تحقيقات

كتابة إبداعية: عالَم من الخيال المحض

إن العملية الإبداعية في كتابة أدب قصصي مستوحى من العلم يمكن أن تكون مجزية. وهذا المجال غير المطروق سابقًا غَنِيٌّ بفرص كثيرة للابتكار.

روبرتا كوك
  • Published online:

عندما كان ستيف كابلان طالبًا في الدراسات العليا في أواخر التسعينات، حَدَثَ أن استنشق بالصدفة مادة كيميائية سامة في مختبَر المناعة الذي يعمل فيه، واقتضى ذلك أن يَقضي عشرة أيام ملازمًا بيته، حتى يشفى. ومع محدودية المجال للقيام بأي نشاط ما، بدأ في كتابة رواية، فقد أحب القراءة، وأصدر عددًا من القصص القصيرة، ولكنْ لم تكن لديه فسحة من الوقت أو الصفاء الذهني لإنتاج عمل أطول. قام بتدوين سريع لمسودة عن قصة كفاح أحد العلماء للاحتفاظ بوظيفته، وللتعايش مع ذكريات طفولته مع أحد والديه الذي كان مصابًا بمرض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب.

Claire Welsh/Nature


بعد عودة كابلان إلى عمله ـ وهو الآن متخصص في علم الأحياء الخلوي بالمركز الطبي بجامعة نبراسكا بولاية أوماها ـ قضى شهورًا في مراجعة مسودة الرواية كل ليلة، وكذلك في عطلات نهاية الأسبوع. وكانت محاولاته الأولى لكي يبيع الرواية لأحد الناشرين قد باءت بالفشل، ولكن في عام 2009، قرر كابلان اتباع طريق النشر الذاتي. وأنتج كابلان روايته في نُسَخ ورقية وإلكترونية، وذلك باستخدام خدمات موقع «أمازون»، وهي «كريت سبيس» CreateSpace، و«كيندل دايركت بابلشنج» Kindle Direct Publishing. كما أجرى الدعاية والترويج لعمله عن طريق جلسات قراءة لروايته، عقدها في محلات الكتب والمكتبات. وتعاوَن مع مكتب العلاقات العامة بجامعته؛ لإصدار بيان صحفي، وعرض جزءًا مختارًا من الكتاب على شريحة عرض في نهاية حلقاته الدراسية. إن روايته المسمَّاة «مقارنة المادة والعقل» Matter Over Mind (ستيف كابلان، 2010) باعت أكثر من 2,000 نسخة حتى الآن، بأرباح تُقدر بحوالي 7,000 دولار أمريكي. ومنذ ذلك الحين، كَتَب كابلان روايتين إضافيتين، ونشرهما في مطابع صغيرة، وهو يعمل الآن على كتابة روايته الرابعة.

هناك مِن العلماء مَن يمضون أوقاتهم في إنتاج أوراق بحثية ومقترحات مِنَح، وتبدو لهم الكتابة الأدبية أبعد شيء يريدون عمله. وهناك باحثون محبون للأدب القصصي، قد خصصوا بعضًا من أوقاتهم في إتقان كتابة الأدب، وقد وجدوا أنه أمر ابداعي رائع ومجز. فالعلم يحمل الكثير من الموضوعات الثرية للكتابة، سواءً أكانت دراما السبات الشتوي بأحد مراكز الأبحاث القطبية، أم موضوع إثارة مستقبلية حول الهندسة الوراثية للكائنات الحية. «إنك تجلس على منجم ذهب من القصص المثيرة»، حسب تعبير جينيفر رون، المتخصصة في علم الأحياء الخلوي بكلية لندن الجامعية، ومؤسِّسة موقع LabLit.com، وهو موقع إلكتروني معنِيّ بصورة البحث العلمي في الأدب ووسائل الإعلام الأخرى.


