أنباء وآراء

فيزياء نانوية: أدوات مجهرية لمحاكاة الاحتكاك

تُستخدم الأيونات الباردة التي تنزلق عبر أنماط الطاقات الدورية ـ التي تُحدِثها أشعة الليزر ـ في الكشف عن العِلْم الفيزيائي وراء الاحتكاك الجاف بين البلورات. وتُعتبر التجارب التي لا تتضمن أكثر من ستة أيونات كافية لاستكشاف نطاق واسع من قوى الاحتكاك.

  • دافيدي مانديلي
  • إيريو توساتي
  • Published online:

تعود دراسة الاحتكاك إلى قرون مضت، إلا أنها لا تزال موضوعًا حيويًّا للبحث. وتتمحور المشكلة الأساسية للاحتكاك الناتج عن الانزلاق الجاف بين الأجسام الصلبة حول القوة المقاوِمة للحركة الجانبية النسبية لأسطح البلورات المتلامسة، حيث يلغي التباعد الدوري بين ذرات تلك البلورات التعقيد الذي تطرحه الطبيعة المبهمة للأسطح العادية غير البلورية. وما أدّى إلى إثارة هذا الموضوع هو دراسات النظم النانومترية، من خلال أدوات تَستخدم أطرافًا نانوية، إضافةً إلى نظرية عدم التوازن والمحاكاة الحاسوبية، ومؤخرًا استخدام أدوات اصطناعية لمحاكاة الاحتكاك1. وقد استقرأ بيلنسكي وزملاؤه2، وجانجلوف وزملاؤه3 الاقتراحات النظرية السابقة في كتاباتهم في دوريّتي "ساينس"، و"نيتشر فيزيكس"4-6، وقدموا أدوات لمحاكاة الاحتكاك، تقوم على الأيونات المحتَجَزة، التي تنزلق على الشبكات الضوئية، وهي أنماط الطاقات الدورية التي تنتج عن تداخل أشعة الليزر.

وبرغم أن الاحتكاك الجاف هو مشكلة معروفة، إلا أنه لم يُحرَز تقدُّم كاف حياله بعد، نتيجةً لندرة النظم التجريبية المناسبة، واقتصار نظرية حركات الاحتكاك في الغالب على المحاكاة الحاسوبية، التي تُعد تمثيلًا حيًّا ـ لكنْ غير مكتمل ـ لظاهرة الاحتكاك المعقدة بين أسطح الأجسام الصلبة الحقيقية. ويبدو أن أغلب ما فهمه العلماء عن الاحتكاك يعتمد على نماذج للطاقات الدورية، بسيطة وأحادية البعد، مثل نموذج المنزلق المفرد "براندت-توملنسون" PT)7)، ونموذج السلسلة المنزلقة "فرينكل-كونتوروفا" FK)8).

 يوضح نموذج "PT" تحول الاحتكاك الارتجاجي ـ كالذي ينشأ من الحركة المتقطعة لإصبع الطباشير على السبورة ـ إلى انزلاق سلس، بينما تقل تموُّجات السطح؛ كما يصف أيضًا مسار التحول من قوة الاحتكاك الكبيرة مع سرعات الانزلاق العالية إلى قوى احتكاكية متناهية الصغر (انزلاق حراري) عند السرعات المنخفضة جدًّا9,7. وفي حالة خاصة من الشبكات غير المتطابقة، يصف نموذج "FK" التحول من وضعية الحركة معدومة الاحتكاك (فائقة الانزلاق) إلى حالة الانزلاق الاحتكاكي الارتكازي (وهو نظام يتطلب قوة كبيرة لإزاحة الشبكة، ودفعها إلى الأمام).

