أنباء وآراء

الاستدامة: أستراليا على مفترق الطرق

دراسة نمذجة تناقش كيف يمكن لتغير شامل بالسياسات أن يحد من التلوث البيئي في أستراليا، مع المحافظة على مسار نمو اقتصادي معتمِد بكثافة على استهلاك المواد، بالإضافة إلى عرض مسارات بديلة، تستحق الأخذ بعين الاعتبار.

  • بنجامين إل. بوديرسكي
  • ألكسندر بوب
  • Published online:

على اتساع مساحة أستراليا، وما تحويه من أراض ومساحات شاسعة من الطبيعة التي لم تمسها الأيدي، فإن حصة الفرد من الأراضي التي يمكن استخدامها تُعَدّ الأكبر في العالم. وبما أن أستراليا مصدر أساسي للمنتجات الزراعية، والفحم، وغيرها من السلع ذات الانبعاثات الكثيفة؛ فهناك قلق شديد حيال نتيجة الالتزام بأيٍّ من الاتفاقات المناخية، خشية أن يؤذي ذلك اقتصاد البلد. ففي عام 2014، قامت حكومة المحافظين ـ التي كان يرأسها حينها توني أبوت ـ باستبدال سياسة ضريبة الكربون بتقليص الدعم غير الفعّال1. أطيح بأبوت عن قيادة الحزب في سبتمبر 2015، وكان خلَفه مالكوم تيرنبل مؤيِّدًا قويًّا لبرنامج تجارة الكربون، إلا أنه من غير المؤكد ما إذا كانت ستُطبَّق إصلاحات السياسات البيئية في عهده، أم لا.

يناقش هاتفيلد-دودز وزملاؤه2 إمكانية التزام أستراليا بصناعات المواد الكثيفة، مع استمتاعها بنمو اقتصادي عالٍ ومستمر، وفي الوقت ذاته تخفض من تأثيرها الصناعي على المناخ والماء والتنوع البيئي. يوضح المؤلفون أنه من الممكن تخفيف انبعاثات الاحتباس الحراري عبر تحسين فعالية مراحل الإنتاج، وربما بشكل أكبر عبر إزالة الكربون بواسطة زراعة الغابات (التحريج)، وبواسطة أَسْر الكربون وتخزينه. ويبقى التسعير الشامل للانبعاثات هو الإطار الأساسي في كل الأحوال.

يُعتبر تقييم هاتفيلد-دودز وزملائه حتى الآن أكثر التقييمات شمولاً، وهو يعتمد على بيانات التقرير3 الذي أعدّته منظمة الكومونولث للبحوث العلمية والصناعية في أستراليا. استخدم المؤلفون تسعة نماذج محاكاة مرتبطة؛ من أجل توقُّع أداء الاقتصاد الأسترالي في السوق العالمية، مع تركيز خاص على قطاعات الزراعة والطاقة والنقل، التي تشكل العبء البيئي الأكبر على الأرض والماء والمناخ. كان إطار النمذجة المستخدم قدوة تُحتذى في تذويب الفروق ما بين الديناميكيات على المستوى العالمي، والوطني، وما دون ذلك. ويمكن لهذا النهج في إجراء الدراسات أن يصبح نواة خصبة للتقييمات المستقبلية في المنطقة، بل يجب أن يكون كذلك.

أنتجت الدراسة 20 سيناريو (مخطَّطًا) لمستقبل أستراليا، استكشفت فيها التطورات المحلية المحتملة فيما يخص نمط الحياة، والتطورات السياسية والتقنية. وقد ضُمِّنَت جميع السيناريوهات في واحد من أربعة إعدادات للتغيرات العالمية، تتمايز فيما بينها بمسارات سكانية مختلفة، وباختلاف أسعار الكربون العالمية، لتقود إلى ارتفاع في الاحترار العالمي، مقداره 2، أو 3، أو 6 درجات مئوية فوق المستويات قبل الصناعية في عام 2100. ومن ثم، قدَّم المؤلفون في نماذجهم إسقاطات وفق كل سيناريو على معدلات تَبَنِّي التقنيات في قطاعات الطاقة، والنقل، والزراعة؛ من أجل الإنتاج والدخل والتجارة، ومن أجل المؤشرات البيئية، كاستخدام الماء، واستصلاح الأراضي، وانبعاثات الاحتباس الحراري.

تشير النتائج إلى أن إجمالي الإنتاج المحلي الأسترالي سيبلغ أكثر من الضعف بحلول عام 2050 في جميع السيناريوهات. رغم ذلك.. فبدون تسعير الكربون، فإن انبعاثات الاحتباس الحراري قد تزداد حتى %90 في الفترة ذاتها. وحتى إنْ فرضت ضريبة كربون مماثلة لتلك التي كانت مفروضة ما بين 2012 و2014، فمن المتوقع ارتفاع الانبعاثات من أستراليا بحوالي %25 بحلول عام 2050. يتطلب الامتثال لهدف حد الاحترار العالمي بمقدار درجتين مئويتين فرض ضرائب أعلى، وهو الأمر الذي أظهر هاتفيلد-دودز وزملاؤه إمكانية الوصول إليه في أستراليا بطريقة مقبولة من حيث الكلفة، عبر برامج واسعة النطاق لزراعة الغابات واستعادة الطبيعة في صورتها الأولى. وفي سوق الكربون العالمي، يمكن لبرامج اخضرار مماثلة أن تصبح صناعة تصدير ذات عوائد، عبر بيع اعتمادات الكربون.

