تحقيق إخباري

تعقُّـب وَحْــش «إل نينيو»

بينما تتجمع حرارة ظاهرة «إل نينيو» الهائلة بالمنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ، يأمل الباحثون في استغلال ذلك قدر الإمكان؛ لدراسة تلك الظاهرة المُدَمِّرة.

كيرين شيريماير
  • Published online:

<p>جمعت سفينة «فالكور» البحثية (RV <i>Falkor</i>) بيانات ستساعد في دراسات ظاهرة إل نينيو.</p>

جمعت سفينة «فالكور» البحثية (RV Falkor) بيانات ستساعد في دراسات ظاهرة إل نينيو.

Schmidt Ocean Institute/Andrew David


بدت المناطق الاستوائية في المحيط الهادئ مضطربة في شهر أغسطس الماضي، بينما كان عالِم المحيطات كلفن ريتشاردز وفريقه يجوبون الخط الاستوائي، مبحرين شرق جُزُر مارشال. وهبت ستة أعاصير استوائية عبر المحيط في الشهر السابق لذلك. ومع انطلاق حملة ريتشاردز البحثية، هبَّت أعاصير جديدة. كان سطح البحر في جميع أنحاء المنطقة دافئًا بشكل غير طبيعي، وكانت درجات حرارة الماء أعلى من المتوقع بنحو درجة مئوية واحدة على الأقل. وحين أطلّ علماء المحيطات تحت السطح، وجدوا علامات لاضطرابات شديدة، تمتد مئات الأمتار في العمق.

وجد الفريق نفسه وسط حدث مدهش لظاهرة «إل نينيو» الاحترارية، التي قد تكون الأقوى في سجلات التاريخ. ويمكن لظواهر «إل نينيو» الكبيرة أن تقلب مناخ المحيط الهادئ رأسًا على عقب، وأن تؤدي إلى اضطراب الطقس حول العالم. وقد شوهدت بالفعل آثار الظاهرة الحالية.. حيث عانت إندونيسيا جفافًا شديدًا، تَسَبَّب في زيادة حرائق الغابات والأراضي الزراعية، كما تشهد الشعاب المرجانية في المحيط الهادئ واحدة من أسوأ حالات الابيضاض المسجَّلة حتى الآن. وأعلنت بيرو حالة الطوارئ في بعض المناطق، تحسبًا للفيضانات، كما يتأهب المزارعون في أستراليا للجفاف المتوقع.

الحدث الأخير الضخم لتلك الظاهرة كان بين عامي 1997-1998، حيث قُتل خلاله الآلاف، بسبب سوء الأحوال الجوية والفيضانات، تاركًا ربع مليار نسمة في آسيا بلا مأوى. كما أسهم ذلك أيضًا في قفز درجات الحرارة العالمية إلى أرقام لم تُسَجَّل من قبل.

أما بالنسبة إلى ريتشاردز، الباحث في جامعة هاواي في مانوا، فقد تبين أن الوصول الأحدث لظاهرة «إل نينيو» جاء في توقيت حسن. فمثل ذلك الاحترار لا ينشأ إلا مرة، أو مرتين كل عشر سنوات، بلا جدول زمني منتظم. لذا.. يتوق الباحثون إلى تعلُّم كيفية التنبؤ بموعد حدوث تلك الظاهرة ومدى قوتها. ويعني ذلك أنه ينبغي عليهم مراقبة الغلاف الجوي والمحيطات عن كثب، بدءًا من المياه السطحية، وصولًا إلى الطبقات الأكثر برودة، مئات الأمتار في العمق، إلا أن الحصول على البيانات اللازمة قد يكون صعبًا.. فالتخطيط لرحلات البحث قد يستغرق سنوات، إذ إنه من الصعب إيصال سفينة إلى قلب المحيط الهادئ في الوقت المناسب لدراسة حدث يستحيل التنبؤ بموعده. وفي عام 2012، حين قدَّم ريتشاردز طلبًا للسفينة، وحدد موعدها، لم يكن يعلم أن موعد رحلته سيتوافق مع استقواء تلك الموجة الاحترارية. يقول ريتشاردز: «تزامنت بالصدفة مع بعثتنا، فانتهزنا الفرصة بكل سرور».

