أنباء وآراء

فيزياء فلكية: حركات مذهلة السرعة في قرص غبار

تم استعمال جهاز حديث، للبحث عن كواكب؛ لدراسة منظومة شمسية يافعة حول النجم ("إيه يو ميكروسكوبي"). وأدّى البحث إلى اكتشاف أنماط متحركة بسرعة في قرص غبار حول النجم.

مارشال بيرين
  • Published online:

تتدلى في السماء الجنوبية الكوكبة النجمية "ميكروسكوبيوم" Microscopium، (الميكروسكوب)، وهي واحدة من عدة كوكبات ثانوية سُميت بأسماء أجهزة علمية في القرن الثامن عشر. ومن خلال استخدام أجهزة أكثر تطورًا، رصد بوكاليتي وزملاؤه1 بوضوح أفضل منظومة شمسية يافعة تقع ضمن تلك الكوكبة، وتتوجه إلى حلقة حطام غبارية حول النجم "إيه يو ميكروسكوبي" (AU Mic). وتتوافق دقة وضوح الأرصاد التي أُجريت من الأرض على قرص الحطام، مع الدقة الذي تمت بها رؤيته سابقًا من خلال تليسكوب "هابل"، بل وتتجاوزها دقةً في بعض الأرصاد. وعندما قارن الباحثون الصور الجديدة مع بيانات تليسكوب هابل القديمة، اكتشفوا عدة مناطق محلية ذات سطوع أشد، ربما كانت غيومًا، أو تجمعات من الغبار، حيث تتحرك هذه المناطق للخارج مبتعدة عن النجم بسرعة مذهلة، وهذا على مسارات توحي بأن الغيوم قد تفلت من مدى تأثير النجم، متجهة إلى الفضاء بين النجمي.

ومنذ عشرين عامًا، أعلن فلكيون اكتشاف كوكب يدور حول نجم يشبه الشمس2، مطلِقِين بذلك ثورة، أدّت إلى اكتشاف آلاف الكواكب ذات الخصائص المذهلة بتنوعها خارج مجموعتنا الشمسية، إلا أن الغالبية العظمى من تلك الاكتشافات حدثت على نحو غير مباشر، وذلك غالبًا عن طريق قياس تغيرات طفيفة في ضوء النجم المضيف، يمكن منها استنتاج وجود كوكب.

أما التصوير المباشر لأي شيء يدور بالقرب من نجم، فيمثل تحديًا رصديًّا مُحبطًا. فحتى الكواكب الكبيرة التي تناظر كوكب المشتري حجمًا، تبدو أكثر خفوتًا بمئات آلاف، أو ملايين المرات من النجوم المقترنة بها، ويمكن أن تضيع بسهولة عن نظرنا ضمن وهج ضوء النجم المتناثر، لكن ذلك التحدي جدير بالتصدي له، لأنه إذا كان من الممكن رؤية شيء مباشرة، سيمكن بالتبعية قياس طيفه الذي يمكِّننا من إجراء توصيف فيزيائي تفصيلي له. وينطبق الشيء نفسه على حلقات الحطام الغباري، التي يمكن أن تنجم عن تبخُّر مُذَنّبات، أو تحطُّم كويكبات تصادمي. وقد عرفنا ـ من خلال مسح السماء برُمّتها بالأشعة تحت الحمراء ـ أن أقراص الحطام تلك شائعة الوجود، إلا أن نسبة صغيرة منها فحسب يمكن رؤيتها مباشرة.

يستضيف النجم "إيه يو ميكروسكوبي" قرصًا من هذا النوع، كان قد جرى تصويره أول مرة قبل أكثر من عقد من الزمان3. ومقارنة بالنجوم الوسطية المعتادة، فإن هذا النجم صغير، وهو يعتبر قريبًا ويافعًا، حيث إن كتلته تساوي نصف كتلة الشمس، ويبعد عنا بمقدار 10 فراسخ فلكية (32 سنة ضوئية)، ويُقدَّر عمره بحوالي 25 مليون سنة. وقد أوضحت الأرصاد4 أنه محاط بحزام من الكواكب الصغيرة، قطره يساوي نحو 40 وحدة فلكية (الوحدة الفلكية هي مسافة بُعد الأرض عن الشمس)، ويشابه حزام كايبر في منظومتنا الشمسية. وتؤدي التصادمات التي تحدث من وقت إلى آخر بين تلك الكواكب الصغيرة في قرص النجم "إيه يو ميكروسكوبي" إلى تحرير جسيمات غبار تدفعها الريح النجمية بعيدًا نحو الخارج. ولذلك الغبار كتلة كُلِّيَّة تساوي كتلة القمر تقريبًا، وهو دقيق الحُبَيْبات ومنتشر في حيز واسع. وعلى غرار غبار مجموعتنا الشمسية، فإن توزيعه غير متجانس، فالقرص حول النجم "إيه يو ميكروسكوبي" يحتوي على تكتلات، فسَّرها البعض5-8 على أنها إشارات إلى وجود كوكب غير مرئي يستحث حركة الأجسام الأصغر.

