تحقيق إخباري

البرهـان المنيـع

يزعم شينيتشي موتشيزوكي أنه تمكَّن من حل إحدى أهم مسائل الرياضيات.. لكن المُحيِّر في الأمر أنّ لا أحد يستطيع التأكد من صحة برهانه.

ديفيديه كاستيلفيكي
  • Published online:

Illustration by Paddy Mills


في صباح يوم الثلاثين من أغسطس عام 2012، نشر شينيتشي موتشيزوكي بهدوء أربع أوراق بحثية على موقعه الإلكتروني. كانت منشوراته طويلة.. فاق عدد صفحاتها الإجمالي 500 صفحة مليئة بالرموز، محتويةً على حصيلة أكثر من عشر سنوات من العمل المنفرد؛ كانت أشبه بقنبلة كادت أن تنفجر وسط المجال الأكاديمي.. زعم فيها موتشيزوكي أنه قد استطاع حل حدسية abc (وهي مسألة في نظرية الأعداد، طُرحت قبل 27 عامًا، ولم يقترب أي عالم رياضيات من حلها من قبل). وإنْ صح برهانه، فسيكون واحدًا من أهم الإنجازات المذهلة في مجال الرياضيات لهذا القرن، وسوف يُحْدِث ثورة في دراسة المعادلات ذات الأعداد الصحيحة.

ومع ذلك.. لم يُحْدِث موتشيزوكي ضجة حول الأمر.. بل إن هذا العالِم القدير، الذي يعمل في معهد جامعة كيوتو للبحوث في علوم الرياضيات (RIMS) باليابان، لم يعلن حتى عن إنجازه لزملائه في العالَم؛ فقد نشر أوراقه البحثية، وانتظر حتى يكتشف العالَم ما فعل.

كان أكيو تاماجاوا في الغالب، وهو زميل موتشيزوكي في المعهد، أول مَنْ لاحظ الأبحاث المنشورة.. فقد كان يعلم ـ مثل غيره من الباحثين ـ أن موتشيزوكي يعمل منذ سنين على هذه الحدسية، وأنه كان على وشك الانتهاء. وفي اليوم ذاته، بعث تاماجاوا الخبر عبر البريد الإلكتروني إلى أحد معاونيه، وهو الخبير في نظرية الأعداد من جامعة نوتنجهام في المملكة المتحدة، إيفان فيسينكو، الذي قام فورًا بالاطلاع على الأبحاث، إلا أنه سرعان ما «احتار» في الأمر، على حد قوله؛ «كان يستحيل استيعابها».

ومن ثم، راسل فيسينكو بعض الخبراء الكبار في اختصاص موتشيزوكي (الهندسة الحسابية)، فانتشر الخبر سريعًا؛ وفي غضون أيام، بدأت نقاشات مكثفة على المدونات الرياضية والمنتديات على شبكة الإنترنت (انظر: Nature http://doi.org/725; 2012). وسرعان ما تحوّلت حالة النشوة التي اجتاحت العديد من الباحثين في بداية الأمر إلى شك. كان الجميع – ومنهم أولئك القريبون من اختصاص موتشيزوكي – في حيرة حيال الأبحاث المنشورة، كما كان حال فيسينكو. لذا.. لاستكمال البرهان، ابتكر موتشيزوكي فرعًا جديدًا في اختصاصه، مجردًا بشكل مذهل، حتى وفق معايير الرياضيات البحتة.. فكتب عنها جوردان إيلينبيرج ـ الخبير في نظرية الأعداد في جامعة ويسكونسن ماديسون ـ في مدونته على الإنترنت بعد أيام قليلة من نشر البحوث: «بالنظر إليها، تشعر وكأنك تقرأ بحثًا آتيًا من المستقبل، أو من الفضاء الخارجي».

