسكن قطرة الماء أو الثلج فوق تلك النتوءات، بحيث تفصل طبقة رقيقة من الهواء3 بين الجزء الأكبر من الوجه السفلي للقطرة، وبين الطبقة المغطية للسطح (الشكل 1)، وتضمن منطقة التلامس الصغيرة بين الماء أو الثلج والنتوءات قدرًا منخفضًا من الالتصاق، إلا أنه يُعتبر قويًّا بما يكفي لإبقاء الثلج في مكانه. ونظرًا إلى ازدياد سعة الماء أثناء التجمد، يمكن لقطرات الماء المجمد أن تتمدد في الفراغات بين النتوءات؛ ما يزيد من مساحة التلامس، وقَدْر التصاق الثلج.

إذًا، كيف يمكن لمستويات الضغط المنخفضة أن تتسبب في بدء تقافز قطرات الماء على سطح شديد الكراهية لها؟ اقترح شوتزيوس وزملاؤه تأثيرين، يجب أخذهما في الاعتبار، للرد على هذا السؤال.. الأول، كما ذُكر أعلاه، أن السطح يخفض من التصاق القطرات، وهو ما اتضح أنه يسبب تقافزها حين تندمج قطرتان معًا؛ إذ يمكن لطاقة سطح القطرة ـ التي تُطْلِقها عملية الاندماج تلك4 ـ أن تتغلب بسهولة على طاقة الالتصاق (تحدد طاقة السطح مدى اضطراب الروابط الناشئة بين الجزيئات في أي سائل مع تكوُّن الأسطح فيه). أما التأثير الثاني، فهو التبخر؛ فإن معدل تبخر الماء في الهواء الساكن يحدَّد بقُدْرة انتشار بخار الماء، كما يزيد خفض مستوى ضغط الغاز المحيط من قدر الانتشار؛ ما يؤدي إلى زيادة معدل التبخر.

وفي دراسة شوتزيوس وزملائه، تم ضخ الغاز وبخار الماء بسرعة إلى خارج حجيرة الاختبار، فتبقَّت طبقة رقيقة من بخار الماء في الفراغ بين الوجه السفلي للقطرات، وبين الطبقة المغطية للسطح فقط، إذ إن تسرب بخار الماء من هذه المنطقة ضعيف. ولذلك.. ينشأ ضغط زائد في الفراغ، أي أنه يصبح أعلى من مستوى ضغط المحيط الجوي.

لذا.. يرى المؤلفون أن القطرة تتقافز فور زيادة القوة الناتجة عن الضغط الزائد على القطرة عن قوى الجاذبية والالتصاق، إلا أن قوى الجاذبية المطبقة على القطرات التي يبلغ قطرها ملِّيمترًا واحدًا تقل عن قوة الالتصاق بنحو عشر مرات؛ وهكذا يتطلب الأمر نسبة أقل من %10 من الضغط الزائد الكلي اللازم لإحداث التقافز؛ للتغلب على الجاذبية، لكن بطبيعة الحال، لا بد من وجود الجاذبية، كي تسقط القطرة مرة أخرى على السطح.

وحين ترتد القطرات إلى السطح، فإنها تنتشر، وتتحول طاقتها الحركية إلى طاقة سطحية. يعقب هذا الانتشار حدوث انكماش في القطرات لأنْ تصبح شبه كروية، بينما تتحول طاقة السطح مرة أخرى إلى طاقة حركية، وترتد القطرة إلى أعلى ثانيةً. وبالنسبة إلى القطرات المليمترية، يستغرق الانتشار والانكماش عدة أجزاء من ألف جزء من الثانية5,6.

وبحساب سعة بخار الماء الذي يمكن أن يمر من خلال الفراغ بين الوجه السفلي من القطرة والطبقة المغطية للسطح في كل وحدة زمنية، أظهر المؤلفون أن الضغط الزائد ينشأ تحت القطرات بشكل أسرع من الزمن النموذجي لتلامس القطرة مع السطح بحوالي عشر مرات. ويولد الضغط الزائد قوة رافعة للقطرة، تضاف إلى القوة الناتجة عن تحول طاقة السطح إلى طاقة حركية أثناء الانكماش.. ومن ثم، يمكن لهذه القوة الإضافية أن تزيد من الارتفاع الارتدادي للقطرة، حتى تبلغ الارتفاع الأقصى بعد عدة قفزات.

وفي مستويات ضغط المحيط الجوي المنخفضة بما يكفي، يمكن أن تنخفض درجة الحرارة داخل قطرة الماء إلى ما دون درجة تجمُّدها، نتيجةً للتبريد الناتج عن عملية التبخر7. ويشير شوتزيوس وزملاؤه إلى أن التقافز يمكن أن يُحَفَّز أيضًا عن طريق تجميد قطرات الماء تلك المبردة بشكل مفرط، حيث يتسبب إطلاق الحرارة الكامنة عن طريق التجميد في ارتفاع مفاجئ لمستوى الضغط، وعندها تقفز القطرة بعيدًا عن الطبقة المغطية للسطح.

