أنباء وآراء

ملاريا: خَمـس عشـرة سنـة من التدخُّـلات

كشفت جهود النمذجة الشاملة عن الإسهامات النسبية للإجراءات المختلفة في السيطرة على الملاريا، وما نتج عنها من انخفاض شديد في انتشار المرض في الفترة الممتدة بين عامي 2000، و2015.

جانيت هيمنجواي
  • Published online:

في عام 1978، عندما بدأْتُ العملَ على الأمراض المنقولة بالحشرات، كان هناك طفل يتوفى بسبب الملاريا كل ست ثوان. واليوم، وعلى الرغم من أننا أحرزنا تقدمًا كبيرًا، فمن غير المقبول أنه لا يزال هناك طفل يتوفى كل دقيقة بسبب هذا المرض. هناك ما يقدَّر بـ600,000 حالة وفاة سنويًّا، تحدث غالبيتها العظمى في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ولإنقاص عبء الملاريا أكثر، في محاولة للقضاء على المرض بالنتيجة، فإننا نحتاج إلى أن نتمكن من وصف إسهامات التدخلات المختلفة، واستخدام هذه المعلومات لتحسين جهودنا. يقدّم بات وزملاؤه1 أول نماذج موثوقة مستمدَّة من البيانات؛ لتقدير التأثير النسبي للعلاجات الدوائية المركّبة، ولاستراتيجيات مكافحة البعوض على الحالات الإكلينيكية للملاريا في أفريقيا منذ عام 2000.

يختلف رأي الخبراء حول المزايا النسبية للتدخلات في الملاريا إلى حدّ كبير، وعلى مدى نصف القرن الماضي كانت هناك تحولات كبرى في التركيز والتطبيق العملي للأساليب المعتمِدة على الأدوية ومبيدات الحشرات. وقد اعتمدت الجهود الرامية إلى القضاء على الملاريا بقيادة منظمة الصحة العالمية في ستينات القرن العشرين على كل من العلاج الدوائي بالكلوروكين، والرش الثُماليّ داخل المباني بمادة الديكلورو ديفنيل ترايكلورإيثان (DDT)، و(هذا ينطوي على رش الجدران الداخلية للمنازل بالمبيد الحشري). إن فشل هذه الجهود، الذي عُزِي بطرق مختلفة إلى مقاومة الأدوية والمبيدات الحشرية، ونقص الموارد، وغياب الإرادة السياسية لدعم التنفيذ الفعال، أدَّى إلى تحول دراماتيكي للنهج المتبّع في أفريقيا. فقد تم التخلِّي ـ إلى حد كبير ـ عن مكافحة البعوض، مقابل تحسين فرص الحصول على علاج سريع بأدوية فعّالة، مشفوع بوقاية دوائية متقطعة للمجموعات السكانية المعرَّضة للخطورة بشكل خاص.

في عام 2000، تحوَّل حجم النشاط والتركيز على التدخّلات المختلفة في الملاريا مجددًا في أفريقيا. ففي البدء، كان هناك الاعتماد على الناموسيات المشبَّعة بالبيريثرويد، المبيد الحشري طويل الأمد، مع توزيع هذه الناموسيات على نطاق واسع مجانًا، أو لقاء مقابل مخفَّض للمجموعات السكانية (المعرّضة للخطر)، ثم استُكملت مكافحة البعوض أيضًا في عام 2005، بدعم من مبادرة الرئيس الأميركي للملاريا، التي أعادت الرش الثُماليّ داخل المباني في 15 من البلدان ثقيلة العبء في جميع أنحاء القارة. كما استبدل العلاج الفاشل بعقاقير الخط الأول بتوليفات علاجية تعتمد على الأرتيميسينين (ACTs) في 79 بلدًا بحلول نهاية عام 2013.

استعدّ بات وزملاؤه لوضع نموذج تأثير هذه التدخلات منذ عام 2000، عن طريق جمع أكبر مجموعات البيانات العالمية المنشورة وغير المنشورة، التي جرى تحليلها في وقت ما. لم يتمكنوا من استخدام عدد الوفيات الناجمة عن الملاريا لهذه النمذجة، لأن كمية ونوعية هذه البيانات في الأماكن الأفريقية المختلفة لم تكن كافية. وكان المقياس الأكثر إتاحة هو معدل انتشار طفيليات الملاريا بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و10 سنوات، وهكذا استخدم الباحثون عدد الحالات الإكلينيكية للملاريا التي تم تفادي حدوثها، بدلًا من عدد الوفيات التي تم تفادي حدوثها، كمؤشر للإنتاج. واستخدم الباحثون المتعاونون، ومن بينهم أعضاء من بعضٍ من أفضل مجموعات النمذجة المرضية في العالم، ثلاثة نماذج مستقلة لانتقال الملاريا؛ من أجل وضع خرائط جغرافية مكانية مغايرة للواقع، أي أنهم قدّروا كَمْ من الممكن أن تكون معدلات انتشار طفيلي الملاريا في غياب كل طريقة تدخُّل.

يقدِّر بات وزملاؤه1 أن %68 من التناقص الكبير في حالات الملاريا الإكلينيكية في أفريقيا بين عامي 2000، و2015 يُعزَى إلى استعمال الناموسيات المشبَّعة بمبيدات الحشرات.