والآن، وبعد مرور ثلاث سنوات، لا يزال برهان موتشيزوكي يعاني من التجاهل، فلم يُكشف زيفه، ولا تم قبوله من قبَِل النطاق الأوسع من المجتمع. وبحسب تقديره، يحتاج طالب الدراسات العليا في مجال الرياضيات نحو عشر سنوات لاستيعاب العمل، بينما يرى فيسينكو أن الأمر يقتضي أن يمضي خبير في الهندسة الحسابية ما يقرب من 500 ساعة لاستيعابه. وحتى الآن، هناك أربعة علماء رياضيات فقط هم الذين صرّحوا بأنهم تمكَّنوا من قراءة البرهان بأكمله.

ما يزيد من غموض الأمر هو موتشيزوكي نفسه.. فلم يُلْقِ أي محاضرات عن عمله حتى الآن، سوى في اليابان، وباللغة اليابانية فقط. وعلى الرغم من إتقانه للغة الإنجليزية، فقد رفض كل الدعوات التي أُرسلت إليه للحديث عن الموضوع في أماكن أخرى. كما أنه لا يتحدث إلى الصحفيين، ولم يرد على الطلبات التي أرسلوها إليه بخصوص رغبتهم في إجراء مقابلات معه حول الأمر، لكنه رد على الرسائل الإلكترونية التي أتته من علماء الرياضيات الآخرين، كما أبدى استعدادًا لمساعدة الزملاء الذين زاروه؛ إلا أن الشيء الوحيد الذي قدَّمه إلى العامة كان منشورات قليلة عبر موقعه على الإنترنت. وفي شهر ديسمبر من عام 2014، كتب موتشيزوكي أنه، لفَهْم أعماله، «ينبغي على الباحثين إخماد أنماط التفكير القديمة المترسخة لديهم منذ سنين».. وهو ما رآه ليفن لو بروين ـ عالم الرياضيات في جامعة أنتويرب ببلجيكا ـ أسلوب تحدٍّ، وتساءل عبر مدونته في بداية السنة: «هل يستهزئ موتشيزوكي بمجتمع علماء الرياضيات، ويسخر منهم؟ أم أنني أسأتُ تفسير كلامه؟».

الآن، يحاول هذا المجتمع الخروج من المأزق. ففي شهر ديسمبر الحالي، تنظَّم أول ورشة عن الأمر خارج آسيا، تحديدًا في أكسفورد بالمملكة المتحدة. وبرغم أن موتشيزوكي لن يحضر بنفسه، إلا أنه قد أُعلن أنه مستعد للإجابة عن الأسئلة التي تُطرح خلال الورشة، عبر برنامج المحادثات «سكايب». ويأمل المنظِّمون أن تحفز المناقشة مزيدًا من علماء الرياضيات ليقضوا متسعًا من وقتهم في التعرف على أفكار موتشيزوكي.. فربما يؤدي ذلك إلى مَيْل الكفة لصالحه.

وفي أحدث تقرير له في سياق تأكيد البرهان، صرّح موتشيزوكي أن وضع نظريته بالنسبة لمجال الهندسة الحسابية «يمثل نموذجًا مصغرًا أكيدًا لوضع الرياضيات البحتة وسط المجتمع»؛ فإن الصعوبة التي يواجهها موتشيزوكي في توصيل عمله التجريدي إلى أهل اختصاصه تعكس التحدي الذي عادةً ما يواجهه علماء الرياضيات جميعًا في محاولاتهم لإيصال أعمالهم إلى العالَم الأوسع.


أهمية قصوى

تشير حدسية abc إلى تعبيرات عددية من نوعية «a + b = c»، التي يتمّ التعبير عنها بعدة صيغ باختلافات بسيطة، وتتعلق بالأعداد الأولية التي تَقسِم كلًّا من الكميات a وb وc. كل عدد صحيح يمكن التعبير عنه بطريقة فريدة، كنتاج لأعداد أولية، وهي الأعداد التي لا يمكن تفكيكها إلى أعداد صحيحة أصغر، فعلى سبيل المثال: 3 × 5 = 15، أو 2 × 2 × 3 × 7= 84، لكن من الناحية النظرية، لا توجد علاقة تربط العوامل الأولية للعددين a وb بالعوامل الأولية لمجموعهما c، إلا أن الحدسية تنصّ على أن هناك رابطًا بين تلك العوامل. كما تصرح، بالتقريب، أنه إذا كان الكثير من الأعداد الأولية الصغيرة يقسم a وb، فإذًا لا يَقسم c سوى عدد صغير من الأعداد الأولية الكبيرة فقط.

