أنباء وآراء

علم الوراثة الفوقية: "كَرْمَا" نخيل الزيت

على الرغم من أصلها النسيلي، تعطي بعض أشجار نخيل الزيت ثمارًا خالية من الزيت تقريبًا. وقد اتضح أن عدد مجموعات الميثيل المرتبطة بإحدى مناطق الحمض النووي، ويُطلَق عليها "كَرْمَا" Karma، هي المسؤولة عن أنْ تصبح بعض النباتات معيبة.

جيرزي باسزكويسكي
  • Published online:

يُعتبر التكاثر الخضري شكلًا من أشكال التكاثر غير الجنسي، التي يتم استخدامها بشكل روتيني لإنتاج نباتات وأشجار الحدائق بأعداد كبيرة؛ من أجل الاتجار بها، لأنه يساعد على التكاثر السريع لأفراد متطابقة وراثيًّا، لكن بالنسبة إلى بعض الأنواع، يُعتبر التكاثر الخضري عملية بالغة الصعوبة، لكونه يتطلب بيئات زراعة معقمة ومتطورة تقنيًّا، يمكنها إنتاج أعداد كبيرة من الأجنة المستنسخة، التي تستطيع أن تتطور فيما بعد إلى شتلات، إلا أن نسبة من النباتات المنتَجة بهذه الطريقة تعاني من تشوهات بالنمو، ناتجة عن الأخطاء الجينية، أو تغيرات في الوراثة الفوقية، حيث تقع تغيرات في التعبير عن الجينات، دون أن يتأثر تسلسل الحمض النووي الأساسي1. يصف أونج عبد الله وزملاؤه2 عيبًا متعلقًا بالوراثة الفوقية في بيئات زراعة نخيل الزيت، ناجمًا عن نقص في مجموعات الميثيل المرتبطة بمنطقة معينة من الحمض النووي.

تُزرع أصناف نخيل الزيت ذات الإنتاجية العالية في شرق آسيا، من خلال تقنيات زراعة الأنسجة، التي تعمل على إنتاج النباتات من أجزاء معينة من الورقة، ثم ينتهي المطاف بهذه الأشجار المستنسَخة والمتماثلة ًّ إلى المزارع. وبعض تلك الأشجار، التي يُطلق عليها "النخيل المغطَّى"، ينتج أزهارًا غير طبيعية، وينتج القليل من الزيت. هذا.. وتحتاج أشجار النخيل اليافعة عدة سنوات من العناية المركزة، قبل أن تبدأ في الإثمار، وعندها فقط يمكن الكشف عن ذلك العيب.

وبسبب انتشار استخدام زيت النخيل في بعض المنتجات المنزلية والمواد الغذائية ومستحضرات التجميل، فإن هذا العيب المتخفي يُعَدّ مشكلة اقتصادية خطيرة. لذا.. تمت دراسة الطريقة التي تورَّث بها هذه الصفة بشكل مكثف. إن النخيل المغطى لا يتبع قواعد "مندل" في الوراثة، مما يشير إلى أن هذا الخلل ينتج عن تغيرات وراثية فوقية في التعبير الجيني، وليس عن تحور جيني مباشر3. وللأسف، يُعتبر كشف التغيرات في الوراثة الفوقية أكثر صعوبة من كشف الآفات الجينية. ومع ذلك.. فقد تم جمع بعض الأدلة؛ للكشف عن أسباب هذا العيب.

تشبه أزهار النخيل المغطى تلك التي عُثر عليها في شكل طافر لنبات Arabidopsis. يشفر الجين الطافر في نبات Arabidopsis عاملًا أساسيًّا في تكوين أجزاء الزهرة. وقد تم التعرف على الجين المقابل في نخيل الزيت باسم EgDEF1 (المرجع 4)، حيث ينخفض التعبير عنه في أزهار النخيل المغطَّى5.