كبر الصورة


يقدِّر المؤلفون أن هناك 663 مليون حالة إكلينيكية من مرض الملاريا أمكن تجنّب حدوثها بين عامي 2000، و2015 (الشكل 1). ويرجع معظم هذا التحسن (%68) إلى الناموسيات، وتحقق %22 منها بفعل التوليفات العلاجية المعتمِدة على الأرتيميسينين، و%10 إلى الرش الثُماليّ داخل المباني. وعلى الرغم من تأثر هذه الأرقام بتوقيت وسرعة وحجم إجراء كل تدخُّل، فإن التأثير الهائل للتدخلات المكافحة للبعوض سيأتي بمثابة مفاجأة للكثيرين، الذين يعتقدون أن التحسّنات قد حدثت في الدرجة الأولى بسبب إدخال التوليفات العلاجية المعتمِدة على الأرتيميسينين2.

وخلال الفترة نفسها، التي دامت 15 عامًا، انحفضت معدلات الإصابة بالملاريا إلى نصفها، مع حدوث ثلاثة أرباع هذا التحسن في العقد الماضي. وعلى الرغم من ضرورة الإشادة بهذا التحسن الهائل في مجال مكافحة الملاريا، إلا أن هذه الدراسة تقدِّم تحذيرًا مناسبًا ضدّ التراخي. فقد تباطأ معدل التحسن إلى %5 سنويًّا في عام 2013.والملاريا مرض مُعدٍ، يمكنه استعادة نشاطه بسهولة. ومع انتقالنا من عصر الأهداف الإنمائية للألفية للأمم المتحدة ـ التي حددت أهدافها في مكافحة الملاريا، والحدّ من وفيات الأطفال، والتي كانت المحرّض للكثير من هذا النشاط ـ إلى الأهداف الإنمائية المستدامة، الأكثر توجّها نحو تحسين النظم الصحية والخدمات الصحية، نجد أنفسنا بحاجة إلى صيانة وتعزيز أنشطة مكافحة الملاريا. وما زال تحقيق هدف التغطية الشاملة بالناموسيات للمجموعات السكانية المعرّضة للخطر حلمًا بعيد المنال، فالناموسيات التي جرى توزيعها قبل عام 2012 أصبحت بحاجة إلى الاستبدال الآن، والتدخلات الثلاثة جميعها مهدَّدة بشكل متزايد بتطور مقاومة البعوض للمبيدات الحشرية، أو مقاومة الطفيلي للأدوية. إن المقاومة تجاه التوليفات العلاجية المعتمِدة على الأرتيميسينين موثَّقة بشكل جيد في جنوب شرق آسيا، وسيكون انتشارها على نطاق واسع في أفريقيا3 كارثيًّا إذا ما حدث. على أي حال، فإن التهديد الأكبر قد يأتي من الزيادة السريعة في مقاومة البيروثرويد التي حدثت في نوعين4 رئيسين من أنواع البعوض الأفريقي الناقل للملاريا.

يمكن الكشف عن مقاومة الأدوية بسرعة، لأن العاملين في المجال الصحي والمرضى يمكنهم التعرف فورًا على العلاج الفاشل، ولكن فشل البعوض في التجاوب مع المبيدات الحشرية أقل وضوحًا، وستكون المقاومة قد انتشرت على نطاق واسع في أسراب البعوض قبل ظهور زيادة مرافقة في أعداد حالات الملاريا وأعداد الوفيات. لقد بدأت بالفعل الجهود الدولية في محاولة لوقف انتقال طفيليات الملاريا المقاوِمة للتوليفات العلاجية المعتمدة على الأرتيميسينين من آسيا إلى أفريقيا، وتبرز الآن حاجة إلى نهج أكثر استباقًا؛ من أجل المقاومة تجاه المبيدات الحشرية. ويتعزز التأكيد على أهمية هذا بفضل تحسُّن الفهم الذي ساقه بات وزملاؤه للدور الحاسم الذي لعبته السيطرة على ناقلات المرض في الحدّ من الملاريا على مدى العقد الماضي ـ واستنتاجًا ـ للدور الذي ستحتاج إليه، إذا أردنا القضاء على المرض.

يجري الآن إعداد ملفّ صحي لأدوية مضادة للملاريا ومبيدات حشرية جديدة، تقوده بشكل خاص مشارَكات تطوير المنتجات المنسقة من قبل اثنتين من المنظمات غير الهادفة إلى الربح، مشروع أدوية الملاريا Medicines for Malaria Venture، واتحاد التحكم المبتكر بالناقلات Innovative Vector Control Consortium، لكن عقبات كبيرة في نواحي التطوير، والتمويل، والتنظيم والسياسة تعرقل بدء تنفيذ هذه العوامل. فإذا استطعنا التغلب عليها، والبقاء متقدمين على (سباق التسلح) الجاري بين الطفيليات ومقاومة البعوض، وتطوير لقاح فعال؛ للحدّ من انتقال المرض، والتنفيذ الأمثل لهذه التدخلات، عندها.. لن يتعرض أي طفل للموت بسبب الملاريا.

  1. Bhatt, S. et al. Nature 526, 207–211 (2015).

  2. Taylor Bright, A. & Winzeler, E. A. Nature 498, 446–447 (2013).

  3. White, N. J. et al. Lancet 353, 1965–1967 (1999).

  4. Hemingway, J. et al. Lancet http://dx.doi.org/10.1016/S0140-6736(15)00417-1 (2015).