أنباء وآراء

الضوئيات: ضوء عشوائي بملامح لعبة "سودوكو"

تم استخدام طريقة ذكية لفرض نمط معين على طور شعاع ليزر.. ليس عشوائيًّا عند كل نقطة فحسب، بل يعتمد كذلك على المعلومات المختزنة في بقيّته.

  • توني أيشلكراوت
  • أليكساندر سزاميت
  • Published online:

تخيَّلْ نفسك موجودًا داخل سيارتك في زحام مروري. إنّ ما يحدِّد خياراتك هو السيارة التي أمامك مباشرة فقط؛ فإذا كانت تتحرك ببطء، سيكون عليك أن تقود ببطء، وإذا توقفت؛ فستتوقف أنت أيضًا. ورغم ذلك.. تظل قراراتك مستقلة عن قرارات السائقين الآخرين مِن حولك. لتلك الملاحظة تبعات فيزيائية عميقة.. إذ تؤدي إلى التمييز بين فئتين من الأنظمة الفيزيائية العشوائية، هما: النظام الماركوفي، والنظام غير الماركوفي (نسبةً إلى عالِم الرياضيات أندريه ماركوف1). تُعَدّ الاختناقات المرورية من الأنظمة الماركوفية، وكذلك الضوء ذو التوزيع المكاني العشوائي للكثافة والطور. يذكر فيشر وزملاؤه2 في بحث نُشر في دورية "فيزيكال ريفيو ليترز" Physical Review Letters أول عرض تجريبي لضوء ذي نظام غير ماركوفي.

يتحدد سلوك كل عضو في الأنظمة الماركوفية من قِبَل جيرانه الأقرب فقط. أما في الأنظمة غير الماركوفية، فيعتمد كل عضو على سلوك النطاق الأوسع، أو حتى النظام ككل. وإلى الآن، أُنشئت المجالات الضوئية ذات التوزيعات المكانية العشوائية الطور في الشكل الماركوفي فقط، باستخدام عمليات مثل التشتيت في أوساط ضوئية ناشرة للضوء3. واستخدم فيشر وزملاؤه نهجًا بارعًا لدمغ الطور، لخلق مجال ضوئي له طور عشوائي تمامًا في كل نقطة مكانية، بالإضافة إلى طبيعة عشوائية محلية، لا يتم تحديدها عن طريق النقاط الأقرب المجاورة فقط، بل المناطق الأبعد أيضًا.

صاغ ماركوف نظريته الرائدة، آخذًا في الحسبان النظم العشوائية التي تتطور ديناميكيًّا؛ إذ شكّل طريقة للتعامل مع إحدى السمات المهمة الخاصة بها، وهي أن حالات النظام السابقة المخزَّنة في "ذاكرته" تؤثر على حالاته المستقبلية. أدرك ماركوف أنه في النظم التي لا تملك ذاكرة، يمكن توقُّع الأحداث المستقبلية على أساس حالة النظام الراهنة فقط، حيث إن الخاصية المميزة للعملية الماركوفية هي أن الماضي والمستقبل مستقلان عن بعضهما البعض. وتشمل الأمثلة على ذلك حركة الغبار المتطاير في الهواء، وسلسلة القرعات التي تتم باستخدام عملة معدنية، وخوارزمية ترتيب الصفحات (PageRank) التي يستخدمها محرك البحث "جوجل". كما يمكن تعميم الخاصية المميزة للعملية الماركوفية على الأنظمة ذات التوزيعات المكانية العشوائية.. فالازدحام المروري أحد أبسط الأمثلة على ذلك.

وكمثال على عملية عشوائية غير ماركوفية، تخيل جَرَّة تحتوي على كرتين حمراوين، وواحدة زرقاء، وعلى مدار ثلاثة أيام متتالية، تُؤخذ كرة واحدة من الجرة يوميًّا، ولا تُستبدل. وبالتالي، فإنْ أُخذت من الجرة كرة حمراء بالأمس، والكرة الزرقاء اليوم، فمن المؤكد أن غدًا سيتبقى لدينا كرة حمراء فقط، إذا ما وضعنا في الاعتبار الأحداث التي أثّرت على حالة الجرة اليوم وأمس؛ ما يعني أن الكرة المأخوذة غدًا لا تعتمد فقط على تلك المأخوذة اليوم، لكن تعتمد أيضًا على ما أُخذ في المرّات السابقة.

«ثم دمغ الباحثين نمط معين للطور على شعاع من الليزر، متوافق مع الحلول العددية لألغاز السودوكو المتداخلة».

