تأبين

إيريك ديفيدسون(2015–1937)

عالِم الأنظمة الحيوية، الذي وصف الشبكات الجينية التنظيمية.

أندرو كاميرون
  • Published online:

قاد إيريك هاريس ديفيدسون العديد من أوجه التقدم التي أدَّت إلى فهْمنا الحالي لكيفية تكوين الكائنات من الجينومات. فقد ساعد على إظهار كيفية إسهام التعبير المتسق لمجموعة كاملة من الجينات في تحديد ما ستكون عليه الخلايا الأصلية أثناء تطورها. كما ساعد على انتشار فكرة الشبكات الجينية التنظيمية، وهي أنظمة تتكون من جينات متفاعلة مكونة من مسارات، أو دورات فرعية متعددة الاستجابات، يؤدي كل منها مهمة محددة في تنظيم نشاط الجين في الخلية.

Bob Paz/Caltech

وُلد ديفيدسون ـ الذي توفي يوم 1 سبتمبر الماضي ـ في مدينة نيويورك عام 1937، وقد وجد طريقه إلي البحث أثناء سنوات مراهقته، حيث عمل مع عالِم الوظائف الخلوية لويس فيكتور هايلبيرن في «معمل الأحياء البحرية» MBL في منطقة «وودز هول» بولاية ماساتشوستس. وخلال العام الدراسي، عمل هايلبيرن بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا على دراسة إشارات الكالسيوم، ولكنه قضى الصيف في معمل الأحياء البحرية، ليتمكن من دراسة العمليات الخلوية في الكائنات البحرية، مثل نجوم البحر، وقنافذ البحر.

كان موريس والد ديفيدسون ـ وهو الرسام التجريدي المعروف ـ سببًا في لقاء إيريك وهايلبيرن، حيث كان موريس ـ الذي يدير مدرسة فن صيفية في بروفينستاون على أطراف كيب كود في ماساتشوستس ـ يعرف إلين زوجة هايلبيرن، الرسّامة والمعلِّمة، إذ بدأ الأمر بالتحاق ديفيدسون بمعمل الأحياء البحرية مبدئيًّا؛ لغسل الصحون، لكن هايلبيرن أخبره بخشونة أن أي شخص يعمل هناك لا بد أن يكون لديه مشروع بحثي. وبالفعل نشر ديفيدسون في النشرة البيولوجية Biological Bulletin ملخصًا حول التخثر في كائن «الدولار الرملي» Echinarachnius parma، وهو أحد شوكيات الجلد البحرية، وعملية التخثر هذه عملية خلوية معتمدة على الكالسيوم، تحمي الكائن من الإصابة بعدوى بعد الجروح (E. H. Davidson Biol. Bull. 105, 372; 1953).

في عام 1954، بدأ ديفيدسون في الدراسة للحصول على درجة علمية في الأحياء بجامعة بنسلفانيا، حيث كان يعمل في معمل هايلبيرن. وبعد تخرُّجه، أراد أن يبقى في المعمل، لكن هايلبيرن نصحه بالتحول إلى دراسة التعبير الجيني، وذهب ديفيدسون للعمل مع عالِم الأحياء الجزيئية ألفريد ميرسكي بجامعة روكفيلر في نيويورك سيتي. وحصل على درجة الدكتوراة في عام 1963، وظل في جامعة روكفيلر حتى عام 1971، عندما انتقل إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا.

في بداية الستينات، طُرح «المبدأ الرئيس» لعلم الأحياء الجزيئية، وهو أن الحمض النووي يصنع الحمض النووي الريبي، الذي يصنع بدوره البروتين. وقد تم التأكيد التجريبي على فكرة أن الحمض النووي الريبي المصنوع من الحمض النووي يحتوي على تعليمات محددة لصنع البروتينات. والتساؤل الذي حاز اهتمام ديفيدسون كان يخص كيفية حدوث التمايز الخلوي، عن طريق التعبير المتناسق لعدة جينات.