مجال مُغْرٍ

إذا أُجرِيَت كتابة الأدب القصصي المستوحى من العلم بصورة مناسبة، سيمكنها المساعدة على تعريف الجمهور بسير عمليات العلم، وإضفاء النزعة الانسانية على الباحثين، وإلهام القراء بالتعرف على موضوعات قد يتغاضون عنها بدون قراءة. فهذه الأوصاف حول العلم في مجال الخيال، التي تأخذ في الاعتبار تلك الفروق التقنية الدقيقة، تُعتبر نادرة نسبيًّا. وقد أجرى موقع LabLit.com فهرسة لقائمة من الأمثلة لحوالي 200 رواية، مثل رواية «سلوك الطيران» Flight Behavior لباربارا كينجسولفر (دار نشر هاربر كولينز، 2012)، ورواية «الطاقة الشمسية» Solar لإيان ماكوانز (دار نشر راندوم هاوس، 2010)، حيث تُظهِر الروايات علماء واقعيين أبطالًا لتلك الروايات. فالقصص التي تتناول حياة العلماء هي أقل بكثير من تلك التي تتحدث عن الأطباء والفنانين مثلًا. وحتى أدب قصص الخيال العلمي يفتقد إلى تصوير العملية الفعلية للعلم، حسب قول ألاستير رينولدز، وهو مؤلف قصص خيال علمي، يعيش بالقرب من كارديف بالمملكة المتحدة، وترك مهنته في مجال الفلك؛ ليتفرغ للكتابة.

إن نقص الأعمال التي تصف بدقة مجال العلم معناه أن الباحثين الذين يكتبون في مجال الأدب القصصي لديهم فرصة جيدة للابتكار، وهي مهمة تثير التحدي لكاتب طموح في موضوعات الجريمة، أو الروايات العاطفية. «إنها أرض لم تُطأ من قبل»، حسب تعبير رون. فهناك باحثون كثيرون لديهم دراية بمواقع العمل الميداني، وأوضاعه غير المألوفة، وهي دراية قد لا تتوفر لكُتّاب آخرين. وفي روايتها «السماء المتداعية» Falling Sky (دار نشر فريت بوكس، 2013)، تكتب بيبا جولدشميت ـ عالمة الفلك التي تحولت إلى كتابة الأدب القصصي في إدنبرة بالمملكة المتحدة ـ عن عالِم فلك شاب، تجوَّل داخل قبة تليسكوب أعلى قمة جبل في شيلي، وكاد يُصاب عندما بدأ المشغِّل في تحريك الجهاز.

<p>أَسَّسَ را بيج دار نشر «كوما برس».</p>

أَسَّسَ را بيج دار نشر «كوما برس».

Sarah Eyre

إن مصادر الإلهام لخلق حبكة درامية موجودة بغزارة في مجال العلم، حيث يقوم رينولدز بقراءة نهمة لأخبار الأبحاث والأوراق البحثية؛ لإيجاد عناصر مثيرة يمكن استثمارها في الأدب القصصي. وذات مرة، قرأ دراسة عن أسراب هائلة لطائر الزرزور، استخدم فيها الباحثون معدات عالية التقنية؛ لتتبُّع الطيور المنفردة، ثم أدمج هذه الفكرة في قصة خيال علمي، ولكنه حوَّل التكنولوجيا الخيالية إلى صورة متقدمة، لدرجة أنها تستطيع تتبُّع حركات عيون هذه الطيور.

يمكن للعلماء أيضًا استلهام الأفكار من الماضي. فقد وجدت جولدشميت مصدر إلهام في حكاية طريفة عن الفيزيائي روبرت أوبنهايمر.. فخلال فترة تعيسة في عشرينات القرن الماضي، عندما كان يدرس في الخارج، ترك أوبنهايمر تفاحة مسمومة للمشرف عليه. إن تفاصيل القصة غير مكتملة، لكن جولدشميت أطلقت لخيالها العنان؛ لمعرفة ما الذي يمكن أن يكون قد حدث بعد ذلك. تقول جولد شميت: «لا توجد أبدًا شخصية تاريخية يُمكن فهمها بالكامل. فهناك دائمًا فجوات في حياتهم، يمكن أن يملأها الخيال القصصي الأدبي». وكانت النتيجة هي قصة قصيرة بعنوان «معادلة التفاحة»، وهي تُعتبر تقريرًا حياتيًّا مُتخيلًا عن حياة أوبنهايمر، التي أدت إلى قيامه بهذا الفعل.