ذُكر هذا الاحتمال لأول مرة في عام 1985، في ملاحظة أقرب إلى الارتجال حول فئة معينة من المعادلات، من قِبَل عالِم الرياضيات الفرنسي جوزيف أويسترلي، خلال محاضرة ألقاها في ألمانيا. وكان من بين الحضور ديفيد ماسر، وهو متخصص في نظرية الأعداد، ويعمل حاليًّا في جامعة بازل في سويسرا؛ وقد أقرّ بالأهمية المحتملة للحدسية. ومن ثم، قام بالترويج لها لاحقًا بصيغة أعمّ.. فالآن، يُنسب الفضل إلى الاثنين، وغالبًا ما يُطلق عليها اسم «حدسية أويسترلي–ماسر».

«بالنظر إليها، تشعر وكأنك تقرأ بحثًا آتيًا من المستقبَل، أو من الفضاء الخارجي».

وبعد سنوات قليلة، أدرك نعوم إلكيز ـ وهو عالِم رياضيات في جامعة هارفارد بكمبريدج في ولاية ماساتشوستس ـ أنه إذا ما صحَّت تلك الحدسية، فستكون لها تداعيات عميقة في دراسة المعادلات المتعلقة بالأعداد الصحيحة، التي تُعرف أيضًا بمعادلات «ديوفانتين»، نسبةً إلى ديوفانتس (عالِم الرياضيات الإغريقي القديم، وأول من درس هذه المعادلات). فقد لاحظ إلكيز أن برهان الحدسية من شأنه أن يؤدي إلى حل مجموعة ضخمة من معادلات ديوفانتين الشهيرة، التي لم تُحَلّ بعد، دفعةً واحدة؛ حيث سيرسم حدودًا واضحة لحجم الحلول، فمثلًا، يمكن لأعداد abc أن تبيّن أن جميع حلول إحدى المعادلات يجب أن تكون أصغر من 100. وللوصول إلى تلك الحلول، ما علينا سوى استخدام الأعداد من 0 إلى 99 في المعادلة، وملاحظة أيها يؤدي إلى نتيجة. ولولا وجود abc، لكان لزامًا علينا تجربة كمية غير محدودة من الأعداد.

كان عمل إلكيز يعني أن الحدسية يمكن أن تَحلّ محل الإنجاز الخارق الذي شهده تاريخ معادلات ديوفانتين، وهو تأكيد لصحة حدسية أخرى، وُضعت في عام 1922 من قِبل عالِم الرياضيات الأمريكي لويس مورديل، الذي قال إن الغالبية العظمى من معادلات ديوفانتين إمّا أنها لا تمتلك حلولًا، أو أن لديها عددًا محدودًا من الحلول. ومن ثم، أُثبتت هذه الحدسية في عام 1983 من قِبَل عالِم الرياضيات الألماني جيرد فالتينجز، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 28 سنة، وفاز بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ بميدالية «فيلدز» ـ وهي الجائزة الأشهر في مجال الرياضيات ـ عن هذا العمل. وإنْ صحّت حدسية abc، فلا نعرف كم سنجد لها من الحلول، كما يقول فالتينجز.. ويتابع بقوله: «بوسعك إدراجهم في قائمة».

وبعد مرور فترة وجيزة على حل فالتينجز لحدسية مورديل، بدأ التدريس في جامعة برينستون بولاية نيو جيرسي، وبعد مدة وجيزة، تَلاقَى مساره مع مسار موتشيزوكي.

وُلد موتشيزوكي في عام 1969 في طوكيو، وقضى سنوات نشأته في الولايات المتحدة، حيث انتقلت عائلته أثناء طفولته. انضم إلى مدرسة ثانوية خاصة في ولاية نيو هامبشاير، وأكسبته مواهبه المبكرة مكانًا في قسم الرياضيات بجامعة برينستون قبل بلوغه 16 عامًا. وسرعان ما تحول إلى أسطورة، بسبب منهج تفكيره الأصيل، فانتقل مباشرة إلى دراسة الدكتوراة.