نجحت تلك النماذج في تقديم توصيف لكيفية تأثير خصائص معينة، مثل التمويجات، ودرجة الحرارة، والسرعة، وتطابق شبكات المواد المتلامسة على الاحتكاك، كما تحدد قدره. ومن حيث المبدأ، يمكن أن تسمح تلك المعلومات للباحثين أن يسيطروا على قوى الاحتكاك، الأمر المطلوب في كثير من البيئات العملية. وبرغم الخلفية النظرية القوية7-9، لم يتم اختبار أيٍّ من هذه النماذج بعد.. وتلك هي مهمة أدوات المحاكاة.

يدرس بيلنسكي وزملاؤه2، وجانجلوف وزملاؤه3 الاحتكاك الناتج عن الانزلاق القسري لأيون واحد أو أكثر، عبر الشبكات الضوئية التي تنشأ الطاقة المتعرّجة فيها عن طريق أشعة الليزر المتعاكسة. وقد قَدَّمَت تجاربهم البسيطة اختبارات معيارية لنماذج الاحتكاك طويل الأمد، خاصة بالانزلاق على السطوح البلورية (مقتبس من المرجع 2).

كبر الصورة


إن أدوات المحاكاة الخاصة ببيلنسكي وزملائه، وجانجلوف وزملائه مبنية على سلاسل قصيرة من الذرات المتأينة المحتجزة، التي تُجبر على الانزلاق تحت تأثير مجال كهربائي، عبر شبكة ضوئية ينتجها الليزر (الشكل 1). قد تبدو هذه التقنيات غامضة، إلا أنها دقيقة وقوية، نظرًا إلى إمكانية التعديل المرن للمتغيرات فيها عبر نطاق واسع، مثل درجة الحرارة، وسرعة وتباعد الذرات، وطول السلسلة، وقوة طاقة الشبكة.

في هذا السياق، عرض جانجلوف وزملاؤه تجارب تحتوي على واحد أو اثنين من الأيونات التي تنزلق عبر شبكة ضوئية تحاكي نموذج "PT" بشكل يقترب من الكمال. وفي تجارب الأيون الواحد، أوضح المؤلفون أنه حتى في درجات الحرارة المنخفضة جدًّا، التي تُقاس بالميكرو كيلفن، هناك سرعة حدية، تتلاشى قوى الاحتكاك بين الأيون المنزلق والشبكة الضوئية عند السرعات الأقل منها.. وهو ما يتماشى مع نظرية الديناميكا الحرارية. أما مع السرعات الأعلى، فينشأ الاحتكاك الارتجاجي، ويتزايد بمعامل أعلى من 100 مع تزايد السرعة أكثر فأكثر.

إنّ أي تجربة قائمة على بلورات حقيقية لا تستطيع الامتداد عبر هذا النطاق الواسع من قوى الاحتكاك والسرعات المختلفة. وعلى الرغم من أن الكثير من استنتاجات المؤلفين كان مصدره المحاكاة العددية7، إلا أن الأدوات المستخدمة للمحاكاة تفوقت على المحاكاة العددية، فمثلًا.. تعيد الأدوات الجديدة طرح فكرة اعتماد الاحتكاك على السرعة، المتوقعة نظريًّا، بشكل أكثر دقة10.

ولكي نتمكن من محاكاة نموذج "FK" بشكل واف، سيحتاج المرء إلى سلسلة أيونية طويلة غير متناهية، بدلًا من أيون وحيد؛ فقد استخدم بيلنسكي وزملاؤه سلاسل قصيرة مكوَّنة من ما بين أيونين، وستة أيونات فقط، منزلقة على شبكة ضوئية.. فهل يمثل ذلك خطوة صغيرة نحو ذاك الهدف؟ ليس تمامًا.. فبضبط المسافات بين الأيونات، يعدِّل المؤلفون مقدار عدم التطابق بين السلسلة وتموجات الطاقات الدورية الخاصة بالشبكة، ما يؤثر على الاحتكاك الذي يقيسونه بشكل كبير.