إن معظم علماء المحيطات لم يحالفهم الحظ ليُوجَدوا في عرض البحر هذا العام، لكنهم يستخدمون بيانات زملائهم، فضلًا عن المعلومات التي تتدفق من عوامات الأبحاث، وغيرها من المصادر. والسؤال الرئيس الذي يبحثون عن إجابة له هو: لماذا تحدث تلك الظاهرة بشكل مختلف في كل مرة؟ يقول مايكل ماكفادن، عالِم محيطات يعمل مع الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في سياتل بولاية واشنطن: «لا تنصبّ ظواهر «إل نينيو» في قالب واحد». ويبدو أن قوة وتأثيرات كل حادثة لتلك الظاهرة تعتمد جزئيًّا على أيٍّ من مناطق المحيط الهادئ تحترّ أولًا؛ لكن التنبؤ بنمط انحرافات درجات الحرارة أمر صعب. يقول ماكفادن: «نودّ حقًّا أن نفهم بشكل أفضل ما السبب وراء هذا التنوع، وبأي مدة مسبقة يمكن التنبؤ بنوع الحدث الذي نحتاج التأهب له». مِن شأن ذلك أن يساعد خبراء الأرصاد الجوية على إصدار تحذيرات من موجات الجفاف والفيضانات القادمة، قبل أشهُر من حدوثها.


ظهور محيِّر

إن حدث «إل نينيو» الحالي يُعَدّ تذكرة قوية بمدى ما يتعين على العلماء تعلُّمه؛ فقد نشأ في عام 2014 بالشكل نفسه الذي نشأ به غيره.. ضعفت الرياح التجارية الشرقية التي تنساب عادة من أمريكا الجنوبية نحو آسيا، حاملة الحرارة والرطوبة إلى الجزء الغربي من حوض المحيط، ما سمح للحرارة بالانتشار شرقًا. لذا.. توقع الباحثون أن ترسِّخ هَبّات الرياح الغربية النمط، حيث تساعد على دفع المياه الدافئة شرقًا (انظر: «محيط عنيد»). وحين يتراكم قدر كاف من الماء الدافئ قبالة ساحل أمريكا الجنوبية؛ يمنع حركات التقلب الاعتيادية للمياه الباردة الغنية بالمغذيات الآتية من الطبقات الأعمق؛ ما يغيِّر بدوره أعداد السَّمَك، ويدمر حصاد سمك الأنشوجة قبالة سواحل بيرو.

كبر الصورة


في عام 2014، كان الاحترار على طول خط الاستواء أقل وضوحًا مما كان عليه في معظم أحداث «إل نينيو» السابقة، ولم تظهر هَبَّات الرياح الغربية كما كان متوقعًا. وبحلول منتصف العام، كانت ظاهرة «إل نينيو» المنتظرَة قد تلاشت تمامًا.

ما الذي أوقف الأمر؟ ولما ظهر احترار المحيط الهادئ مجددًا بشكل مدهش بعد مرور 12 شهرًا؟ تلك بعض الأسئلة التي تحيِّر باحثي المحيطات وعلماء الأرصاد الجوية الآن. فتُعَدّ ظاهرة «إل نينيو» التي وُلدت مجددًا بشكل غامض فرصة رائعة للباحثين، من أجل الجمع بين الملاحظات والنماذج؛ لمعرفة ما حدث، وربما تحسين نُظُم التنبؤ، كما يقول أكسل تيمرمان، عالِم المحيطات بجامعة هاواي.