إن العلماء الذين يمارسون الكتابة يمكنهم أيضًا توليد أفكار عن طريق عمل أشياء اعتادوا القيام بها في حياتهم، مثل الاسترخاء، وتخيُّل سيناريوهات، حسبما ينوِّه آندي وير، الروائي الذي يقطن في ماونتن فيو بكاليفورنيا. إن روايته «ساكن المريخ» The Martian (دار نشر كراون، 2014) تستكشف ما يمكن أن يحدث إذا انحرفت عن مسارها مهمة مجهَّزة بطاقم عمل، ومتوجهة إلى المريخ، وخلّفت وراءها أحد أعضائها على الكوكب الأحمر. وتتابِع القصة المحاولات الفردية لرائد الفضاء وهو يحاول إنتاج طعام يكفيه، وكذلك محاولة اتصاله بكوكب الأرض.

يمكن لدورات الكتابة الأدبية المتاحة ضمن برامج تعليم البالغين، أو في مراكز الكتابة الإبداعية، أن تساعد المؤلفين على تحويل ما لديهم من فكرة إلى نص مكتوب. وهذه الدورات تقدم إرشادات أساسية، مثل كيفية بناء شخصيات قوية وجذابة للقارئ، وكيفية بناء مواقف التوتر، والتعامل مع التحول الزمني من الماضي إلى الحاضر. ويقدم المشاركون عادة نقدًا لمسودات كتابات بعضهم البعض، مما يعطي فرصة للعلماء للحصول على آراء من قراء من خارج المجال التقني.

القراءة النقدية تساعد على ذلك.. فقد تعلَّم رينولدز كتابة الأدب القصصي، عن طريق دراسته للفروق بين طريقة كتابته، وطريقة كتابة مؤلفين ناجحين. ولكي يفهم كيفية التحول بين وجهات النظر المختلفة للشخصيات، قرأ رينولدز رواية الجريمة «أسرار لوس أنجيليس» L.A. Confidential لجيمس إلروي (دار نشر مستيريوس برس، 1990). وقال إنّ الكُتّاب يستطيعون تعلُّم كيفية بناء حوار من المعلمين الأوائل، مثل جين أوستن.


فصل افتتاحي

تُعتبر القصص القصيرة بداية جيدة، لأن المبتدئين يمكنهم تطبيق الأساسيات بسرعة، واستكشاف أفكار للقصة، وكذلك التعلم من أخطائهم، لكن جولدشميت تقول: «لا معنى لكتابة القصص القصيرة، طالما أنك لا تحب قراءتها». وبالنسبة إلى العلماء الذين يحتاجون إلى تحفيز؛ لإكمال عمل أطول، يمكنهم المشاركة في «الشهر القومي لكتابة الرواية»، وهو برنامج دولي، يُعقد في شهر نوفمبر من كل عام؛ لتشجيع الكُتّاب من جميع المستويات على إنتاج عمل يحوي 50 ألف كلمة (انظر: nanowrimo.org). ويستطيع الباحثون أيضًا إيجاد الدعم، عن طريق التعاون مع كُتّاب محترفين في كتابة الروايات (انظر: «لقاء العقول»).

يجب على الكُتّاب الباحثين أن يتذكروا أن التعليم ليس هو الغرض الأساسي من كتابة الأدب القصصي. فتضمين التفاصيل الفنية يجب أن يتم فقط إذا احتاج القارئ لها، كي يفهم القصة، وليس لأن المؤلف يرى أنها مُبْهِرة. فعلى سبيل المثال.. أطال وير في رواية «ساكن المريخ» في سرد تفاصيل روايته؛ لضمان الدقة، حتى إنه أجرى حسابات لحركة المدارات، ولكنه أغفل توضيح كيف حصل على أرقام معينة، مثل الكتلة التي يجب التخلص منها؛ لكي تصل سفينة الفضاء إلى سرعة الإفلات من الجاذبية.