قد يكون السبب وراء حدوث هذا الشذوذ في التعبير الجيني هو مثيلة الحمض النووي، وهو تحوُّر وراثي فوقي، ينتج عنه ارتباط مجموعات من الميثيل بالحمض النووي. ونظرًا إلى أن التكاثر الخضري للنخيل عن طريق زراعة الأنسجة يؤدي إلى انخفاض عام في مستويات مثيلة الحمض النووي3، مما يثبط تعبير جين EgDEF1 بشكل غير مباشر، نتيجة فقدان مثيلة الحمض النووي، إلا أن الكيفية التي تحدث بها هذه العملية ما زالت غير واضحة.

تحيط بالجينات، بل وأحيانًا يتخللها، عناصر مستمدة من الفيروسات القديمة التي كانت قد غزت الجينوم على مر الزمن التطوري. وغالبية هذه العناصر أصبحت غير نشطة، وبالتالي حمضها النووي ممثيل بشدة، لكن عالمة الوراثة باربرا مكلينتوك، التي اكتشفت هذه العناصر في نبات الذُّرَة منذ أكثر من 60 عامًا6، وجدت أن هذه العناصر عبَّرت عن نفسها في بعض الأحيان، بل وبإمكانها الانتقال إلى أماكن جديدة داخل الكروموسومات، حيث يمكن أن تتداخل مع تعبير الجينات الأخرى. تعتقد مكلينتوك أن هذه العناصر القابلة للنقل تقوم بأداء وظائف تنظيمية رئيسة داخل جينوم المضيف7. يحتوي جين EgDEF1 على اثنين من هذه العناصر، التي تمت دراستها سابقًا، لكن لم يتم الربط بين مستويات مثيلة الحمض النووي، ونشاط هذه العناصر بالتغطية5. لذلك.. ظلت الآلية الجزيئية وراء نخيل الزيت المغطَّى لغزًا.

قام أونج عبد الله وزملاؤه بالبحث في جينوم النخيل عن تغيرات في مثيلة الحمض النووي مرتبطة بسمة التغطية في النخيل. واعتمد تصميمه للتجربة على تحليل أربع مجموعات من أشجار النخيل، تختلف فيما بينها في تركيبها الوراثي، وهو ما أسهَم في تقليل عدد النتائج الإيجابية الكاذبة، وزيادة دقة النتائج. أشار تحليل الجينوم مرة أخرى إلى جين EgDEF1، لكن هذه المرة كانت تغيرات المثيلة المرتبطة بظهور صفة التغطية في جزء من جين سبق تجاهله. اكتشف أونج عبد الله وزملاؤه أن هذه القطعة من الجين ـ التي تقع في منطقة عدم ترميز بروتيني طويلة ـ تحتوي على عنصر ثالث قابل للنقل، يُدعى "كَرْمَا" Karma.

أظهر الباحثون أن الحمض النووي لتسلسل "كَرْمَا" يكون في حالة مثيلة في النباتات السليمة (وهي الحالة التي أُطلق عليها "كَرْمَا جيدة")، بينما تنخفض درجة المثيلة في النخيل المغطى (كَرْمَا ضارة). من ناحية أخرى.. يشفر الحمض النووي لتسلسل "كَرْمَا" (موقعَ مستقبِل القطع) وهو تسلسل يوجه نشاط القطع في نسخة الحمض الريبي للجين. يرى الباحثون أن هذا الموقع يُستخدم فقط عند انخفاض نسبة المثيلة. وعلى الرغم من أن الآليات الكامنة وراء هذه الخصوصية ليست معروفة، أظهر أونج عبد الله وزملاؤه أن أزهار النخيل المغطَّى تنتج نسخة مقطعة بديلة من جين EgDEF1، تتراكم خلال تطور الزهرة، التي تشفر فيما بعد بروتين EgDEF1 مبتور (الشكل 1).