تتماشى النتائج العامة لهذه التقديرات الأسترالية مع ما توصل إليه التقرير الخاص حول سيناريوهات الانبعاثات، الذي أصدرته اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ IPCC)4)، والذي خلص إلى أنّ بذل المجهود العالمي المباشر من أجل حد الاحترار إلى درجتين مئويتين بحلول عام 2100، إضافةً إلى التوافر الكامل للتقنيات الأساسية، يمكن أن يؤدي إلى فقدان في الاستهلاك العالمي بمقدار 2 - %6 (بمتوسط %3.4) بحلول 2050، و3 - %11 (بمتوسط %4.8) بحلول عام 2100، غير أن دراسة هاتفيلد-دودز وزملائه على المنطقة تبين أنه حتى في أستراليا، ومع كل اعتمادها المرتفع على الوقود الحفري، وعلى الصادرات الزراعية، ومع الحصة المرتفعة من الانبعاثات للفرد الواحد، فإنه ليس من داعٍ للقلق حيال كلفة زيادة التقليص، إذ إنها ستبقى أحد أكثر الإجراءات فعالية من حيث الكلفة.

أ، نموذج لسيناريو قدَّمه هاتفيلد – دودز وزملاؤه2 يقترح فيه قدرة أستراليا على أن تحافظ على نموها الاقتصادي، ونمط استهلاكها المكثف للمواد مع تحقيق خفض للتأثيرات البيئية. ينطوي هذا السيناريو على استمرار حرق الوقود الحفري، ولكن بالتزامن مع أَسْر الكربون وتخزينه. أما نظام النقل، فسيتحول إلى السيارات الكهربائية والهجينة. وسيتم التركيز على الزراعة، والتوسع في زراعة الغابات؛ من أجل فصل الكربون، بينما تسدي جهود الحفاظ على التنوع الحيوي، وإزالة أملاح ماء البحر خدمات للنظام البيئي. ب، نموذج بديل غير مصمَّم من قِبَل المؤلفين، يظهر فيه تغيُّر بنيوي نحو اقتصاد القوى العاملة والتكنولوجيا الكثيفة، مع أنماط حياة غير مادية، حيث سيتم الحصول على الطاقة من مصادر متجددة في ظل التوسع في استخدام وسائل النقل الجماعي. تتحول الزراعة تدريجيًّا من تربية المواشي المعتمدة على استهلاك الموارد والأعلاف بكثافة إلى أنشطة البستنة المتنوعة عالية القيمة، مع تضمين النظم الطبيعية والزراعية. وقد يكون هذا الطريق أكثر مرونة في حالة الفشل التكنولوجي، أو المؤسسي.

كبر الصورة


وعلى الرغم من إظهار الدراسة لإمكانية خفض أستراليا للانبعاثات، وتأثير ذلك بيئيًّا، مقارنة بالبقاء على أنماط إنتاج المواد الكثيفة والاستهلاك، فإن المؤلفين قيّموا مجموعة منتقاة من المسارات المحتملة فقط (الشكل 1). وبالنظر إلى الأدبيات التي تناولت سيناريوهات أستراليا المستقبلية4-6، تصف الاحتمالات المدروسة بواسطة هاتفيلد-دودز وزملائه مستقبلًا متفائلًا من حيث المؤسسات السياسية، والأداء التكنولوجي، وتتصور مجتمعًا منفتحًا على التجارة والهجرة مع نمط حياة مادي. كما تثمن الدراسة خدمات النظام البيئي، ولكن من منظور علاجي أكثر منه وقائي، يتجنب الدمار البيئي. ويمكن للتركيز على هذا النوع من السيناريوهات أنْ يغفل بعض المخاطر والفرص.

يكمن أحد هذه الأخطار في احتمال انخفاض أداء التكنولوجيا المستقبلية عما هو متوقع منها. على سبيل المثال.. يؤثر أداء تكنولوجيا أَسْر الكربون وتخزينه، والتحريج واسع النطاق بشكل كبير على كلفة التحديات والتقليص؛ من أجل الوصول إلى الأهداف المناخية الطموحة7. وفي عالَم يعتمد على نمو الموارد الكثيفة، فإن فشل خيارات التقليص يمكن أن يصعّد من الانحسار، أو يؤدي إلى جعل الأهداف المناخية غير قابلة للتحقيق.