إن العلماء الذين يشعرون بقَدْر من الرهبة أو الانشغال لدرجة لا تمكِّنهم من كتابة الأدب القصصي، بوسعهم المشاركة كفريق مع كُتّاب محترفين. فعلى سبيل المثال.. قامت دار نشر «كوما برس» في مانشستر بالمملكة المتحدة بنشر أربعة مختارات أدبية قصيرة ـ والخامسة كان موعد صدورها في أكتوبر الماضي ـ كجزء من سلسلتها المسماة «بين العلم والأدب». وبغرض بداية عملية الإلهام، فإن كل عالِم يقترح بعض الموضوعات البحثية، أو التقنية الناشئة، ثم يختار كل أديب أحدها، ليحوِّله إلى قطعة أدبية. ثم يقدم الباحثون الإرشاد الفني، ويراجعون مسودات الأعمال، ويكتبون خاتمة توضِّح المعلومات العلمية بالتفصيل.

تلك المشارَكة عملٌ مُرْضٍ، لأن العلماء يرون عملهم مصوَّرًا في سياق عالَم حقيقي، كما أن الأدباء بوسعهم الحديث عن تَبِعات اجتماعية أو أخلاقية، قد لا يأخذها الباحث في الاعتبار، حسب قول را بيج، مؤسِّس دار نشر «كوما برس». وعلى سبيل المثال.. درَس أحد العلماء إمكانية أن تحسِّن التكنولوجيا النانوية من الدروع الجسدية التي قد تكون ذات فوائد في التطبيقات العسكرية، حيث أَلَّفَ الكاتب رواية بعنوان «دون دِرْع حامٍ»، تحكي عن مجتمع مستقبلي، يمتلك فيه الطلبة المنتسبون إلى مدرسة نخبوية زِيًّا موحدًا ذكيًّا؛ يقوم بمعالجة جروحهم، بينما لا يحظى الأطفال في مدرسة فقيرة بمثل هذه الميزة. وقد قامت دار نشر «كوما برس» بتضمين هذا العمل في مجموعة مختارات أدبية في عام 2009، تحت عنوان «عند التحول» When It Changed. وسوف تركِّز مجموعة المختارات الأدبية التالية على تقنيات التصنيع، كالطابعات ثلاثية الأبعاد. ويجب على العلماء المهتمين بذلك.. التواصل مع را بيج ـ مؤسِّس الدار ـ للمشارَكة.

كما يستطيع العلماء الإجابة على تساؤلات الكتاب الروائيين، من خلال مِنَصّة تبادل العلم والترفيه، التي تديرها الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم بواشنطن. وعلى سبيل المثال.. قد يكون الروائي بحاجة إلى معرفة نوع الأجهزة التي يحملها معه الباحث في مجاله. وبإمكان العلماء الراغبين في التطوع الاتصال على الرقم المجاني NEEDSCI-844 في الولايات المتحدة (وهي خدمة مجانية داخل الولايات المتحدة). وللتطوع.. انظر: (go.nature.com/e6juh9).

يمكن للعلماء أيضًا المشارَكة في فِرَق عمل مع أعضاء جامعاتهم، عن طريق أقسام الكتابة الإبداعية، كما يقترح بيج. هذا.. ولا يحتاج المؤلفون إلى خبرات في الكتابة العلمية، ولكن ربما يكون من المفيد أن يكونوا قد فُوِّضُوا للكتابة عن موضوعات محددة سابقًا. وينصح بيج بأنك حين تتعاون مع كاتب ما أنْ «تَدَعَه يطرح اقتراحاته، حتى لو اعتبرتها سخيفة».. فهناك أفكار قد تبدو مستحيلة في بداية الأمر، ولكنْ يمكن أن نراها معقولة ومنطقية، بعد إمعان التفكير فيها.

