تحقيق إخباري

أيها الدماغ.. تفضل بالتعرف على الأمعاء

يتقصَّى علماء الأعصاب العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والنمو العقلي.

بيتر أندريه سميث
  • Published online:

Illustration by Serge Bloch


مضى ما يقرب من عام منذ اللقاء الأول بين ريبيكا نيكماير، المتخصصة في علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل، والمشاركين في أحدث دراساتها حول النموّ العقلي، حيث تدرس كيف ينمو ثلاثون طفلًا، من حديثي الولادة إلى عُمْر السنة، باستخدام مجموعة من اختبارات السلوك، والحالة المزاجية. في أحد تلك الاختبارات، قد تختفي والدة أحد الأطفال من جناح الاختبار، لتعاود الظهور مرة أخرى مع شخص غريب؛ بينما ترتدي أخرى أقنعة «الهالوين»؛ لتزيد الأمر غرابةً. ومن ثم، إنْ سار كل شيء على ما يرام، مِن المفترض أن يخلد الأطفال بسلام إلى النوم، بينما تقوم آلة التصوير بالرنين المغناطيسي الصاخبة بمسح أدمغتهم. تقول نيكماير: «نحاول أن نكون مستعدين لكل شيء.. فنحن نعرف تمامًا كيف نتصرف، إذا شرع أحد الأطفال في الهروب، وانطلق نحو الباب».

تبدو نيكماير متحمسة لدراسة شيء آخر أيضًا، هو مجهريات البقعة الموجودة في براز الأطفال، أو مجموعة البكتيريا والفيروسات والميكروبات الأخرى التي تعيش في أمعائهم. إن مشروعها، المعروف باسم «دراسة البراز»، يشكل جزءًا من جهد صغير، لكنه متعاظم، يبذله علماء الأعصاب؛ لمعرفة ما إذا كانت الميكروبات التي تَستعمِر أمعاءهم في مرحلة الطفولة يمكنها تغيير النمو العقلي، أم لا.

يأتي هذا المشروع في لحظة فارقة.. حيث تُظهِر كمية متزايدة من البيانات، الآتي معظمها من الحيوانات التي تُرَبَّى في بيئات معقّمة خالية من الجراثيم، أن الميكروبات المعوية تؤثر على السلوك، كما يمكنها تغيير فسيولوجية المخ، والكيمياء العصبية الخاصة به. أما البيانات البشرية، فهي محدودة للغاية.. فبرغم أن الباحثين قد حددوا روابط بين أمراض الجهاز الهضمي، والحالات العصبية النفسية، مثل القلق، والاكتئاب، والتوحّد، والفصام، والاضطرابات العصبية التنكسية، تظل في النهاية مجرد روابط.

من جانبه، يقول روب نايت، المتخصص في علم الأحياء المجهرية في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييجو: «عمومًا، مشكلة السببية في دراسات الميكروبيوم هي مشكلة جوهرية.. فمن الصعب جدًّا أن تعرف ما إذا كانت الاختلافات الميكروبية التي تظهر مع وجود الأمراض هي الأسباب، أم العواقب». كما أن هناك العديد من الأسئلة العالقة.. وقد بدأت الأدلة المتعلقة بآليات تفاعل البكتيريا المعوية مع الدماغ في الظهور، إلا أن أحدًا لا يعرف مدى أهمية هذه العمليات في نمو البشر وصحتهم، لكن ذلك لم يمنع بعض الشركات العاملة في مجال صناعة المكمّلات الغذائية من الادّعاء بأن بكتيريا الأمعاء المفيدة، التي يُزعم أنها تساعد في عمليات الهضم، يمكنها دعم الراحة الوجدانية. وقد بدأت شركات الأدوية المتعطشة لظهور علامات إرشادية جديدة في علاج الاضطرابات العصبية بالاستثمار في الأبحاث المتعلقة بالميكروبات المعوية والجزيئات التي تنتجها.