تسمى ظاهرة تقافز القطرات "لايدنفروست" (Leidenfrost)، ويمكن ملاحظتها مع انسكاب ماء على مقلاة ساخنة.. فإن اقتراب قطرات أي سائل من سطح صلب ساخن يؤدي إلى نشوء طبقة من البخار تحت القطرات، يَحُول دون حدوث تلامس فعلي مباشر بين السائل والسطح. ونموذجيًّا، تبدأ القطرة على الفور بالتأرجح والدوران، إلا أنه يمكن تعديل توقيت حدوث تلك العملية بدقة، عن طريق ضبط التوقيت الذي يتم عنده تنفيس ضغط المنظومة. كما ينتج تأثير "لايدنفروست" أيضًا من الفرق المُحدث في درجات الحرارة بين القطرة والسطح، في حين يحدث التقافز بسبب فَرْق في مستويات الضغط، تولِّده القطرة ذاتها. ونموذجيًّا أيضًا، يتحكم القصور الذاتي وعملية تبدُّد اللزوجة (أي تحويل طاقة سطح السائل وطاقته الحركية إلى طاقة داخلية) في ارتداد القطرات من على السطح شديد الكره للماء، إلا أن عملية التقافز تحدث بسبب قوة تتزايد بانتظام، تعمل على السطح السفلي من القطرة.

تعمل قوة أخرى أيضًا على السطح السفلي للقطرة أثناء الارتداد والهبوط المسطح8، وهي ظاهرة تحدث حين تصطدم القطرات مع الأسطح شديدة الكره للماء، المصنوعة من مجموعة من النتوءات المدببة التي تفصلها مسافات تبلغ أجزاء من المليمتر. وأثناء الهبوط المسطح، تخترق القطرات التي تضرب السطح مجموعة النتوءات، بينما تنتقل الطاقة الحركية إلى طاقة بينية. ومن ثم، تتحرك القطرات إلى أعلى ـ إلى خارج مجموعة النتوءات ـ بحركة شعرية، بينما تتحول الطاقة البينية مرة أخرى إلى طاقة حركية؛ وعندئذ، تقفز القطرات بعيدًا عن السطح بشكل مسطح تمامًا.

تقوم عمليتا التقافز والارتداد المسطح بخفض زمن تلامس القطرات المرتدة، مقارنةً بعملية الارتداد التي تحدث على سطح عادي6. وخلافًا للارتداد المسطح، من المتوقع أن يحدث التقافز مع مجموعة عريضة ومتنوعة من الأسطح، طالما بقي الفراغ تحت القطرة رقيقًا (بحيث يكون أصغر من قطر القطرة الواحدة بمئة مرة على الأقل، عند مستوى ضغط حوالي 0.05 بار). أما إذا كان الفراغ كبيرًا جدًّا، فسيتسرب بخار الماء بسرعة كبيرة، لا تسمح له بإحداث تأثير.. كما أن الضغط الزائد في السطح الخشن لن يكون عاليًا بما يكفي.

ورغم أن ملاحظات شوتزيوس وزملائه تبدو مدهشة، إلا أن تخفيض ضغط المحيط الجوي ليس أسلوبًا عمليًّا لمنع تراكم الجليد في المناطق الخارجية. وحتى بالنسبة إلى المناطق الأصغر، تُستهلك الكثير من الطاقة لتخفيض ضغط المحيط الجوي. وإضافةً إلى ذلك.. يؤدي التبخر إلى أن تصبح القطرات صغيرة جدًّا، بحيث تتوقف عن الحركة.. برغم أن الارتداد لم يستمر إلى ما لا نهاية في أيٍّ من التجارب الأخرى الخاصة باصطدام القطرات.

ومع ذلك.. بَيَّن المؤلفون بوضوح أنه بإمكان التجارب البسيطة أن تسفر عن نتائج مثيرة للدهشة. ويُعتبر تطبيق الضغط السالب على نظامٍ ما هو الطريقة الأكثر شيوعًا لتحسين التبخر، وغالبًا ما تُستخدم في المختبرات الكيميائية، والتقنية. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: مَنْ كان يتصور أنْ تَنْتُج عن القطرات تلك الديناميكة المذهلة؟

  1. Schutzius, T. M. et al. Nature 527, 82–85 (2015).

  2. Lv, J., Song, Y., Jiang, L. & Wang, J. ACS Nano 8, 3152–3169 (2014).

  3. Bormashenko, E. Yu. Wetting of Real Surfaces (De Gruyter, 2013).

  4. Boreyko, J. B. & Chen, C.-H. Phys. Rev. Lett. 103, 184501 (2009).

  5. Richard, D., Clanet, C. & Quéré, D. Nature 417, 811 (2002).

  6. Bird, J. C., Dhiman, R., Kwon, H.-M. & Varanasi, K. K. Nature 503, 385–388 (2013).

  7. Jung, S., Tiwari, M. K. & Poulikakos, D. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 16073–16078 (2012).

  8. Liu, Y. et al. Nature Phys. 10, 515–519 (2014).

  9. Butt, H.-J. et al. Curr. Opin. Colloid Interface Sci. 19, 343–354 (2014).