ولتوليد ضوء ذي توزيع مكاني غير ماركوفي، عَدَّل فيشر وزملاؤه نمط طور عرضي لشعاع من الليزر باستخدام جهاز يُعرف باسم مُعدّل الضوء المكاني (SLM)؛ وهو بمثابة مصفوفة من خلايا بلورات سائلة، تشبه شاشة الكمبيوتر، ثم دمغ الباحثون نمطًا معينًا للطور على شعاع من الليزر، متوافقًا مع الحلول العددية لألغاز السودوكو المتداخلة، التي اختيرت لكونها تمثل نظمًا غير ماركوفية (الشكل 1).

استخدم فيشر وزملاؤه2 ألغاز السودوكو المتراكبة؛ لدمغ نمط طور مكاني غير ماركوفي على شعاع من الليزر باستخدام جهاز يُعرف باسم معدّل الضوء المكاني (SLM). ملأ الباحثون خانات المربع العلوي الأيسر من المصفوفة بمعلومات خاصة بالطور، تتوافق مع أرقام لغز سودوكو محلول (من نوعية 9 × 9)، (مبينة باللون الأزرق)، ثم زحزحوا إطار اللغز إلى الأسفل (أو إلى اليمين) بمقدار ست خانات، وقاموا بتعبئته بنمط طور يتوافق مع حل اللغز في موقعه الجديد، الذي يتضمن أرقامًأ من الصفوف الثلاثة السفلية (أو الأعمدة الثلاثة في أقصى اليمين) من الحل الأول (الحلول الجديدة مبينة باللون الزهري). في هذه العملية، لا يعتمد الرقم الموجود في كل خانة على الأرقام الموجودة في الخانات الأقرب فقط، بل يعتمد أيضًا على الأرقام الموجودة في جميع الخانات الأخرى في لغز السودوكو الموافق له، ما يعني أنه نمط غير ماركوفي، بعكس النمط الماركوفي للتوزيع العشوائي الكامل للأرقام (غير مبين هنا).

كبر الصورة


بدأ فيشر وزملاؤه هذه العملية عن طريق ملء المربع العلوي الأيسر من مصفوفة معدّل الضوء المكاني بمعلومات خاصة بالطور، تتوافق مع أرقام لغز سودوكو محلول (من نوعية 9 × 9). ومن ثم، أزاحوا حدود إطار اللغز بعدد معين من الخانات، رأسيًّا، أو أفقيًّا، وحلُّوا اللغز الجديد في الموقع الجديد، كما عدّلوا طور معدل الضوء المكاني بالتبعية. أُعيد تكرار هذه العملية، حتى امتلأت مصفوفة معدل الضوء المكاني بالكامل بمعلومات خاصة بالطور، موزَّعة عشوائيًّا بنظام غير ماركوفي.

إنّ دمْغ طور الضوء المولد بهذه الطريقة يُعَدّ عملية غير ماركوفية، حيث لا تعتمد المعلومات المُتضمنة في إحدى خانات معدل الضوء المكاني على محتويات الخانات الأقرب فقط، لكنها تعتمد أيضًا على محتويات جميع الخانات الأخرى في إطار لغز السودوكو الموافق لها. وأحد الجوانب الرائعة لما قام به الباحثون هو أنهم استخدموا مُعامل ضبط للسيطرة على عدد الخانات التي يمكن أن تتزحزح بها إطارات السودوكو. وباستخدام هذا المعيار، استطاع الباحثون دراسة الانتقال بين الضوء المنتظم، والضوء غير الماركوفي، من خلال تغيير نمط الطور المُدمغ من نمط يتوافق مع ألغاز السودوكو المنتظمة بشدة (المتراكبة بشكل كبير) إلى تسلسل عشوائي من الألغاز المستقلة.

أظهر بحث فيشر وزملائه أن الضوء ذا التوزيع المكاني غير الماركوفي يمكن أن يتولد بطريقة مرنة للغاية، باستخدام نظام بسيط وسريع. وتمهِّد هذه النتائج الرائعة الطريق نحو توليد أنواع جديدة من الأشعة الضوئية "النمطية"، حيث يمكن لخصائص معينة، مثل الكثافة، أو الاستقطاب أن تُستخدم لتخزين المعلومات. كما يمكن أن تساعد هذه التقنية العلماء في فهم العمليات غير الماركوفية بشكلٍ أعمق. وإضافةً إلى ذلك.. يمكن أن يشكل "نهج السودوكو" هذا استراتيجية عامة لبناء النُظم البصرية أو غيرها من الأنظمة ذات الذاكرة المكانية للخصائص غير الماركوفية، الواضحة بشكل فريد.

  1. Markov, A. A. Proceedings of the Physical and Mathematical Society at the University of Kazan 2nd edn, Vol. 15, 135–156 (1906).

  2. Fischer, R. et al. Phys. Rev. Lett. 115, 073901 (2015).

  3. Fairchild, M. D. Color Appearance Models 2nd edn, 65 (Wiley, 2005).