يسعى العلماء والمموِّلون لإيضاح الأمر. فعلى مدى العامين الماضيين، قام المعهد الأمريكي الوطني للصحة الذهنية (NIMH) في بيثيسدا بولاية ميريلاند بتمويل سبع دراسات تجريبية، بلغت تكلفة كل واحدة منها مليون دولار أمريكي، لدراسة ما تُطلق عليه اسم «اتحاد الميكروبيوم والأمعاء والدماغ»، وكان (بحث نيكماير ضمن هذه الدراسات السبع). وفي العام الحالي، وافق مكتب الولايات المتحدة للبحوث البحرية في مدينة أرلينجتون بفيرجينيا على ضخّ مبلغ، قد يصل إلى 14.5 مليون دولار أمريكي على مدى الـ6-7 سنوات المقبلة، لصالح الأعمال التي تدرس دور الأمعاء في الوظائف المعرفية والاستجابات للإجهاد. كما قدَّم الاتحاد الأوروبي 9 ملايين يورو (ما يعادل 10.1 مليون دولار) لمشروع سيستمر خمس سنوات، يُدعى «ماي نيو جات» MyNewGut، أو «أمعائي الجديدة»، اثنتان من مهامه الرئيسة تستهدف نمو العقل، واضطراباته.

تهدف أحدث الجهود المبذولة إلى تجاوز الملاحظات الأساسية والارتباطات، إلا أن النتائج الأولية تلمّح إلى إجابات معقدة. وقد بدأ الباحثون بالكشف عن نظام متنوع وواسع، تؤثر فيه الميكروبات المعوية على الدماغ، عن طريق الهرمونات، والجزيئات المناعية، والمنتجات الأيضية المتخصصة التي تنتجها.

تقول نيكماير: «إنّ ما يتوفر الآن هو ـ في الغالب ـ بمثابة تخمينات، أكثر من كونه بيانات مؤكدة. ولذا.. هناك العديد من الأسئلة المفتوحة حول المعيار الذهبي للأساليب التي يجب عليك تطبيقها. إنّ الأمر استكشافي للغاية».


 تَجاوُب الأمعاء

كان يُعتقد في السابق أن التفاعل بين الميكروبات والدماغ نادرًا ما يحدث، باستثناء حالات اختراق المُمْرِضات للحاجز الدماغي الدموي ـ وهو الحصن الخلوي الحامي للمخ ضد العدوى والالتهاب ـ وإنْ حدث، قد تكون له تأثيرات قوية، فمثلًا.. يستثير الفيروس المسبِّب للسعار في الكلاب العدوانية والهياج، وربما الخوف من الماء أيضًا، لكن على مدى عقود، كانت الغالبية العظمى من الميكروبات الطبيعية الموجودة في الجسم غير مميزة إلى حد كبير، ولم تكن فكرة أنها يمكن أن تؤثر على بيولوجيا الأعصاب فكرة منتشرة.. وهو ما يتغير ببطء الآن.

كانت دراسات حالات التفشي في المجتمع أحد المفاتيح التي ألقت الضوء على تلك الروابط المحتملة. ففي عام 2000، أدَّى فيضان حدث في بلدة ولكرتون الكندية إلى تلوث مياه الشرب فيها بمُمْرِضات، مثل بكتيريا Escherichia coli وبكتيريا Campylobacter jejuni. وإثر ذلك أصيب حوالي 2,300 شخص بعدوى شديدة في الجهاز الهضمي، كما تَسَبَّب ذلك مباشرة في إصابة الكثير منهم بمتلازمة القولون العصبي المزمن (IBS).

وخلال دراسة1 استمرت ثماني سنوات على سكان ولكرتون، بقيادة ستيفن كولينز، المتخصص في أمراض الجهاز الهضمي بجامعة ماكماستر في هاملتون بكندا، لاحظ الباحثون أن المشكلات النفسية، كالاكتئاب والقلق، بدت كأحد عوامل الخطر الدافعة لاستمرار متلازمة القولون العصبي. وعن ذلك.. يقول بريميسل بيرسيك، متخصصٌ آخر في أمراض الجهاز الهضمي في ماكماستر، إن هذا التفاعل أثار عدة أسئلة مهمة.. فهل يمكن للالتهابات طويلة الأمد، أو ربما الميكروبيوم الخارج عن السيطرة بسبب العدوى، أن تمثل الدافع وراء الأعراض النفسية الظاهرة؟