مَن يعرفون موتشيزوكي يصفونه بأنه قد خُلِق بقدرة خارقة على التركيز. وعن ذلك يقول مينهيونج كيم، عالِم الرياضيات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، الذي عرف موتشيزوكي منذ أن كان في برينستون: «منذ أن كان طالبًا، وهو يشرع في العمل بمجرد استيقاظه». ويتذكر كيم كيف لم يكن موتشيزوكي يشارك الباحثين في خروجهم لتناول المشروبات، بعد حضور ندوة أو مؤتمر.. ويضيف: «لم يكن انطوائيًّا بطبعه، لكنه يركز جيدًا على مسائل الرياضيات التي يعمل عليها».

أشرف فالتينجز على أطروحة موتشيزوكي في عامه الأخير بالدراسات العليا، وكذلك أطروحة الدكتوراة الخاصة به. وقد رأى أن موتشيزوكي متميز في عمله؛ ويقول: «كان واضحًا أنه واحد من أذكى الطلبة»، لكنْ أن تكون تلميذًا لدى فالتينجز، فذلك ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق.. فحسب قول كيم: «كان فالتينجز قمة في الترهيب»؛ فقد كان يهاجمك إذا أخطأت، وتنتاب الجميع حالة من التوتر أثناء التحدث إليه، ومن بينهمعلماء الرياضيات المرموقون.

كان لأبحاث فالتينجز تأثير بالغ على العديد من الشباب المتخصصين في نظرية الأعداد في جامعات الساحل الشرقي للولايات المتحدة.. فإن تخصصه يقع ضمن مجال الهندسة الجبرية، الذي تحوَّل منذ الخمسينات إلى اختصاص نظري بالغ في التجريد، نتيجة لأعمال ألكساندر جروتيندييك، الذي كثيرًا ما يوصف بأعظم عالِم رياضيات في القرن العشرين. يقول كيم: «بالمقارنة بجروتيندييك، لم يكن لدى فالتينجز قدر كاف من الصبر ليتفلسف». كان أسلوبه في الرياضيات يتطلب «الكثير من المعرفة المجردة.. وميل إلى حل المسائل الصلبة. وينطبق ذلك بالضبط على أعمال موتشيزوكي المتعلقة بحدسية abc».


تفكير المسار الواحد

بعد نيل شهادة الدكتوراة، قضى موتشيزوكي عامين في جامعة هارفارد، ثم في عام 1994 عاد إلى مسقط رأسه – اليابان - في عمر الخامسة والعشرين، ليُوظَّف بمعهد «جامعة كيوتو للبحوث في علوم الرياضيات». وبرغم عيشه لسنوات في الولايات المتحدة، «لم يتأقلم تمامًا مع الثقافة الأمريكية»، كما يقول كيم.. الذي يضيف قائلًا إن النشأة في بلد ثان يمكن أن تكون قد زادت من شعوره بالعزلة، التي ظهرت بسبب امتلاكه للمواهب الخارقة في مجال الرياضيات في طفولته.. «أعتقد أنه عانى نسبيًّا بالفعل».

ازدهرت أعمال موتشيزوكي في المعهد، الذي لا يشترط على المنتسبين إليه تدريس طلبة الجامعة. «استطاع موتشيزوكي أن يعمل منفردًا لمدة 20 عامًا، دون الكثير من المزعِجات الخارجية»، كما يقول فيسينكو. وفي عام 1996، عزّز موتشيزوكي مكانته العالمية عندما حلّ الحدسية التي أعلن عنها جروتيندييك. وفي عام 1998، استُضيف لتقديم محاضرة في المؤتمر الدولي لعلماء الرياضيات ببرلين، الذي يعادل ـ في ذلك الوسط ـ منحه جائزة شرف.