عندما تكون المعلومات الفنية ضرورية، يجب على الكُتّاب محاولة تقديمها بطريقة تبدو طبيعية. تقول جولدشميت في هذا الصدد: «إن الناس لا يخبرون بعضهم البعض بمعلومات حول فيزياء الجسيمات عندما يتناولون الإفطار معًا». وبدلًا من ذلك.. فهي تحاول أن تجعل العلم جزءًا طبيعيًّا من الرحلة الشخصية لأفراد الرواية. ففي قصة أوبنهايمر، على سبيل المثال، يفكر الفيزيائي في التجربة التي يحاول تكرارها، ولكن تفاصيل القصة منسوجة على اضطرابه النفسي الناتج عن إخفاقه في إكمالها.

يمكن أن يساعد حِسّ الفكاهة أيضًا على تخفيف حدة اللغة العلمية. فالشخصية الرئيسة في رواية «ساكن المريخ» تتمثل في شخص لطيف وذكي، تقوم فكاهته بكسر حِدّة النص المستفيض في الشرح، حيث إنه في أحد أجزاء الرواية، يقول البطل إنه إذا ما تعرَّض لإشعاعات شمسية مدمرة؛ فإنه «سيصاب بالسرطان، بل وسيصاب سرطانه بسرطان أيضًا».


الطريق الى دور النشر

إن كثيرًا من منافذ النشر تقبل القصص القصيرة المُقدَّمة إليها. فموقع LabLit.com غالبًا ما ينشر الأدب الذي يكتبه العلماء، بالرغم من أنه لا يعطيهم مقابلًا ماديًّا، لأنه مجهود تطوعي. كما تنشر دورية Nature كل أسبوع قصة خيال علمي، تتراوح بين 850 كلمة، و950 كلمة (انظر: nature.com/futures). ويقدم الموقع الإلكتروني Duotrope.com كذلك قاعدة بيانات قابلة للبحث في الصحف الأدبية، وغيرها من أسواق الأدب القصصي حول العالم، ويمكن للكتاب البحث في مِنَصّات الصحف عن دوريّات خيال علمي، مثل دورية «بين الخيال العلمي والواقع» Analog Science Fiction and Fact.

وبالنسبة إلى الأعمال الأدبية الطويلة، فإن اللجوء إلى دور النشر الصغرى يُعتبر خيارًا أكثر واقعية من المطابع الكبرى، والكثير منها لا يحتاج وكلاء عن الكُتّاب. فقد قامت تسنيم زهرا حسين ـ العالمة في الفيزياء النظرية والكاتبة القاطنة في كمبريدج بولاية ماساتشوستس ـ بكتابة رواية، لإعادة النظر في الاختراعات والإنجازات في مجال الفيزياء على مر التاريخ، وذلك من خلال وجهات النظر المختلفة لشخصيات الرواية. ومن خلال معارفها، تواصلت تسنيم مع دار النشر «بول دراي بوكس» بفيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا، وهي الدار التي أصدرت كتابها في العام الماضي بعنوان «الخيوط الأطول فحسب» Only the Longest Threads. وللوصول إلى دور النشر الصغيرة، يمكن للعلماء البحث عن شركات أصدرت كتبًا مشابهة من قبل. وكَحَلٍّ بديل، يمكن للمؤلفين اتباع طريقة النشر الذاتي، وذلك باستخدام مواقع خدمة إلكترونية، مثل «لولو» Lulu.

هناك دوريات أدبية كثيرة لا تعطي مقابلًا ماديًّا على الإطلاق. ويقدِّر رينولدز أنه جَنَى من دوريات الخيال العلمي مبلغًا متوسطًا (200-300 دولار أمريكي فحسب للقصة الواحدة)، لكن الاتصالات والمعارف التي كَوَّنها رينولدز من خلال نشر القصص القصيرة قادته إلى عقد اتفاق حول نشر كتبه. وقد نَشَر أربع روايات عندما كان يعمل في وظيفة عالِم فلك. وحين استقال من عمله في مجال العلم، وأصبح كاتبًا متفرغًا، بلغ حجم مبيعات كتبه حوالي 60 - 75 ألف دولار سنويًا.