كبر الصورة


وبذلك بدأت مجموعة ماكماستر البحث عن إجابات في الفئران. ففي دراسة2 أجريت في عام 2011، قام الفريق بزرع مجهريات البقعة المعوية في سلالات مختلفة من الفئران، وأظهروا أن الصفات السلوكية الخاصة بإحدى السلالات انتقلت مع مجهريات البقعة تلك. يقول بيرسيك مثلًا إن الفئران «الخجولة نسبيًّا» ستبدِي سلوكًا أكثر ميلًا إلى الاستكشاف، حين تحمل مجهريات البقعة الخاصة بالفئران الأكثر ميلًا إلى المغامرة. ويضيف: «أعتقد أنه أمر مفاجئ.. تلك الكائنات تقود النمط السلوكي الظاهري للمضيف حقًّا. فالفَرْق ملحوظ». كما تشير البحوث غير المنشورة إلى أنه إذا ما زُرعت البكتيريا البرازية المأخوذة من البشر المصابين بمتلازمة القولون العصبي المزمن، أو القلق في الفئران، فإن ذلك سيحرّض سلوكًا يشبه القلق، في حين أن ذلك لا يحدث في حالة زرع البكتيريا المأخوذة من البشر الأصحاء.

يمكن أن تُقابَل تلك النتائج بالتشكيك.. فمع تطوُّر هذا المجال، كما يقول نايت، كان على علماء الأحياء المجهرية التعلُّم من علماء السلوك أن طريقة التعامل مع الحيوانات وحَبْسها يمكن أن تؤثر على أشياء عدة، كالتدرج الاجتماعي، والإرهاق، إضافةً إلى الميكروبيوم.

تبدأ هذه التجارب ومثيلاتها بنموذج غير طبيعي إلى حد ما، هو فئران خالية من البكتيريا، تُولد بولادة قيصرية؛ لحمايتها من التقاط الميكروبات المستوطنة في قنوات الولادة لدى الأم. ومن ثم تُنَشّأ داخل عوازل معقمة، متغذيةً على طعام معقّم وهواء مُنَقَّى. وهكذا تُعْزَل الحيوانات عن عديد من الميكروبات الشائعة التي طوَّرتها أنواعها على مدى عصور.

في عام 2011، أظهر عالِم المناعة سفين بيترسون، وعالمة الأعصاب روتشيليز دياز هيتز ـ وهُمَا من معهد كارولينسكا في ستوكهولم ـ أن الفئران الخالية من البكتيريا تلك أبدت أثناء الفحوص المخبرية سلوكًا أهدأ من الفئران التي تستوطنها الميكروبات الداخلية الطبيعية3. (الهدوء ليس بالأمر الجيد دائمًا من الناحية التطورية بالنسبة إلى الثدييات صغيرة الحجم، المعرَّضة للعديد من الحيوانات المفترسة).

وعندما فحص أعضاء فريق كارولينسكا أدمغة الحيوانات، وجدوا أن الجسم المخطط ـ وهي منطقة في أدمغة الفئران الخالية من البكتيريا ـ كان يتميز بمعدَّل تبديل أعلى للكيميائيات العصبية الرئيسة المرتبطة بالقلق، التي تشمل الناقل العصبي «سيروتونين». كما أظهرت الدراسة أيضًا أن إدخال الفئران البالغة الخالية من البكتيريا إلى الأوساط العادية غير المعقمة فشلت في تطبيع سلوكها، لكن نسل هذه الفئران «المطبّعة» أظهر بعض العودة إلى السلوك العادي، مما يوحي بوجود مسافة حرجة تُظهِر خلالها الميكروبات أقوى تأثيرات ممكنة.

وبحلول ذلك الوقت، كان باحثون عديدون قد فُتنوا بالأدلة المتزايدة، إلا أن غالبية النتائج أتت من مجالات أخرى غير علم الأعصاب. تقول ميلاني جارو، عالمة الفسيولوجيا في جامعة كاليفورنيا بديفيس: «المجموعات التي تعمل على ذلك تتكون في الأساس من متخصصين في الجهاز الهضمي، مع تعاون قلة من أولئك الذين يركزون على علم النفس. لذا.. مالت النتائج إلى وصف التغيرات الطرفية والسلوكية، بدلًا من وصف تغيرات الجهاز العصبي المركزي».

دَفَعَت أبحاث بيترسون ودياز هيتز المجالَ قُدُمًا، مشيرة إلى أن الباحثين يمكنهم تجاوز الظواهر المرئية، انتقالًا إلى الآليات التي تؤثر على الدماغ. تقول نانسي ديزموند ـ إحدى العاملات بالبرنامج والمشارِكة في مراجعة المنح في المعهد الأمريكي الوطني للصحة الذهنية (NIMH) ـ إن البحث أثار اهتمام وكالة التمويل، بعد وقت قصير من نشره. وفي عام 2013، شكّل المعهد قسمًا مخصصًا لدراسة أبحاث علم الأعصاب، التي تهدف إلى كشف الآليات الوظيفية، وتطوير أدوية أو علاجات غير مُقتحمة؛ لعلاج الاضطرابات النفسية.