وبعد رصد القدر العالي من الاحتكاك الموافق للتطابق المثالي بين السلسلة والشبكة، لاحظ بيلنسكي وزملاؤه انخفاضًا حادًّا بالتزامن مع زيادة أحد المعامل المتحكِّمة في مدى عدم التطابق بين السلسلة والشبكة. ويعكس هذا الاتجاه تطور الاحتكاك، من احتكاك ارتكازي قوي إلى حالة انزلاق، أو حتى انزلاق فائق، وهي الحالة التي لا تُبلَغ إلا مع انخفاض كثافة القوى الكامنة في الشبكة إلى ما دون القيمة التي تحدِّد تغير الحالة، ما بين انعدام الاحتكاك، والانزلاق الاحتكاكي الارتكازي (وهو ما يُعرف باسم "تحوُّل أوبري")11.

أضحت دراسات "تحوُّل أوبري" مثار اهتمام، وهو ما حفّزته الدراسات النظرية للأنظمة ذات السلاسل الأيونية الطويلة12,4. ومن المتوقع أن تثير دراسة هذا التحول في الأنظمة ذات السلاسل القصيرة ـ كتلك التي استخدمها بيلنسكي وزملاؤه، وجانجولف وزملاؤه ـ اهتمامًا أكبر. وإجمالًا، فالمدهش حقًّا هو ذلك الكَمّ الذي يمكن معرفته عن فيزياء الأنظمة ذات السلاسل الطويلة غير المتناهية، من خلال الدراسات التي تتضمن عددًا قليلًا من الأيونات.

وكما هو الحال دائمًا، تعلِّمنا التجارب أكثر مما نتوقع. كما تساعد التقنيات الواضحة ـ مثل أدوات محاكاة الأيون البارد، التي كُتب عنها في هاتين الورقتين البحثيتين ـ على فهم التعقيد الذي يكمن وراء أبسط أنواع الاحتكاك، الذي يتضمن حفنة من الأيونات.

قال عالِم الفيزياء فيليب وارن أندرسون ذات مرة13: "العدد الأكبر يُحدِث الفرق".. لكن في هذه الدراسات، يمكن أن يواجه المرء هذا القول المأثور بأنه في بعض الأحيان يمكن للعدد الأقل أن يُحدِث الفرق في النهاية.

  1. Vanossi, A., Manini, N., Urbakh, M., Zapperi, S. & Tosatti, E. Rev. Mod. Phys. 85, 529 (2013).

  2. Bylinskii, A., Gangloff, D. & Vuletić, V. Science 348, 1115–1118 (2015).

  3. Gangloff, D., Bylinskii, A., Counts, I., Jhe, W. & Vuletić, V. Nature Phys. http://dx.doi.org/10.1038/nphys3459 (2015).

  4. Benassi, A., Vanossi, A. & Tosatti, E. Nature Commun. 2, 236 (2011).

  5. García-Mata, I., Zhirov, O. V. & Shepelyansky, D. L. Eur. Phys. J. D 41, 325–330 (2007).

  6. Pruttivarasin, T., Ramm, M., Talukdar, I., Kreuter, A. & Häffner, H. N. J. Phys. 13, 075012 (2011).

  7. Müser, M. H. Phys. Rev. B 84, 125419 (2011).

  8. Braun, O. M. & Kivshar, Y. The Frenkel–Kontorova Model: Concepts, Methods and Applications (Springer, 1998).

  9. Krylov, S. Y. & Frenken, J. W. M. Phys. Status Solidi B 251, 711–736 (2014).

  10. Sang, Y., Dubé, M. & Grant, M. Phys. Rev. Lett. 87, 174301 (2001).

  11. Aubry, S. & Le Daeron, P. Y. Physica D 8, 381–422 (1983).

  12. Sharma, S. R., Bergersen, B. & Joos, B. Phys. Rev. B 29, 6335 (1984).

  13. Anderson, P. W. Science 177, 393–396 (1972).