تم ضم منظومة التصوير "سْفير" إلى "التليسكوب الكبير جدًّا في شيلي". و(سْفير هو الصندوق الأسود الموجود في أسفل يمين الصورة). وقد استعمل بوكاليتي وزملاؤه1 هذا الجهاز؛ لتصوير قرص الغبار حول النجم "إيه يو ميكروسكوبي".

كبر الصورة


أدَّى هذا الدليل المثير إلى أن يصبح النجم "إيه يو ميكروسكوبي" أحد أوائل أهداف جهاز "سْفير" SPHERE؛ (جهاز القياس شديد التباين للاستقطاب الطيفي للبحث عن كواكب خارج المجموعة الشمسية؛ الشكل 1)، وهو جهاز غرضه البحث عن كواكب، وذلك بعد بدء عمل الجهاز مباشرة في عام 2014. إن جهاز "سْفير" هو منظومة تصوير متخصصة "شديدة التباين"، مصممة لتمكين "التليسكوب الكبير جدًّا" في شيلي من التصويب باتجاه نجم ساطع، مع حجب ضوء ذلك النجم كله تقريبًا، ومن ثم السماح برؤية المنطقة القريبة المحيطة به. تُستعمل في هذا الجهاز الذي تم تطويره خلال العقد السابق مجموعة من تقنيات القياس الضوئية، والطيفية، والتحليلية المعقدة، وكان الغرض منه التمكين من كشف ضوء أكثر خفوتًا من ضوء النجم المضيف، بما يصل إلى مليون مرة.

فهل حقق جهاز "سْفير" المتوقع منه؟ يقدِّم بوكاليتي وزملاؤه دليلًا إيجابيًّا مقنِعًا على ذلك من أرصادهم للنجم "إيه يو ميكروسكوبي". فبياناتهم جميلة ولافتة، وهي تتوافق مع صور تليسكوب "هابل" من حيث وضوح البنية الدقيقة، وتتجاوز صور "هابل" من حيث المقدرة على التحديق عن كثب في النجم المركزي، إلا أن ما كان غير متوقع بالتأكيد هو ما رأوه حول النجم "إيه يو ميكروسكوبي"، حيث قامت غيوم الغبار المتكتل الممتدة على معظم القرص في الجنوب الشرقي من النجم بالتحرك مبتعدة إلى الخارج خلال السنوات القليلة السابقة بمقدار يقع بين 3 و8 وحدات فلكية لكل منها (انظر الشكل 1 من المرجع 1).

دفعت هذه النتيجة غير المتوقَّعة بالفريق إلى العودة إلى بعض بيانات تليسكوب هابل السابقة، وتحليلها بمزيد من التأني. فبتحليل منفصل لمجموعتي بيانات كانتا قد ضُمتا معًا من قبل، وجدوا أنه يمكن رؤية الحركة نحو الخارج أيضًا في بيانات تليسكوب هابل فيما بين عامي 2010، و2011. ومع أنه من المفهوم تمامًا أن حُبيْبات الغبار المفردة يمكن أن تُدفع تدريجيًّا إلى خارج المنظومة، فإنه يُتوقَّع أن تكون تلك الحركة عملية مستقرة مستمرة نسبيًّا، وليست شيئًا يمكن أن تنتج عنه سلسلة من غيوم غبار متقطعة تمتد على مسافة ظاهرية تساوي قطر منظومتنا الشمسية، وتتحرك نحو الخارج في أنماط متناسقة. وإضافة إلى ذلك.. أن السرعة المرصودة تزداد خطيًّا تقريبًا مع البُعد الظاهري عن النجم، من 4 حتى 10 كيلو مترات في الثانية، وأن حركة التكتلات الموجودة في أقصى الخارج سريعة بقدر كاف لاستبعاد حدوث مدارات مقيدة حول النجم. ويبدو أن تلك الغيوم تندفع مبتعدة إلى الفضاء ما بين النجمي.