كما حصلت جوديث إيسن ـ عالمة الأعصاب في جامعة أوريجون في يوجين ـ على منحة لدراسة سَمَك الزرد الخالي من البكتيريا، الذي تسمح أَجِنَّته الشفافة للباحثين بمشاهدة نمو أدمغتها بسهولة. تقول إيسن: «إنّ كونها «خالية من البكتيريا» لهُوَ بالطبع وضع غير طبيعي تمامًا.. لكنها تقدِّم فرصة لمعرفة أيٍّ من الوظائف الميكروبية مهمة لتطور عضو ما، أو نوع معين من الخلايا».


 استكشاف كيميائي

في الوقت نفسه، كان الباحثون قد شرعوا في الكشف عن الطرق التي ربما تتمكن بواسطتها البكتيريا المعوية من إيصال إشارات إلى الدماغ.. فقد كشف بيترسون وزملاؤه أن نواتج أيض البكتيريا تؤثر على الفسيولوجيا الأساسية للحاجز الدماغي الدموي4 في الفئران البالغة. كما تقوم مجهريات البقعة بالقناة الهضمية بتفكيك مركبات الكربوهيدرات إلى أحماض دهنية ذات سلاسل قصيرة، إضافةً إلى إحداث مجموعة من التأثيرات، فمثلًا.. تقوّي بيوتيرات الأحماض الدهنية الحاجز الدماغي الدموي، عن طريق إحكام الترابط بين الخلايا (انظر: «اتحاد الأمعاء والدماغ»).

تثبِت أيضًا الدراسات الحديثة أن الميكروبات المعوية تغيّر بشكل مباشر مستويات الناقل العصبي، مما قد يمكِّنها من التواصل مع الخلايا العصبية. فعلى سبيل المثال.. نشرت إيلين سياو ـ عالمة الأحياء التي تعمل الآن في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجيليس ـ بحثًا5 هذا العام يدرس كيفية تعزيز نواتج أيضية معينة من الميكروبات المعوية لإنتاج السيروتونين في الخلايا المبطنة للقولون. وهو اكتشاف مثير، نظرًا إلى أن بعض الأدوية المضادة للاكتئاب تعمل عن طريق تعزيز السيروتونين في مناطق الاتصال بين الخلايا العصبية. وتسهم هذه الخلايا في %60 من كمية السيروتونين الطرفي في الفئران، وأكثر من %90 في البشر.

ووجدت سياو ـ مثل مجموعة كارولينسكا ـ أن الفئران الخالية من البكتيريا يحتوي دمها على مستويات من السيروتونين أقل بكثير، كما طرحت إمكانية استرجاع معدّلاته عن طريق إدخال البكتيريا المشَكِّلة للأبواغ إلى أمعائها (التي تسيطر عليها بكتيريا Clostridium، التي تفكك الأحماض الدهنية ذات السلاسل القصيرة). وبشكل معاكس، قَلَّ إنتاج السيروتونين في الفئران الطبيعية المحتوية على البكتيريا عند إعطائها المضادات الحيوية. وتقول سياو: «على الأقل مع تلك التلاعبات، تتضح تمامًا علاقة السبب بالتأثير»، لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كانت معدلات السيروتونين المتغيرة تلك في الأمعاء تحفِّز سلسلة من الأحداث الجزيئية، التي تؤثر بدورها على نشاط الدماغ، وما إذا كانت أحداث مماثلة تحدث في البشر أيضًا، أم لا. تقول سياو: «سيكون من المهم تكرار النتائج السابقة، وترجمتها في البشر؛ كي يصل الأمر إلى الكتب التعليمية».

«ما يتوفر الآن هو بمثابة تخمينات، أكثر من كونه بيانات مؤكَّدة».