«حاولت قراءة بعض هذه الأعمال، لكن في مرحلة ما، يئستُ واكتفيتُ بما قرأتُ. إنني لا أستوعب ما يفعل».

وحتى بعد أن ذاع صيته، كان موتشيزوكي يسير بعيدًا عن التيار.. كان المستوى التجريدي لأعماله في تزايد، وكان يكتب أوراقًا بحثية، تزيد صعوبتها لزملائه، لكنه في مطلع القرن الحالي، توقف عن المشاركة في اللقاءات الدولية. ويقول زملاؤه إنه أصبح نادرًا ما يغادر إقليم كيوتو. وفي هذا السياق، يقول الخبير في نظرية الأعداد، برايان كونراد، من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا: «يتطلب الأمر نوعًا خاصًّا من التفاني في العمل؛ حتى تستطيع التركيز على مدى سنوات عديدة، دون الحاجة إلى أي متعاونين».

ظل موتشيزوكي على صلة بزملائه من خبراء نظرية الأعداد، الذين كانوا يعلمون أنه يركِّز بحثه على حدسية abc. لم يكن له تقريبًا أي منافسين في هذا الأمر، حيث ابتعد معظم علماء الرياضيات الآخرين عن المسألة، معتبرين إيّاها مسألة مستعصية. وفي أوائل عام 2012، انتشرت شائعات، مفادها أن موتشيزوكي اقترب من البرهان.. ثم جاء الخبر في شهر أغسطس الماضي بنشره لأبحاثه على شبكة الإنترنت.

في الشهر التالي، كان فيسينكو أول شخص من خارج اليابان يتحدث مع موتشيزوكي حول العمل الذي كشف النقاب عنه بهدوء تام. كان مِن المقرَّر أن يزور فيسينكو عالِم الرياضيات تاماجاوا، ثمّ يلتقي بموتشيزوكي أيضًا في مكتبه الواسع الذي يطل على جبل دايمونجي القريب، الذي تُرَصّ فيه الكتب والأبحاث بعناية. يصفه فيسينكو قائلًا: «إنه المكتب الأكثر تنظيمًا من بين مكاتب علماء الرياضيات التي شاهدتها في حياتي». وجلس الاثنان على أرائك من الجلد، وراح فيسينكو يطرح الأسئلة على موتشيزوكي حول عمله، والخطوات التالية.

أشار فيسينكو إلى أنه كان قد حذّر موتشيزوكي من التأثر بتجربة عالِم رياضيات آخر، هو عالِم الطوبولوجيا الروسي جريجوري بيريلمان، الذي ذاع صيته في عام 2003، بعد أن حلّ حدسية «بوينكيريه» التي طُرحت منذ قرن من الزمن (انظر: Nature 427, 388; 2004)، قبل أن يتراجع ويزداد نفوره من الأصدقاء والزملاء ومن العالَم الخارجي. كان فيسينكو يعرف بيريلمان جيدًا، ويعتقد أن سلوكه كان نتيجة للاهتمام المفرط من وسائل الإعلام.. إلا أنه سرعان ما أدرك أن شخصيتي هذين العالِمين مختلفتان جدًّا. فبينما كان بيريلمان يُعرف بغرابة مهاراته الاجتماعية (وتطويل أظافره)، كان موتشيزوكي يُعرف عالميًّا بالاتزان والود، وإنْ كان شديد الحفاظ على خصوصية حياته الخاصة خارج العمل.