وبغرض التحقق من ذلك.. لجأ ديفيدسون إلى تطبيق أساليب «التهجين في المحلول»، أولًا على بويضات الضفدعة، ثم على نماذج حيوانات أخرى. وفي هذه الطريقة يتم تسخين محلول يحتوي على أجزاء من الحمض النووي إلى درجة مناسبة؛ لفصل الشريطين المتكاملين للولب المزدوج. وبعد ذلك.. يُسمح لكل شريط مفرد بإعادة التهجين مع شريط مكمل سابح في المحلول نفسه، وكلما زاد عدد أجزاء الحمض النووي الموجودة لأي تتابُع محدد؛ زادت سرعة إعادة تهجين الشرائط. وقد قدم هذا الأسلوب طريقة لتحليل تسلسل الجينوم، ونسخ الحمض النووي الريبي كذلك.

قاد التعاون طويل المدى مع عالِم الفيزياء روي بريتين ـ الذي تحوَّل إلى الأحياء الجزيئية، والذي كان يبحث في عمل نماذج حركية للتهجين ـ إلى نشر بحث في عام 1969 بعنوان «نظرية التنظيم الجيني للخلايا المتقدمة» (R. J. Britten and E. H. Davidson Science 165, 349–357; 1969). وفي هذا البحث قدَّم العالِمان أول رسم توضيحي يُظْهِر كيفية التعبير عن مجموعة الجينات المتناسقة أثناء التمايز الخلوي.

ومع التطور في تكنولوجيا إعادة امتزاج الحمض النووي في أوائل الثمانينات، التي يتم فيها ربط الحمض النووي من مصادر مختلفة معًا، أصبح من الممكن تحليل الآلية الجزيئية اللازمة لتشغيل وإيقاف جين ما. وعبر سلسلة من التجارب في أجنّة قنافذ البحر، أظهر ديفيدسون وزملاؤه أنه يتم التحكم في جينات تشفير البروتين عن طريق تتابُع الحمض النووي، الذي يُعتبر غالبًا وحدات تنظيمية متجاورة، تعمل كأماكن ارتباط وامتزاج لعوامل النسخ الجينية، وكذلك للبروتينات التي تكوِّن مركّبات؛ بغرض التحكم في عملية نسخ الحمض النووي إلى الحمض النووي الريبي.

في الفترة بين منتصف التسعينات إلى نهايتها، استفاد ديفيدسون ومعاونوه من التقدم في تكنولوجيا تحديد تسلسل الحمض النووي؛ من أجل فحص التسلسلات الجينية القريبة من الجينات. ومع إضافة ذلك إلى معرفتهم للمعلومات حول وقت تشغيل الجينات، وفي أي الخلايا بالتحديد يحدث ذلك أثناء تطور قنافذ البحر، أمكنهم توضيح الدور التنظيمي الذي تلعبه التسلسلات الموجودة بالقرب من جينات عديدة. وهذا الأسلوب قاد نحو التوصل إلى وصف الشبكات الجينية التنظيمية. ويُعتبر عمل ديفيدسون محوريًّا في فهم أن الكائن يُخلق ويتحدد مصير خلاياه من خلال تفاعلات الجينات التي تحدث بطرق مختلفة. كما ساعد أيضًا في توضيح أن التغييرات في تلك الشبكات التنظيمية يمكن أن تُنتِج صفات وأشكالًا ظاهرية معدلَّة، مما يُعتبر المادة الخام للتطور.

إنّ أفضل العلماء ـ من وجهة نظري ـ هم هؤلاء الذين يتمكنون من مواجهة التعقيدات المحيِّرة، والتعامل معها بسرعة؛ حتى تظهر الأنماط المفهومة لهم. ويُعتبر إيريك خير مثال على هؤلاء، فقد استمتع بمواجهة التعقيدات، وحاول تكوين وجهة نظر مقنِعة حيال تفسيرها. وفي الإصدار الثالث من كتابه «النشاط الجيني في التطور المبكر» (Gene Activity in Early Development (Academic, 1986، أهدى الكتاب إلى والده الذي علَّمه «تنظيم التصورات المعقدة». وقد علَّمنا إيريك، كما علَّمه والده.