أخبار

برنامج حاسوبي يتنبَّأ بالبِنَى البلورية

نجح الكيميائيون في إنجاز مهمة صعبة للغاية، وهي التنبؤ بالكيفية التي سوف تتراصّ بها الجزئيات في الأبعاد الفراغية الثلاثة.

إليزابيث جيبني
  • Published online:

إذا ما رسمت بنية جزيء عضوي على سطح منديل ورقي، فقد يغيب عنك أن هناك ملايين الطرق التي يمكن أن تتراص بها مثل هذه الجزيئات في البنية البلّورية ثلاثية الأبعاد. وفي الوقت الحاضر، تمكَّن تحالف مكون من عشرات الكيميائيين ومبرمجي الحواسب من النجاح في التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد لخمسة جزيئات عضوية معقدة التركيب «ذات خواص شبيهة بالأدوية»، وذلك بدون أن يستخدموا سوى خريطة ثنائية الأبعاد، توضح ارتباط الذرات ببعضها البعض. هذا الإنجاز ـ الذي أُعلن عنه في يوم 27 أكتوبر الماضي في ورشة عمل في كمبريدج بالمملكة المتحدة ـ يمهَّد الطريق لبرنامج حاسوبي، سوف يتمكن من خفض تكلفة تصميم وتصنيع الأدوية والمنتجات الكيميائية الأخرى، كما أنه سوف يوسع من فهمنا لأساسيات الكيمياء.

تحدِّد البنية البلورية للجزيئات خواصها (انظر: «تحدي البلّورة»). ففي عام 1998، تعلمت شركة الأدوية الأمريكية «أبوت لابوراتوريز» Abbott Laboratories هذا الدرس بصورة قاسية، وذلك عندما اضطرت للتوقف عن إنتاج كبسولات عقار «ريتونافير»، الذي يُستخدم في علاج فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة؛ لأن هذا العقار بدأ في التحول إلى بنية بلّورية غير متوقعة أثناء عملية التصنيع. والبنية البلورية التي يتخذها الجزيء هي ـ في العادة ـ أقل البِنَى الممكنة طاقةً، غير أن التنبؤ بصيغة هذه البنية لأي جزيء يُعَدّ بمثابة «مهمة صعبة للغاية»، حسب تعبير كولن جروم، المدير التنفيذي لمركز كمبريدج للبيانات الخاصة بعلم البلّورات (CCDC).

وحتى عندما يتعرف الكيميائيون على صيغة ترابط الذرات، فإن الذرات لا تزال قادرة على الحركة في اتجاهات مختلفة، بسبب مقدرة الروابط بين ذرة وأخرى على الانحناء والدوران في اتجاهات لا تُحصى. ويمكن أن تتراص الذرات بعدد كبير من الطرق، حيث «يشبه الأمر البحث عن إبرة في كومة قش مهولة الحجم»، حسب تعبير أنتوني رايلي، عالم الكيمياء البنيوية في مركز CCDC.

كبر الصورة


ومنذ عام 1999، نظَّم مركز CCDC ست منافسات، تُعرف باسم: الاختبار الأعمى لطرق التنبؤ ببِنَى البلّورات العضوية. ولا ينظر منظمو هذه المسابقة إليها على أنها منافسة، نهايتها الفوز، أو الخسارة، بل على أنها مجهود تعاوني ضخم؛ لمقارنة نقاط قوة أحدث التقنيات. يقول جروم: «تمثل المجموعات المشارِكة تقريبًا كل مجتمع الباحثين العاملين على موضوع التنبؤ بالبِنَى البلورية، كما أن الطرق المستخدَمة هي أفضل ما تم التوصل إليه».

عادةً ما تستغرق هذه المسابقة ما يزيد على فترة عام كامل، كما أنها تطرح مسألتين رئيستين: أولًا، يتحتم أن تتوصل الفرق المتنافسة إلى قائمة بكل الصيغ الممكنة التي يمكن أن تنتظم بها الجزيئات في البلّورة. وتُجرِي فِرَق حسابات تقريبية لطاقة كل صيغة؛ لكي تتمكن من استبعاد بعضها، الأمر الذي يستغرق مئات الآلاف من ساعات عمل الحواسب؛ بينما تقوم مجموعات أخرى بالتخمين «وتوليد» صيغ فراغية معينة، عن طريق التكرار؛ بغرض الوصول إلى الهيئات الفراغية المحتملة بصورة أسرع. وثانيًا، في المرحلة التالية، تأخذ المجموعات المتنافسة القوائم القصيرة التي تم الاتفاق عليها ـ والتي قد يتم تجميعها بواسطة مجموعة أخرى ـ ثم تجري حسابات أكثر دقة لطاقة كل بنية فراغية، الأمر الذي ينتج عنه التوصل إلى ترتيب للصيغ الممكنة.

أنتجت المنافسة الأخيرة، التي شملت 25 فريقًا - بزيادة 10 فرقاء عن المنافسة السابقة التي أجريت في عام 2010 - «تحسنًا ضخمًا في النتائج»، حسب قول جروم. كما كانت الجزيئات التي تم اختيارها «صعبة ومن أنظمة واقعية»، ومن العينة ذات الحجم والتعقيد الذي يجعلها موضع اهتمام شركات الأدوية. وقد شملت المنافسات السابقة جزيئات مرنة، أو مركبات ذات أجزاء متعددة، بينما دمجت منافسة هذا العام هذه الخصائص في هذه الجزيئات نفسها؛ بهدف موحَّد، حيث طُلب من المشاركين أن يقوموا بالتنبؤ، لا ببنية مستقرة واحدة فحسب، بل بكل الصيغ المستقرة للمركّب، التي تُعرف باسم «الأشكال البلّورية المتعددة».