أحد التفسيرات المحتملة، كما يقول، أن هَبَّات الرياح الغربية المتوقعة جاءت في وقت مبكر جدًّا من العام الماضي، حتى إنها لم تراكِم قدرًا كافيًا من المياه الدافئة في شرق المحيط الهادئ؛ لمنع عملية تقلُّب المياه، وهو ما يفترض أن يوقف مسار «إل نينيو» فورًا، إلا أن هناك أيضًا احتمالًا بأن تكون آلية منسية، مكَّنت الماء البارد في الطبقات العميقة من أن يصل إلى السطح، أو ببساطة.. ربما تعود الطبيعة الغريبة الخاصة بتذبذب «إل نينيو» الجنوبي (ENSO) ـ وهو التتابع غير المنتظم لمراحل ظاهرتي «إل نينيو» الدافئة، و«لا نينيا» الباردة ـ إلى عشوائية الطقس.

ولاختبار هذه الفرضيات، سيحتاج الباحثون أشكالًا عديدة من البيانات، تشمل قياسات درجة حرارة المحيط عبر الزمن، ومعدلات تقلب المياه وكثافتها، وقوة التيارات. وسيكون من المهم مقارنة سنوات ظاهرة «إل نينيو» بالسنوات العادية، وأوقات ظهور ظاهرة «لا نينيا»، فضلًا عن السنوات التي يلوح فيها حدث ما في الأفق، ثم يفشل في أن يكتمل، كما يقول ماثيو إنجلاند، عالِم المناخ بجامعة نيو ساوث ويلز في مدينة سيدني بأستراليا.

وقد أصبحت المشكلة أصعب الآن، إذ إن سلوك تذبذب «إل نينيو» الجنوبي قد يتغير، نتيجة لتغير المناخ. فالمياه السطحية الدافئة تجعل من السهل على ظاهرة «إل نينيو» أن تبدأ. ولذا.. يتوقع الباحثون أن تصبح تلك الأحداث أكثر تواترًا. وتشير دراسةٌ قائمة على النموذج، أجراها في العام الماضي ونجو كاي ـ عالِم فيزياء المحيطات، الذي يعمل لصالح منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية في أسبنديل بأستراليا، وشارك فيها تيمرمان ـ إلى أنه بحلول نهاية القرن الحالي ستُرصَد أحداث متطرفة لظاهرة «إل نينيو»، كما حدث في 1997-1998، بمعدل سيبلغ ضعف ما كان يحدث في العقود الأخيرة (W. Cai et al. Nature Clim. Change 4, 111–116; 2014).


مشكلة وليدة

وُصفت ظاهرة احترار المحيط الهادئ لأول مرة في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر من قِبَل قائد في القوات البحرية البيروفية، حيث أبلغ عن تيار دافئ بشكل غير عادي، أسماه «corriente del Niño»، (أو «تيار المسيح الطفل»)، إذ ظهر في فترة أعياد الميلاد. و كان يُعتقد لمدة طويلة أن «إل نينيو» ظاهرة محلية تظهر قبالة بيرو والإكوادور، لكن حملات القياس خلال السنة الجيوفيزيائية الدولية 1957-1958 ـ التي تزامنت مع حدث كبير لظاهرة «إل نينيو» ـ كشفت أن الظاهرة تغطي المحيط الهادئ كله. وعلى مدى عقود بعد ذلك، أظهرت الأبحاث المجراة على ظاهرتي «إل نينيو» و«لا نينيا» كيف أن ظروف المحيط والغلاف الجوي تعزز بعضها البعض؛ لإحداث الدفء والبرودة.

وعلى الرغم من أن أحداث «إل نينيو»/ «لا نينيا» يمكن أن تسبِّب تغييرات قوية في الطقس، ترددت وكالات تمويل العلوم في رعاية البعثات البحثية المكلفة من أجل دراستهما، إذ يصعب جدًّا التنبؤ بهما. وبدلًا من ذلك.. يعوِّل الباحثون بشكل كبير على البيانات الآتية من شبكة عوامات مشروع غلاف المحيطات الاستوائية الجوي، المكونة مما يقرب من 70 عوامة مربوطة ومصفوفة عبر المحيط الهادئ، تديرها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، بالاشتراك مع الوكالة اليابانية لعلوم الأراضي البحرية والتكنولوجيا (JAMSTEC). تسمح بيانات درجة الحرارة والملوحة الآتية من تلك الشبكة للباحثين بالاطلاع على أي احترار غير عادي يحدث بالمحيط، وتتبُّع الموجات الكبرى التي تدفع المياه الدافئة ناحية الشرق.