أما جون كريان، عالِم أعصاب في جامعة كوليدج كورك في أيرلندا، فيرى أن هناك شكًّا بسيطًا في أنهم سينجحون، حيث أظهر6 مختبره أن الفئران الخالية من البكتيريا تنمي عددًا أكبر من الخلايا العصبية في منطقة محددة في الدماغ حين تبلغ، مقارنةً بالفئران العادية. وقد دأب على ترويج فكرة «اتحاد الأمعاء والدماغ» بين علماء الأعصاب، وباحثي العقاقير النفسية والعامة. ويقول: «إذا نظرتم إلى العلم القوي الخاص بالأعصاب، الذي ظهر في العام الماضي فقط، فإن جميع العمليات الأساسية التي يمضي علماء الأعصاب حياتهم في العمل عليها قد ثبت الآن أن الميكروبات تنظِّمها»، مشيرًا إلى الأبحاث المتعلقة بعملية تنظيم الحاجز الدماغي الدموي، وتخلُّق النسيج العصبي في الفئران، وتفعيل الدبق العصبي الدقيق.. وهي الخلايا المشابهة للخلايا المناعية التي تستوطن الدماغ والنخاع الشوكي.

في اجتماع عام 2015، الذي عقدته جمعية علم الأعصاب في شيكاغو بولاية إلينوي في شهر أكتوبر الماضي، قدّم كريان وزملاؤه بحثًا يُظْهِر أن عملية تكوّن الميالين ـ وهو الغلاف الدهني العازل للألياف العصبية ـ يمكِّنها أيضًا مِن أن تتأثر بالميكروبات المعوية، على الأقل في جزء معين من الدماغ. كما أظهرت تجارب7 غير متصلة أن الفئران الخالية من البكتيريا محمية من حالة مسبّبة تجريبيًّا، مشابهة لمرض التصلب المتعدد، تتميز بزوال الميالين الذي يغلف الألياف العصبية. وهناك شركة واحدة على الأقل، هي شركة «سيمبيوتكس بيوثيرابيز» Symbiotix Biotherapies في بوسطن بولاية ماساتشوستس، تدرس بالفعل ما إذا كان أحد نواتج الأيض التي تنتجها أنواع معينة من البكتيريا المعوية يمكن أن تُستخدم يومًا ما لتتبُّع مسبِّبات الدمار الذي يُحْدِثه مرض التصلب المتعدد في البشر.


 التوجه نحو العلاج

تظن تريسي بيل، عالمة الأعصاب في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، أن التدخلات البشرية البسيطة قد تكون مبرَّرة فعلًا.. فقد سمعت عن عمل كريان ببرنامج «راديولاب» (Radiolab) الإذاعي قبل ثلاث سنوات، حين كانت تُجْرِي بحثًا على المشيمة، وتساءلت حينها: كيف يمكن للميكروبات أن تتوافق في نموذج مصمَّم لدراسة كيفية تأثير إجهاد الأم على النسل؟

في بحث نُشر هذا العام8، عرّضت بيل إناث فئران حوامل للإجهاد؛ فوجدت أن ذلك أدَّى إلى خفض ملحوظ في مستويات بكتيريا Lactobacilli الموجودة في مهابل تلك الفئران، التي تشكل المصدر الرئيس للميكروبات التي تستوطن أمعاء النسل. وهذه التغيرات الميكروبية انتقلت إلى الفئران حديثة الولادة، التي وُلدت طبيعيًّا عن طريق المهبل. ومن ثم، رصدت بيل علامات تشير إلى أن مجهريات البقعة قد تؤثر على النمو العصبي، خاصة في الذكور.

وفي العمل الذي قدَّمته مجموعتها في اجتماع جمعية علم الأعصاب، أظهرت بيل أن تغذية الفئران حديثة الولادة، المولودة قيصريًّا بمجهريات البقعة المهبلية المأخوذة من الفئران المعرّضة للإجهاد ستمكِّنها من إعادة تأثيرات النمو العصبي في الأم المُجْهَدة. وتستعد بيل وزملاؤها لإنهاء بحْث يحقِّق فيما إذا كان بوسعهم علاج الفئران المولودة من أمهات مُجْهَدة بمجهريات البقعة المهبلية الخاصة بالفئران غير المجهَدة، أم لا.

ترى بيل أن لهذا العمل «آثارًا تطبيقية فورية»، كما تشير إلى مشروع ترأسه ماريا دومينجيز-بيلو، أخصائية الأحياء المجهرية بكلية الطب في جامعة نيويورك، يتم فيه مسح أفواه وجلود الأطفال الذين يُولدون ولادة قيصرية بقطعة من الشاش، بعد مسحها بمهبل أمهاتهم. يريد الفريق بذلك الفعل دراسة ما إذا كان النسل ستظهر فيه مجهريات البقعة المماثلة لتلك الموجودة في الأطفال الذين يُولدون طبيعيًّا، أم لا. تقول بيل: «هو ليس معيارًا للعناية.. لكني أراهن على أنه سيكون كذلك يومًا ما».