تَوازُن معادلة الكتابة

قليل من العلماء الذين يتوقعون أن يكون مصدر الإنفاق على معيشتهم ـ أو كسب المال الإضافي ـ هو بيع منتجاتهم الأدبية، ولكن عادةً لا يكون المال هو الحافز الأساسي. فمن ناحيته، أراد كابلان جذب الانتباه للتحديات التي يواجهها أفراد أُسَر المصابين بمرض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب (وهي التحديات نفسها التي واجهها هو بنفسه)، وفي الوقت نفسه توفير عمل أدبي شيق للعلماء. وهو يجد أيضًا أن كتابة الأدب القصصي تصفي ذهنه بالطريقة نفسها التي يشعر بها الآخرون حين يمارسون الرياضة (انظر: Nature 523, 117-119; 2015). «إنه شكل من أشكال التأمل.. يجعلني في حالة ذهنية سليمة»، حسب تعبير كابلان. وهناك مردودات إيجابية أخرى، حيث تُتاح للعلماء فرصة للوصول إلى شريحة القراء الذين قد لا يقرأون الكتب العلمية التي لا تحوي أدبًا، ولا يزورون متحفًا للتاريخ الطبيعي، ولكن قد يقرأون قصة حب لعالِم في مجال البيئة، تَحْدُث له مواقف في مواقع عمل مُبْهِرة وغريبة. وقد يؤدي ذلك إلى إلهام القراء للنظر بتقدير إلى مجال العلم، فور انتهائهم من قراءة تلك القصص.

«يُتاح للعلماء فرصة للوصول إلى شريحة القراء الذين قد لا يقرأون الكتب العلمية التي لا تحوي أدبًا، ولا يزورون متحفًا».

يمكن أن يُوجد تأثير مزدوج لهذا النوع من التدريب. فـ «رون» تعتقد أن إنتاجها من الأدب القصصي قد ساعدها في الحصول على مِنَح أكثر، حيث عَلَّق المراجعون على الطلبات التي قدّمتها بأنها مكتوبة بطريقة جميلة. كما أن حرفيّة سرد القصص تنطبق أيضًا على الأوراق العلمية، فعلى سبيل المثال.. قامت بتنسيق عرض الظاهرة التي لاحظها فريقها، ووضْع الأسئلة التي أثارتها، وما الذي قاموا به للإجابة على تلك الأسئلة. وتقول: «الجميع يريدون سماع قصة».

إن إيجاد وقت مخصص للكتابة يُعتبر تحديًا.. فبعض العلماء يحاولون إيجاد وقت لها خلال كل ليلة عمل، أو في عطلات نهاية الأسبوع. فقد أَلَّفَت تسنيم حسين روايتها حين كانت تعمل في وظيفة بنصف دوام، وتقول إنها ما كانت لتؤلِّفها، لو كانت تعمل بوظيفة ذات دوام كامل، لأن الرواية تطلَّبت بحثًا تاريخيًّا مكثفًا.

يخاطر العلماء المؤلفون أيضًا بأن يُنظر إلى أعمالهم الأدبية على أنها تشتيت من جانب اللجان الدعائية. فقد خشيت تسنيم حسين أن تؤثر روايتها على فرصها في مستقبلها المهني، ولكنها تلقَّت رد فعل إيجابيًّا على كِتابها من فيزيائيين آخرين، ومنهم باحثون بارزون، كانت قد وصفت مجالات أعمالهم في كتابها.

وبالنسبة إلى الباحثين المتعمقين في الكتابة الأدبية، فإن خَلْق عوالم وأشخاص وحكايات يمكن أن يكون له مردود مؤثر ومُجْزٍ. وتقول رون في هذا الصدد: «عندما تتدفق الكتابة، فكأنما أَصْبَحَ المرءُ أسير أفضل كتاب قرأه طوال حياته».