تم حل المشكلة

كانت الفرق المشارِكة على قدر التحدي، حيث إنه في ورشة كمبريدج، أعلن مركز CCDC أن كل المركّبات الخمسة المستهدفة، وأشكالها البلّورية المتعددة، ظهرت على الأقل في إحدى القوائم القصيرة التي تم استنتاجها باستخدام الطرق المختلفة. وسوف تُنشر ورقة علمية تحتوي على النتائج الكاملة لهذا العمل في عدد خاص من دورية Acta Crystallographica Section B.

وإضافة إلى ما سبق.. فإن فريقًا بقيادة ماركوس نيومان في الشركة الألمانية «أفانت جراد ماتيريالس سيميوليشن» Avant-garde Materials Simulation في مدينة فرايبورج قد تضمَّن الحل الصحيح للمركبات المستهدفة في كل القوائم القصيرة التي توصل إليها. ولو وَحَّد هذا الفريق مجهوداته مع الفريق الآخر ـ الذي يقوده عالم الكيمياء النظرية ألكسندر تيكاتشينكو في معهد فريتز هابر في برلين، والذي حصل على الدرجات الكاملة في مرحلة الترتيب ـ لكان معنى هذا أن الفريقين قد حصلا على الدرجات الكاملة في المرحلتين لكل الجزيئات المستهدفة. هذا.. ولم يحصل أي فريق على مثل هذه النتائج قط في تاريخ هذه المنافسة. يقول نيومان في هذا الصدد: «عندما تنظر إلى ما أنجزته، وما تمكَّن تيكاتشينكو من إنجازه، يصبح معقولًا أن نزعم أن هذا الاختبار الأعمى وضَّح لنا أن مشكلة التنبؤ بالبنية البلورية للمركبات العضوية قد تم حلها بدرجة كبيرة».

«أخيرًا تَمَكَّنّا من استبعاد المُستخدِم من المعادلة».

وعلى غير ما كان عليه الحال في الاختبارات العمياء السابقة، وضع كل فريق من الفرقاء ـ ومنها فريقا نيومان، وتيكاتشينكو ـ إسهام التداخلات المتعلقة بميكانيكا الكم في طاقة البِنَى المختلفة في الحسبان بدرجة أكبر. وبصورة خاصة، استخدم تيكاتشينكو طريقة نُشرت قبل عام واحد فحسب، تشمل استخدام هذه التداخلات على مدى أكبر مما كان عليه الحال سابقًا. كذلك يقول نيومان إن برنامجه الحاسوبي فريد في كونه يتخذ كل قراراته بنفسه؛ حيث تتطلب غالبية البرامج الأخرى أن يقوم البشر باتخاذ القرارات، بعد أن ينتهي الحاسب من إجراء حساباته، و«أخيرًا تَمَكَّنّا من استبعاد المُستخدِم من المعادلة»، حسب قول نيومان.

وبرغم أن الآخرين يتفقون مع من يقول إن هذا الإنجاز المشترك يشكل علامة فارقة في هذا المجال، إلا أنهم ليسوا مستعدين بعد للإعلان عن الانتهاء من حل مشكلة التنبؤ بكل البِنَى البلّورية بصورة نهائية. وفي هذا الصدد تقول سالي برايس، عالمة الكيمياء النظرية في يونيفيرستي كوليج لندن: «هذا لا يعني أنهم حلوا مشكلة التنبؤ بكل البِنَى البلّورية للمركّبات العضوية».

وهناك علماء آخرون يشعرون بالإحباط من رفض نيومان الإعلان عن شفرته الحاسوبية، حيث خاطب ورشة العمل قائلًا: «في اليوم الذي أحصل فيه على معاش تقاعد مضمون، سوف أتكلم عن هذه الشفرة بلا قيود». وهذا الأمر سوف يصعِّب من مهمة العلماء الراغبين في تطوير النتائج التي توصَّل نيومان إليها. تقول كلير إدجمان، عالمة الهندسة الكيميائية في جامعة إمبريـال كوليج لندن: التي شاركت في الورشة: «في حقيقة الأمر، نحن لا نعرف الطريقة التي تعمل بها شفرة البرنامج الحاسوبي، إلا أنني أتفهم عدم رغبته في إطلاعنا على مزيد من التفاصيل».

يخطط تيكاتشينكو، ونيومان في الوقت الحالي للعمل معًا، حيث يقول تيكاتشينكو: «مجال اهتمامي هو فهْم تعدد الأشكال البلّورية، وتوفير الأدوات للمهتمين بالأمر، بينما اهتمام نيومان تجاري في المقام الأول، إلا أنني على ثقة من إمكانية التوصل إلى أرضية مشتركة.» وفي الوقت ذاته، يعمل كل من برايس، ونيومان مع مجال الصناعة على الكيفية التي يمكن أن تُستخدَم فيها حسابات التنبؤ في تطوير الأدوية.