وتلك المنظومة لا تخلو من المشكلات.. فقد تعطلت عوامات عديدة في السنوات الأخيرة، تاركة العلماء مؤقتًا ببيانات من %40 فقط من الشبكة. وبفضل عمليات الإصلاح، عاد النظام إلى العمل حاليًّا بحوالي %80 من كفاءته، إلا أن خفض الموازنة في عام 2012 أجبر الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي على وقْف خدمة سفينة «كايميموانا» البحثية (RV Ka`imimoana)، التي كانت تُستخدم بغرض الصيانة الدورية للمنظومة. وعلى مدى 16 عامًا من عملها مع الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، كانت السفينة قد اكتسبت قيمة عالية بالنسبة إلى مجتمع بحوث ظاهرة «إل نينيو»، إذ كانت تجمع البيانات عن عوامل معينة، مثل درجة حرارة المياه، والملوحة، والكثافة، أثناء خدمة العوامات. وإذ لم تعد السفينة موجودة، صارت البيانات التي تُجمع من عوامات المنظومة والعوامات المستقلة غير كافية لدراسة التغييرات الطفيفة في التيارات واختلاطات مياه المحيط، التي ربما قد شكلت جزءًا من تطور ظاهرة «إل نينيو»، كما يقول تيمرمان.

ثمة سفن أخرى متاحة لدى الباحثين، مثل سفينة «فالكور» البحثية (RV Falkor)، التي قام ريتشاردز على متنها برحلته، وسفينة «كيلو موانا» البحثية (RV Kilo Moana) التي استضافت فريقًا آخر من جامعة هاواي بمناطق المحيط الهادئ الاستوائية في شهري أغسطس وسبتمبر. أما عالما المحيطات برايان بوب وجيفري درازن، فقد منحوا فرصة غير متوقعة؛ إذ كانا قد خططا لدراسة تَراكُم الزئبق في الكائنات البحرية بمنطقة فيها تقلُّب استوائي قوي للمياه، لكن البيانات التي جمعاها أثناء بعثتهما ستسمح لهما الآن بدراسة كيف يمكن لآثار حدث «إل نينيو» القوي أن تمتد تدريجيًّا عبر الشبكة الغذائية البحرية. ورغم ذلك.. كما يقول كاي، فظاهرة «إل نينيو» هذه المرة ـ وهي حدث ربما لا يأتي إلا مرة واحدة في عمر الجيل الواحد ـ تُعَدّ فرصة ضائعة فيما يتعلق بالخروج إلى البحر، وتوثيق اتساع نطاق التغيرات الفيزيائية والكيميائية والحيوية، التي قد تحدث في المحيط. «إنه لمن المؤسف ألّا تكون لدينا سفن أكثر في عرض البحر»، كما يقول.

ربما يكون الغوث قادمًا.. فبحلول عام 2020، تأمل كل من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، والوكالة اليابانية لعلوم الأراضي البحرية والتكنولوجيا أن يتم إطلاق نظام رصد المحيط الهادئ الاستوائي المستمر، الذي يتكون من عوامات وأقمار صناعية تعزِّز من فَهْم تنوع المحيط، وتحسِّن قدرة التنبؤ بالطقس والمناخ.

سيكون ذلك متأخرًا جدًّا للتعامل مع ظاهرة «إل نينيو» الحالية، والمتوقع أن تبلغ ذروتها في أواخر هذا العام، أو أوائل العام المقبل، لكن المساعدات نجحت في مواكبة أقوى ظواهر «إل نينيو»، التي حدثت في الأشهر الأخيرة. وقد شاركت هَبَّات الرياح الغربية ـ التي وقعت في أوائل شهر أكتوبر ـ في استمرار عملية الاحترار. ولذا.. يهيب خبراء الأرصاد بمناطق عديدة في العالم الاستعداد لحالة الطقس الجامحة والمضطربة المتوقَّعة خلال الأشهر القليلة المقبلة.