جرت العادة على أنه بعد الإعلان عن برهان مهم، يسارع علماء الرياضيات بالاطلاع على العمل، الذي عادةً ما يكون مكتوبًا ضمن عدة صفحات، ومن ثم يستطيعون فهم الاستراتيجية العامة للعمل، إلا أنه في بعض الأحيان، تكون البراهين أطول وأكثر تعقيدًا، وقد يستغرق الأمر سنوات، ليتمكن أبرز المتخصصين من فحص العمل بالكامل، والإجماع على صحة تلك البراهين. وبهذه الطريقة، قُبل عمل بيريلمان الخاص بحدسية «بوينكيريه». وحتى بالنسبة إلى أعمال جروتينديك بالغة التجريد، تمكّن الخبراء من ربط معظم أفكاره الجديدة بأمور الرياضيات المألوفة بالنسبة لهم؛ فالدوريات العلمية لا تنشر البراهين قبل استقرار الزوبعة المثارة حولها، إلا أن جُلّ مَن تناولوا برهان موتشيزوكي أصيبوا بالذهول.. بعضهم اندهش من اللهجة الجارفة – الأقرب إلى الروحانية - التي استخدمها موتشيزوكي لوصف بعض تعليماته النظرية الجديدة؛ حتى إنه أطلق على المجال الذي أنشأه اسم «الهندسة بين الكونية». وفي هذا الخصوص يقول أويسترلي، من جامعة بيير وماري كوري في باريس، الذي أحرز قدرًا من التقدم في التحقق من البرهان: «إن علماء الرياضيات عامةً متواضعون جدًّا، ولا يزعمون أن ما يقومون به يمثل ثورة كونية»، لكن العمل الذي قام به موتشيزوكي كان بعيدا جدًّا عن كل ما سبقه؛ فهو يحاول تعديل مجال الرياضيات من أساسه، بدءًا من أساسيات نظرية المجموعات (المألوفة لدى الأغلبية باسم «مخططات فين»). وبذلك.. تردد معظم علماء الرياضيات حيال استثمارهم في الوقت؛ لاستيعاب العمل، حيث لم يرون مردودًا محتملًا مقابل جهودهم.. إذ ليس من الواضح كيف يمكن استخدام الآلية النظرية التي ابتكرها موتشيزوكي في العمليات الحسابية. ويقول فالتينجز: «حاولت قراءة بعض هذه الأعمال، لكن في مرحلة ما، يئستُ واكتفيت بما قرأتُ. إنني لا أستوعب ما يفعل».

من جانبه، درَس فيسينكو عمل موتشيزوكي تفصيليًّا على مدار العام الماضي، وقام بزيارته مجددًا في المعهد في خريف عام 2014.. ومن ثم، صرح بأنه قد تحقق الآن من البرهان. (كما أن علماء الرياضيات الثلاثة الآخرين الذين صرحوا بأنهم تأكدوا من البرهان قد قضوا كذلك وقتًا طويلًا في العمل جنبًا إلى جنب مع موتشيزوكي في اليابان) أما الموضوع الرئيس - الهندسة بين الكونية - كما وصفه فيسينكو، فيكمن في أنه يجب على المرء النظر إلى الأعداد الصحيحة من زاوية مختلفة، تاركًا عملية الجمع جانبًا، مع النظر إلى بنية الضرب، كأداة مرنة قابلة للتعديل. حينها، ستكون عملية الضرب الأساسية مجرد حالة خاصة من مجموعة من العمليات، مثلما يمثل الشكل الدائري حالة خاصة من الشكل البيضاوي. وعلى حد قول فيسينكو، يقارن موتشيزوكي نفسه بعملاق الرياضيات جروتينديك، وهو ما ليس مبالَغًا فيه.. ويضيف: «كان لدينا علم رياضيات قبل إسهامات موتشيزوكي، يختلف كليةً عما صار لدينا بعدها».

وحتى الآن، وجد القليلون الذين استوعبوا هذا العمل صعوبة كبيرة في شرحه لغيرهم. يقول أحد علماء الرياضيات، الذي لم يرغب في ذكر اسمه: «كل مَن أعرف أنه احتكّ بهذا الموضوع ودرسه بدا متزنًا، إلا أنهم لم يستطيعوا توصيل الفكرة لأحد فيما بعد».. كما يضيف قائلًا إن هذا الوضع يُذكِّره بمسرحية هزلية لفرقة مونتي بايثون، تدور حول كاتب كان يسجل النكات الأكثر طرافة في العالم، ويكتبها على ورق، فيموت كل مَن يقرأها من الضحك، ومن ثم لا يمكنهم روايتها لأي شخص آخر.