قد يفشل المجتمع في تأسيس الإطار المؤسسي اللازم لاقتصاد المواد والطاقة الكثيفة ضمن النظم البيئية، حيث لا يتطلب هذا الإطار اتفاقًا دوليًّا مؤقتًا على تسعير الكربون عالميًّا فحسب، بل أيضًا تنظيم الكلف البيئية الأخرى غير المباشرة، التي لا تعكسها أسعار السوق، مثل استخدام المياه الجوفية، أو التلوث الغذائي. وتُظْهِر دراسة هاتفيلد-دودز وزملائه بوضوح أنه في غياب هذا الإطار المؤسسي، يمكن أن تظهر هذه المشكلات بسرعة، فعلى سبيل المثال.. يمكن للغابات سريعة النمو، المزروعة لعزل الكربون أن تؤدي إلى ندرة مائية شديدة في بعض المناطق. ومن الآثار الجانبية الأخرى المحتملة ازدياد استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة في حين يقلِّص التحريج المناطق المتوفرة للمحاصيل8، أو توزع النظم البيئية البحرية نتيجة التخلص من ملوحة المياه9.

تناقش الدراسة بشكل مقنع أن التغيرات في أنماط الحياة ـ مثل إنقاص ساعات العمل ـ ليست كافيةً لحل المشكلات البيئية، إلا أن تغييرات كهذه ستساعد في تخفيف الضغط على علاقة الماء – الطاقة – الغذاء – المناخ – التنوع الحيوي10، كما قد يقلل العواقب الوخيمة للفشل التكنولوجي، أو المؤسساتي. وحتى في ظل السيناريوهات ذات الحدود العليا، يتوقع هاتفيلد-دودز وزملاؤه أن حاجة الفرد الواحد للطاقة لن تنخفض دون المستويات الحالية، وأن الطلب العالمي على المنتجات الحيوانية سيتضاعف. وهنا، ربما استخفت الدراسة باحتمال وقوع تغيُّر سلوكي، وهو الأمر الذي سَلَّط عليه الضوء تقرير التقييم الخامس، الصادر عن اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ7.

تعزِّز هذه الدراسة اعتبار التسعير العالمي لانبعاثات الاحتباس الحراري أساسيًّا في تقليص التغيرات المناخية بشكل فعّال وكفؤ7، وهو ما يجب دعمه بتنظيمات عامة للتأثيرات الخارجية للبيئة؛ لتجنب الآثار غير المرغوب فيها. كما يمكن لإرساء الالتزام بالحدّ من الانبعاثات في المعاهدة العالمية للمناخ أن يحمي الاقتصاد الأسترالي من المنافسة غير العادلة، وأن يسمح بنمو مستمر.

وإضافة إلى ذلك.. ينبغي أن تحفز هذه الدراسة وغيرها من نتائج التقرير الأسترالي القومي3 النِّقَاش حول كيفية تشكيل مستقبل أستراليا. ويُعَدّ النمو المستمر للموارد الكثيفة أحد الطرق المحتملة، غير أنّه يحتاج مؤسسات قوية، تكبح الضغوط على النظم البيئية. ويمكن أن يكون تشكيل الاقتصاد بالتكنولوجيا والقوى العاملة عوضًا عن الطاقة والموارد طريقًا آخر يتيح تنظيمات أقل صرامة للحفاظ على الاقتصاد ضمن الحدود البيئية. ويمكن للتغيرات البنيوية اللازمة للاختيار الثاني أن تُستهل باستثمار عائدات ضرائب الكربون في التعليم والعلوم، وفي تأسيس أسواق للاستهلاك المرن للكهرباء، وبتوفير الدراجات والبِنَى التحتية للنقل الجماعي، وبتعزيز الحِمْيَات الصحية والمستدامة. وتبقى أستراليا حرةً في اختيار أيّ الطرق ستسلك.

  1. Schiermeier, Q. Nature 511, 392–392 (2014).

  2. Hatfield-Dodds, S. et al. Nature 527, 49–53 (2015).

  3. Hatfield-Dodds, S. et al. CSIRO Australian National Outlook: Living Standards, Resource Use, Environmental Performance and Economic Activity, 1970–2050; www.csiro.au/nationaloutlook (CSIRO, 2015).

  4. IPCC. Emissions Scenarios (eds Nakićenović, N. et al.) (Cambridge Univ. Press, 2000).

  5. Millennium Ecosystem Assessment. Ecosystems and Human Well-being: A Framework for Assessment (Island, 2003).

  6. O'Neill, B. C. et al. Glob. Environ. Change http://dx.doi.org/10.1016/j.gloenvcha.2015.01.004 (2015).

  7. IPCC. Climate Change 2014: Mitigation of Climate Change (eds Edenhofer, O. et al.) (Cambridge Univ. Press, 2014).

  8. Bodirsky, B. L. & Müller, C. Environ. Res. Lett. 9, 111005 (2014).

  9. Becker, N., Lavee, D. & Katz, D. J. Water Resource Protect. 2, 1042–1056 (2010).

  10. Smith, P. et al. Glob. Change Biol. 19, 2285–2302 (2013).