ومع ذلك كله.. لا يزال الكثيرون يشككون في علاقة الميكروبات بالسلوك، وما إذا كانت ستثبت أهميتها في صحة الإنسان، أم لا، إلا أن العلماء يَبدون أكثر ميلًا الآن للاحتفاء بالفكرة عن ذي قبل. ففي عام 2007، على سبيل المثال، أشار فرانسيس كولينز ـ الذي يشغل الآن منصب رئيس المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة ـ إلى أن مشروع الميكروبيوم البشري ـ وهو بمثابة دراسة واسعة النطاق تُجرى على الميكروبات التي تستوطن البشر ـ قد يساعد في الكشف عن اضطرابات الصحة الذهنية. ويقول عنه: «فاجَأ الأمر بالفعل عددًا قليلًا ممن افترضوا أننا كنا نتحدث عن أشياء ذات صلة بالأمعاء، أكثر من صلتها بالدماغ. كانت بمثابة قفزة مدعومة، لكن صاحَبها نوعٌ من التردد».

تدعم وكالات التمويل المجال الناشئ، الذي يشمل علوم المناعة، والأحياء المجهرية والأعصاب، إلى جانب تخصصات أخرى. وعرض المعهد الأمريكي الوطني للصحة الذهنية تمويلًا تأسيسيًّا؛ للعمل على أنظمة نموذجية، وعلى البشر؛ لاستكشاف ما إذا كان المجال جديرًا باستثمار أكبر، أم لا، وهي خطوة جلبت بالفعل المزيد من الباحثين إلى الحلبة.

ويحظى مشروع «ماي نيو جات» في أوروبا بنظرة أكثر تفاؤلًا لقيمة هذه البحوث، التي تسعى بشكل خاص إلى توصيات غذائية صلبة، قد تخفف من الاضطرابات ذات الصلة بالدماغ.

واليوم، يقدم مشروع «نيكماير» ـ الذي تجريه على الرضع ـ ما تسميه «نوعًا من العينات الفوضوية التي تقبّلها الجميع». ومن بين المناطق الدماغية التي تفحصها، تستحوذ اللوزة والقشرة الأمامية الجبهية على أقصى اهتمام منها؛ وقد تأثر الاثنان بتغيُّر مجهريات البقعة في نماذج القوارض، لكن جمْع هذه البيانات مع عشرات التدابير الأخرى التي تتبعها مع الفئران حديثة الولادة سيشكل تحديًا. والسؤال الأهم هو: «كيف تتعامل مع كل العوامل المربكة؟»... نظام الأطفال الغذائي، وحياتهم المنزلية، والعوامل البيئية الأخرى التي يتعرضون لها. كل ذلك يمكنه أن يؤثر على مجهريات البقعة الخاصة بهم، وعلى نموهم العصبي، ويجب أن تُدرس كلٌّ على حدة.

تقدِّر نيكماير أن العبث بالميكروبات المعوية البشرية لعلاج الاضطرابات الذهنية قد يفشل لأسباب أخرى. فكيف يمكن مثلًا للميكروبات أن تتفاعل مع الجينوم البشري؟ حتى لو تمكَّن العلماء من العثور على نسخة علاجية من «كاديلاك المجهريات الذهبية»، كما تسميه، «قد يرفضها جسمك، ويعود إلى نقطة البداية، لأن جيناتك تعزِّز أنواعًا معينة من البكتيريا». ولا يزال هناك الكثير مما يجب كشفه، كما تقول. وتضيف: «تعتريني الدهشة باستمرار.. فالأمر رحب الأفق جدًّا، ويشبه فكرة «الغرب المتوحش» بعض الشيء».

  1. Marshall, J. K. et al. Gut 59, 605–611 (2010).

  2. Bercik, P. et al. Gastroenterology 141, 599–609 (2011).

  3. Diaz Heijtz, R. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 3047–3052 (2011).

  4. Braniste, V. et al. Sci. Transl. Med. 6, 263ra158 (2014).

  5. Yano, J. M. et al. Cell 161, 264–276 (2015).

  6. Ogbonnaya, E. S. et al. Biol. Psychiatry 78, e7–e9 (2015).

  7. Lee, Y.-K., Menezes, J. S., Umesaki, Y. & Mazmanian, S. K. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 4615–4622 (2010).

  8. Jašarević, E., Howerton, C. L., Howard, C. D. & Bale, T. L. Endocrinology 156, 3265–3276 (2015).