وهذه، كما يقول فالتينجز، هي مشكلة حقًّا، ويتابع بقوله: «لا يكفي أن تكون لديك فكرة جيدة، بل ينبغي كذلك أن تكون قادرًا على شرحها للآخرين». ويضيف أنه إذا أراد موتشيزوكي أن يُقْبَل عمله، فلا بد أن يجتهد أكثر في توصيله للآخرين. ويقول: «لكل فرد الحق في أن يكون غريب الأطوار بقدر ما يريد. وإذا كان موتشيزوكي لا يرغب في الانتشار، فهو حر في ذلك؛ لكن إذا أراد أن يُقَدَّر عمله؛ فعليه تقديم تنازلات».


على حافة العقل

بالنسبة إلى موتشيزوكي، يمكن للأمور أن تبدأ في التحول بحلول أواخر هذا العام، حين يستضيف معهد كلاي للرياضيات في أكسفورد الورشة التي طال انتظارها، والتي من المنتظر أن تحضرها شخصيات بارزة في هذا المجال، من بينها: فالتينجز. ويقول كيم، الذي يشارك في تنظيم الورشة بجانب فيسينكو، إن بضعة أيام من المحاضرات لن تكون كافية لعرض النظرية بأكملها، ويضيف: «نأمل في نهاية الورشة أن يقتنع عدد كاف من الباحثين بضرورة بذل المزيد من الجهد في قراءة البرهان».

يتوقع معظم علماء الرياضيات أن الأمر سيتطلب عدة سنوات أخرى، للتوصل إلى حُكْم نهائي. وقد ذكر موتشيزوكي أنه قدَّم أبحاثه إلى إحدى الدوريات العلمية، لكنها لا تزال قيد التقييم. وفي نهاية المطاف، يأمل الباحثون في أن يكون شخص ما مستعدًا، لا لفهم العمل فحسب، بل أيضًا لإيضاحه للآخرين. والمشكلة هي أن قلة فقط هم مَن يرغبون في القيام بهذا الدور.

وبالنظر إلى المستقبل، يعتقد الباحثون أنه من غير المحتمل أن تكون المسائل المفتوحة المستقبلية معقدة ومستعصية بهذا القدر.. فإن إيلينبيرج يشير إلى أن النظريات عادةً ما تكون أبسط في الطرح ضمن مجالات الرياضيات الأجدد، والبراهين تكون قصيرة نسبيًّا.

والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان برهان موتشيزوكي سيُقبل، كما حدث لبرهان بيريلمان، أم أنه سيأخذ مسارًا مختلفًا.. فهناك باحثون يرون عِبرة في قصة لويس دي برانجيز، عالِم الرياضيات البارز في جامعة بورديو في غرب لافاييت بولاية إنديانا، الذي نشر في عام 2004 حلًّا مقترحًا لفرضية ريمان، التي يعتبرها الكثيرون أهم مسألة مفتوحة في الرياضيات، لكن علماء الرياضيات ظلوا يشككون في صحة ادعائه، وأشار الكثيرون إلى أنهم لم يستسيغوا نظريات دي برانجيز غير التقليدية، وأسلوبه الغريب في الكتابة، حتى توارى البرهان عن الأنظار.

يقول إيلينبيرج بخصوص عمل موتشيزوكي: «المسألة لا تدور حول أن تأخذ كل شيء، أو لا شيء»، فحتى لو لم تثبت صحة برهان حدسية abc، فستخترق طُرُق موتشيزوكي وأفكاره مجتمع علوم الرياضيات ببطء، وقد يجد الباحثون فيها ما يفيدهم بأشكال أخرى. ويضيف إيلينبيرج: «أعتقد ـ بناءً على معرفتي بموتشيزوكي ـ أن احتمال وجود علم مثير ومهم في تلك الأوراق احتمال كبير جدًّا».

ومع ذلك.. لا يزال هناك خطر قائم بأنْ تأخذ المسألة منحى آخر. يقول إيلينبيرج: «أعتقد أن الوضع سيكون مؤسفًا جدًّا، إذا تخلَّينا عن المسألة، ودخلت في طيّ النسيان. سيكون ذلك محزنًا حقًّا».