يقر الباحثون ببساطة أنهم لا يمتلكون تفسيرًا وافيًا لما يحدث، ولكنهم يقدمون عدة فرضيات ممكنة، ومنها وجود أمواج رنين من الغبار مدفوعة بواسطة كوكب غير مرئي، أو وجود حطام متبقي من اصطدامات كويكبات كبيرة الكتلة، أو وجود مادة ملفوظة من حلقة حطام ناجمة عن انفجارات نجمية دورية، إلا أنه لا توجد أي فرضية من هؤلاء مُرْضِية تمامًا، لكن إحدى الأفكار عالية الاحتمال هي أن الانفجارات النجمية تتفاعل مع مجال مغناطيسي كوكبي (منطقة تتأثر فيها الجسيمات المشحونة بالمجال المغناطيسي للكوكب)، أو تتفاعل مع حلقة محيطة بكوكب، مثل تلك المحيطة بكوكب زحل، وحينئذ يمكن لحركة الكوكب المدارية المتوقعة حول النجم أن تفسر الاختلافات بين سرعات الغيوم. لذلك.. فإن استقصاءات إضافية لقرص الحطام حول النجم "إيه يو ميكروسكوبي" تمثل بالتأكيد أولوية كبيرة لجهاز سْفير، حتى عندما يكون قيد الاستعمال التام لدراسة عينة كبيرة من الأهداف.

وجهاز سْفير ليس الخيار الوحيد المتاح للتصوير شديد التباين. فخلال السنوات القليلة الماضية، غدت الأجهزة من هذا النوع متوفرة في كثير من التليسكوبات الكبيرة، ولكل منها قدراتها وتخصصاتها. وفي الواقع، جرى رصد منظومة النجم "إيه يو ميكروسكوبي" أخيرًا أيضًا بواسطة "مصوِّر الكواكب جيميني" Gemini Planet Imager في تليسكوب جيميني الجنوبي بدولة شيلي9، برغم أن مجال رؤية هذا الجهاز أصغر من أن يسمح برؤية التكتلات الخارجية عالية السرعة، التي اكتشفها جهاز سْفير. وثمة منافسة إضافية تأتي من عدة أجهزة أخرى تكشف موجات أشعة تحت حمراء أطول قليلًا ـ يعمل جهاز سْفير في مجال الطيف المرئي ومجال طيف الأشعة تحت الحمراء القريب ـ يمكن عندها أن تكون الكواكب أكثر سطوعًا، وكذلك تكون متطلبات المنظومات الضوئية التكيفية أقل صرامة، لكن حتى باستعمال أحدث الأجهزة وبإجراء عمليات مسح كبيرة، فإن التحدي الكامن في تصوير الكواكب كبير جدًّا إلى درجة أن عددًا قليلًا منها فحسب يمكن أن يُرى خلال السنوات القليلة المقبلة. ومن المرجح أن تبقى الحالات من نوعية حالة النجم "إيه يو ميكروسكوبي" ـ التي يمكن فيها تصوير الأقراص بتفصيل كبير من دون رؤية أي كواكب محيطة ـ حالة أكثر شيوعًا من حالات الكواكب التي يمكن تصويرها مباشرة. لذا.. فإن من حسن طالع الفلكيين، أن الأقراص المحيطة بالنجوم ما زالت تنطوي على مفاجآت، مثل أنماط الغبار سريع الحركة حول النجم "إيه يو ميكروسكوبي".

  1. Boccaletti, A. et al. Nature 526, 230–232 (2015).

  2. Mayor, M. & Queloz, D. Nature 378, 355–359 (1995).

  3. Kalas, P., Liu, M. C. & Matthews, B. C. Science 303, 1990–1992 (2004).

  4. Strubbe, L. E. & Chiang, E. I. Astrophys. J. 648, 652–665 (2006).

  5. Liu, M. C. Science 305, 1442–1444 (2004).

  6. Metchev, S. A., Eisner, J. A., Hillenbrand, L. A. & Wolf, S. Astrophys. J. 622, 451–462 (2005).

  7. Krist, J. E. et al. Astron. J. 129, 1008–1017 (2005).

  8. Fitzgerald, M. P., Kalas, P. G., Duchêne, G., Pinte, C. & Graham, J. R. Astrophys. J. 670, 536–556 (2007).

  9. Wang, J. J. et al. Astrophys. J. Lett. (in the press); preprint at http://arxiv.org/abs/1508.04765 (2015).