افتتاحيات

ما بعد مؤتمر «أسيلومار»

لم تَعُدْ المؤتمرات التي تُعقد تحت إشراف العلماء تمثل الطريقة الأفضل لحَسْم المناقشات حول البحوث المثيرة للجدل.

  • Published online:

في عام 1975، اجتمع حوالي 150 عالِمًا في منتجع «أسيلومار» في شبه جزيرة مونتيري الصخرية بكاليفورنيا، لمناقشة عِلْم خَلْط الحمض النووي من الكائنات الحية المختلفة، حيث كان عِلْمًا حديث العهد بالوجود آنذاك. وحتى ذلك الحين، لم يكن العلماء قد أجروا الخطوات الأخيرة من هذه التجارب، بسبب المخاوف المتعلقة بالسلامة والأخلاقيات. وبعد ثلاثة أيام من المناقشات، اتفق الحاضرون على وضع قيود اختيارية على أبحاث الحمض النووي المُعاد تركيبه، وقاموا بصياغة وثيقة، عرضوا فيها قائمة بالمخاطر المحتمَلة لهذه التجارب، وكيفية القيام بها بصورة آمنة.

يُنظَر إلى هذا الاجتماع باعتباره المرة الأولى التي ينجح فيها العِلْم في تصحيح مساره بنفسه، عن طريق تلافيه للتدخل الحكومي، وتهدئته للمخاوف العامة، عن طريق معالجة مَواطن القلق المتعلقة بالسلامة الحيوية مباشرة. واليوم، لا يكتمل جدل علمي، دون المطالبة بعقد مؤتمر على غرار مؤتمر «أسيلومار». ويؤكد أنصار هذه الدعوة أنه حتى يتسنى تحقيق ذلك على أرض الواقع، يتعين على الباحثين عدم الاستمرار على أساس افتراضات محفوفة بالمخاطر.

في السياق ذاته، أشارت جميع المناقشات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والأسلحة ذاتية التشغيل، والهندسة الجيولوجية، واستخدام تكنولوجيا تحرير الجينات، إلى مؤتمر "أسيلومار" كنموذج مفيد يجب أن يُحتذى به (ذهب المهندسون الجيولوجيون إلى أبعد من ذلك، حيث عقدوا لقاءاتهم في «أسيلومار»). وفي شهر أكتوبر الماضي، قام مجموعة من العلماء، والمبرمجين، والفنانين، ورجال الأعمال، ومصممي ألعاب الفيديو، بنشر كود الغلاف الحيوي Biosphere Code؛ بغرض حماية الأشخاص وكوكب الأرض من التأثير السلبي لخوارزميات الحاسوب، حيث صُممت بعد سلسلة من النقاشات التي عُقدت في ستوكهولم، على غرار مناقشات «أسيلومار».

يبقى السؤال: هل يستحق مؤتمر «أسيلومار» هذه السمعة التي حققها؟ لقد ضم المؤتمر ـ الذي اقتصر على أصحاب الدعوات فقط ـ عددًا قليلًا من الصحفيين وصناع القرار، ولم يتسع للعناصر الأخرى خارج دائرة المجتمع العلمي. كما تبين مؤخرًا أن غالبية احتياطات السلامة الصادرة عنه ربما كانت تتسم بقَدْر ملحوظ من المبالغة. وفي هذا الصدد.. يقول عالِم الأخلاقيات الحيوية، جوناثان مورينو: «لقد تحوَّل مؤتمر أسيلومار في أذهان الناس إلى "وودستوك" علم الأحياء، أي العصر الذهبي؛ فقد نسي الناس كم كانت مدينة وودستوك غارقة في الوحل».

لكن العلم الحديث لا يزال أكثر غرقًا في الوحل؛ حيث إنه في عام 2008، ذكر أحد المقالات بدورية Nature إقرار بول بيرج ـ منظِّم مؤتمر أسيلومار ـ بأنه من الصعب عقد مثل هذا المؤتمر الآن (p. Berg Nature 455, 290 – 291; 2008)، فقد استسلم بيرج وزملاؤه في عام 1975 للمخاوف الصادرة عن مجتمعهم المترابط، واستطاعوا أن يتحمّلوا وَقْف أبحاثهم، لاقتناعهم بأن التكنولوجيا غير قادرة على تحقيق أي تقدُّم في هذه الأثناء، ولكن ـ كسائر الأشياء في القرن الواحد والعشرين ـ أصبح العلم شأنًا عالميًّا. وصار عدد كبير من الباحثين يتمتعون بوصول غير مقيَّد إلى المعلومات والأدوات سهلة الاستخدام، التي تزداد سهولة بمرور الوقت، مما أدى إلى وجود الكائنات «الاصطناعية»، وفيروسات الأنفلونزا المُعزَّزة، والأجِنّة البشرية المعدَّلة وراثيًّا، بغض النظر عن استعداد العالَم لاستقبالهم، أو عدم استعداده. وحتى لو نجح الباحثون في تدمير هذه الاكتشافات، فإن الإرشادات الخاصة بإنتاجها سوف تجد طريقها إلى شبكة الإنترنت، التي تمثل تكنولوجيا أكثر انتشارًا وخروجًا عن السيطرة من أي كيان حيوي.