يمكن أن تَنْتُج عن تكاثر نخيل الزيت نباتات "مغطاة" معيبة. فقد أثبت أونج عبد الله وزملاؤه2 أن ظاهرة التغطية تنتج عن ارتباط مجموعات الميثيل بالحمض النووي لعنصر قابل للنقل يُدعى (كَرْمَا) ضمن جين EgDEF1 . أ، في النباتات السليمة يكون الحمض النووي لعنصر "كَرْمَا" في حالة مثيلة (كَرْمَا جيدة)، وبالتالي يكون العنصر غير نشط، وهكذا يتم إنتاج نسخ كاملة الطول، وهذا يشمل كل تسلسل تشفير البروتين EgDEF1 (المناطق الملونة)، ويلغي منطقة عدم الترميز (الخطوط السوداء)، بما في ذلك الكَرْمَا الجيدة. ب، انخفاض المثيلة يؤدي إلى وجود كَرْمَا ضارة، وهو ما يتسبب في قطع بديل للحمض الريبي لجين EgDEF1، ويؤدي بدوره إلى إنتاج نسخة إضافية تنتهي في تسلسل كَرْمَا، ويقلل من عدد النسخ كاملة الطول المنتجة. يمكن أن تؤدي ترجمة النسخ الشاذة إلى إنتاج نسخ من بروتين مبتور، قد تكون مسؤولة عن ظاهرة التغطية.

كبر الصورة


كل ما سبق يشير إلى أن فقدان مثيلة الحمض النووي عند تسلسل "كَرْمَا"، واختلاف نشاط قطع الجينات، يرتبطان بِسِمَة التغطية في النخيل. وليس من الواضح حتى الآن، ما إذا كانت سمة التغطية ناتجة عن نسخة البروتين المبتورة المنتجة، أم من خلال تراكُم نسخ مشوهة في تسلسل "كَرْمَا"، أم خفض مستويات نسخ، أم كل العوامل السابقة مجتمعةً. وأيًّا كان دور "كَرْمَا"، فإننا نعلم الآن أن هناك نوعين منها: كَرْمَا جيدة، ممثيلة وغير ضارة، وأخرى ضارة، غير ممثيلة ومرتبطة بِسِمَة التغطية.

من المرجح أن اكتشاف أونج عبد الله وزملائه سيوفر وسيلة للكشف المبكر عن النخيل عديم الجدوى الاقتصادية، مما يتيح استبدال النبتة في الوقت المناسب. وسيكون لهذا أهميته الاقتصادية الواضحة، بالإضافة إلى أهميته البيئية. إن زراعة نخيل الزيت تغطي مساحة كبيرة من الغابات الاستوائية، وأي زيادة في إنتاجيتها سوف تسهم في استدامة إنتاج زيت النخيل.

كما أن لهذه النتائج أبعادًا أخرى.. فعلى سبيل المثال.. بيَّن الباحثون أن رسم خرائط المثيلة على نطاق الجينوم يمكن أن يساعد في تحديد مناطق معينة في الجينوم في الكائنات غير النموذجية، مسؤولة عن السمة المطلوبة. وهذا يمهد الطريق لدراسات مماثلة، يمكن أن تسلط الضوء على موضوع التوريث "المفقود"8. وإضافة إلى ذلك.. قد يؤدي هذا النهج إلى الكشف عن المزيد من الأدوار التنظيمية الأساسية للعناصر القابلة للنقل، مما يدعم التنبؤات التي أَدْلَت بها مكلينتوك منذ عقود6.

  1. Stroud, H. et al. eLife 2, e00354 (2013).

  2. Ong-Abdullah, M. et al. Nature 525, 533–537 (2015).

  3. Adam, H. et al. J. Exp. Bot. 58, 1245–1259 (2007).

  4. Jaligot, E. et al. PLoS ONE 9, e91896 (2014).

  5. Profiles in Science: The Barbara McClintock Papers, 'Controlling elements: Cold Spring Harbor, 1942–1967', available online at http://profiles.nlm.nih.gov/ps/retrieve/Narrative/LL/p-nid/49

  6. McClintock, B. Science 226, 792–801 (1984).

  7. Manolio, T. A. et al. Nature 461, 747–753 (2009).

  8. Jaligot, E. et al. Ann. Bot. 108, 1453–1462 (2011).