«عندما يظهر الجدل في الأفق، يتعيَّن على العلماء الانفتاح على العالَم الخارجي».

كما أن العلم الحديث صار أقل انعزالًا مما كان عليه في الماضي؛ مما قد يجعل مؤتمر «أسيلومار» يقام منعزلًا هنا أو هناك عرضةً للضياع وسط الضجيج. وإضافة إلى ذلك.. شهدت العقود الأربعة الماضية ظهور أطراف فاعلة جديدة على الساحة، مثل صناعة التكنولوجيا الحيوية القوية، التي تخضع ـ جزئيًّا على الأقل ـ لحسابات الربح والخسارة؛ وكذلك الحكومة الأمريكية المستقطِبة على نحو غير مسبوق في التاريخ، التي يمكنها تحويل أي تكنولوجيا جديدة إلى سلاح سياسي؛ وكبح جماح حزمة الجماعات الدينية والناشطين الذين استعرضوا عضلاتهم لوَقْف بحوث الخلايا الجذعية الجنينية والكائنات المعدلة وراثيًّا عن المضيّ قدمًا.

تقوم كل جهة من هذه الجهات بتصوير الأمر، والتفاعل مع الرأي العام بصورة منفصلة عن الجهات الأخرى، بينما يتجاهل العلماء الذين يرغبون في التنظيم الذاتي الغضبَ الشعبي العارم من المخاطر المحدِقة؛ حيث ستعوق الضوابط التنظيمية ـ التي يفرضها السياسيون الذين يسعون إلى كسب توافُق الجماهير ـ أيَّ تقدم علمي، وذلك بشكل أكثر تأثيرًا من أي تعليق اختياري للأنشطة، كما قد يتسبب فَهْمهم السطحي في إلحاق الضرر بالمجالات ذات الصلة.

عندما يظهر الجدل في الأفق، فلا يتعين على العلماء المطالبة بعقد مؤتمر «أسيلومار» من جديد، الذي كان في السابق مغلقًا أمام المشاركة الجماهيرية على أي حال، بل يتعين عليهم تجاوز حدود عالمهم الضيق، والانفتاح على العالم الخارجي. كما يجب أن تمتد المناقشات إلى ما هو أبعد من دوائر الباحثين وعلماء الأخلاق؛ لتشمل القاعدة الجماهيرية العريضة، أو تصل إليها، على الأقل. كما تمثل المشاركة الفعالة مع وسائل الإعلام الجماهيرية أمرًا أساسيًّا؛ إذ لا قيمة على الإطلاق للبث الشبكي عن طريق الإنترنت، مهما بلغت درجة شفافيته، إذا كانت أخبار هذا الاجتماع قاصرة على حفنة من الأفراد المتابِعين بالفعل.

يبقى إيصال مخاطر ومنافع هذه البحوث المثيرة للجدل للجمهور بشفافية وبطريقة مسؤولة هو الأمر الأكثر أهمية على الإطلاق؛ ولذا.. يحب أن تتجنب مناقشات تحرير الأجنة ـ على سبيل المثال ـ أي إشارات غير مفيدة بشأن الشخصيات المعدَّلة وراثيًّا في فيلم «جاتاكا» Gattaca، الذي تم إنتاجه في عام 1997، أو الطعن الخفي في المعايير الأخلاقية للباحثين غير الغربيين.

كما يجب أن يستفيد أي مؤتمر حديث ـ على غرار مؤتمر «أسيلومار» ـ من ذلك الطيف الواسع من الخبرات والتقنيات المتاحة الآن. فقد كانت بعض الجهات الاستشارية، مثل لجنة الأكاديميات الوطنية الأمريكية المختصة بالبحوث التي تضمّنت تعزيز فيروس الأنفلونزا، تمتلك من بُعْد النظر والتخطيط المدروس ما جعلها تضم خبراء في الاقتصاد وعلوم المستقبل، بغرض وضع تحليلات وسيناريوهات المخاطر والمنافع بصورة واقعية. كما يمكن أن تتضمن بعض الاستراتيجيات الأخرى مناهج المناورات الحربية الشبيهة بمناورة «الشتاء المظلم»، التي أُجريت في عام 2001، وقامت فيها وسائل الإعلام الأمريكية ومسؤولون حكوميون وخبراء في الصحة وفِرَق عسكرية بمحاكاة هجوم إرهابي حيوي؛ لاكتساب القدرة على توقُّع المشكلات التي يمكن أن تنجم عن ذلك.

في الأسبوع التالي لمؤتمر «أسيلومار»، الذي عُقد في عام 1975، تَصَدَّر الممثل تيلي سافالاس ـ نجم المسلسل البوليسي «كوجاك» Kojak ـ مؤشرات التسجيلات الموسيقية البريطانية بنسخة صوتية من قصيدة «إذا» If بواسطة فريق الروك "بريد" Bread. وقد خطى العالَم خطوات واسعة منذ ذلك الحين، ولا بد للعِلْم أن يحذو حذوه.