أنباء وآراء

علم الأعصاب: إيضاح مسألة النسيان

تُخَزَّن الذكريات في شبكة معقدة من الخلايا العصبية في المخ. وفي الوقت الحالي، ومن خلال أدوات مبتكرة للتلاعب بالاتصالات بين الخلايا العصبية، يمكن محو ذكريات الفئران بشعاع من الضوء.

  • جو لو
  • يي تسو
  • Published online:

أشار عالِم الأحياء الألماني ريتشارد سيمون، منذ أكثر من قرن، إلى أن الذكريات تترك آثارًا مادية في المخ، وصاغ مصطلح "إنجرام" engram لوصفها1. وعلى الرغم من الاعتراف بالفكرة الآن، إلا أن البحث عن الإنجرام لا يزال مستمرًا. وفي هذا الصدد، اكتسبت نقاط التشابك ـ وهي المناطق التي تربط بين الخلايا العصبية ـ الكثير من الاهتمام، إلا أنه لا يوجد حتى الآن دليل مباشر على وجود علاقة سببية بين التغيرات التي تحدث فيها، وبين تكوين الذكريات، لكن هاياشي-تاكاجي وزملاءە2 قد قاموا بملء تلك الفجوة.. فمن خلال هندسة البروتينات والتصوير الحي، قاموا بتحديد نقاط التشابك التي يتم تنشيطها عندما يتعلم الفأر إحدى المهارات الحركية الجديدة، ثم قاموا بإضعافها؛ لمحو الذاكرة الحركية المتعلقة بها.

تُخلق معظم نقاط التشابك في المخ بين المحاور العصبية (أو كابلات الإنتاج) والتغصنات (كابلات الإدخال). وعادة ما يتم تلقي الإشارات في نقاط التشابك المثارة عبر نتوءات ميكرومترية الحجم، تُسمى "شوكات"، وهي تُبعث من التغصنات. ويرتبط حجم رأس تلك الشوكات بقوة التشابك3، فهي تَظهر، أو تختفي، أو يتغير حجمها أثناء التعلم وتشكل الذاكرة، مما يعكس التغيرات التي تظهر في اتصال الدوائر العصبية3.

ولدراسة العلاقة السببية بين تشكُّل الذاكرة الحركية، وتحفيز الشوكات وتغيُّرها الهيكلي (خلْقها، أو تضخيمها)، قام هاياشي-تاكاجي وزملاؤه بتطوير مجسّ ضوئي، يُدعى "AS-PaRac1"، يغير في هيكل الشوكات المحفَّزة، استجابةً للضوء. يقوم مركب الحمض النووي الخاص به بترميز نسخة من بروتين التأشير الصغير "RAC1" تستجيب للضوء، ويؤدي نشاطها الممتد إلى تقلص الشوكات. كما يتضمن المركّب أيضًا تسلسلًا معينًا من جين "Arc"، الذي يستهدف التغصنات، ويُعبَّر عنه بسرعة هناك، وبشكل عابر، استجابةً للنشاط العصبي؛ ما يضمن انتقال المجس إلى الشوكات التغصنية أثناء تحفيزها وتغيُّرها الهيكلي. وبذلك.. يُعَدّ المجس الضوئي المذكور أول أداة جينية ضوئية تسمح بتعديل الشوكات المحفَّزة.

ومن ثم، قام هاياشي-تاكاجي وزملاؤه بتعبير المجسّ الضوئي في قشرة المخ الخاصة بالحركة في الفئران، ودربوا الحيوانات على الركض على قضيب دوّار متسارع، في جهاز يُسمى "روتارود" rotarod. في هذه التجربة، تَسَبَّب التنشيط الضوئي لمجسّ "AS-PaRac1" في تقلص الشوكات المحفَّزة بعد التعلم، وبالتالي تعطيل قدرة الحيوانات على الركض على جهاز "روتارود"؛ ما يوضح العلاقة السببية بين قوة التشابك، والذاكرة الحركية في هذا الإطار (الشكل 1).

تتلقى إحدى الخلايا العصبية إشارات تحفيزية من الخلايا العصبية الأخرى من خلال الشوكات التغصنية. فعندما يتعلم الفأر مهمة جديدة، مثل الركض على قضيب دوّار متسارع (روتارود)، فإن الشوكات التي تشارك في الأمر تُفعّل (أي تتشكل شوكات جديدة، ويزداد حجم الشوكات الموجودة أصلًا). قام هاياشي-تاكاجي وزملاؤه2 بتصميم مركّب جيني ضوئي، بُنِيَ على نسخة من بروتين التأشير الصغير "RAC1" قابلة للتحفيز بالضوء، حيث يستهدف هذا البروتين الشوكات التغصنية المفعَّلة حديثًا. ينشِّط الضوء الأزرق بروتين "RAC1" المعدل، مما يؤدي إلى انكماش الشوكات. وقد وجد الباحثون أن انكماش الشوكات تَسَبَّب في نسيان الفأر للمهارة التي تعلمها؛ مما تَسَبَّب في سقوطه سريعًا من على القضيب الدوّار.

كبر الصورة


بعد ذلك.. أوضح المؤلفون أن تأثير المجسّ يعتمد على المهمة المطلوبة. فحين تعلّمت الفئران الركض على جهاز "روتارود"، ثم تعلمت المشي على شعاع رقيق، لم يؤثر تعطيل الشوكات المحفَّزة أثناء عملية المشي على أداء الفئران على جهاز "روتارود"، كما لم يؤثر تنشيط المجس الضوئي في الشوكات المحفَّزة تلقائيًّا بعد يومين من التعلمّ (ربما بسبب المهام الحركية غير المرتبطة) على الأداء الحركي. ومن ثم، قام الباحثون بإعادة تدريب الفئران على المهمة نفسها، التي تم تعطيل الشوكات المحفَّزة فيها؛ وهنا، عادت غالبية الشوكات المنكمشة ضوئيًّا إلى أحجامها الأصلية في حالاتها المحفَّزة. يشير كل ما سبق إلى أنه يتم تغيير مجموعات فرعية متميزة من نقاط التشابك، بناءً على المهمة المطلوبة خلال التعلم الحركي وتشكُّل الذاكرة.

وفي سعيهم الطويل لتفسير الإنجرام، أجمع علماء الأعصاب على أن أدمغة الثدييات تخزِّن الذكريات في مجموعات فرعية مختلفة من الخلايا العصبية في مناطق معينة. وقد مكَّنت طرق الترميز والتصوير وتفعيل وإسكات الخلايا العصبية في الحيوانات الباحثين من رسم خريطة الخلايا العصبية المرتبطة بمهمة تعليم محددة، وتغيير أنشطتها، وإحداث تغيُّرات خلوية اصطناعية تمثلها4-6؛ إلا أنه يمكن لخلية عصبية واحدة أن تشارك في تجهيز وتخزين أكثر من معلومة مميزة7. ولذلك.. فإن الإنجرام الخاص بذاكرة معينة ينطوي ليس فقط على هوية الخلايا العصبية المكوِّنة، لكن أيضًا يعتمد على مجموعة كاملة من اتصالات نقاط التشابك بين هذه الخلايا. ولكن لا تزال كيفية تنصيب الذاكرة عند مستوى التشابك هذا غير واضحة.

ولكي يُوصَف تأثير معين بأنه إنجرام، يجب على دائرة التشابك أن توفي عدة شروط. أولًا، يجب أن ترتبط التغيرات الهيكلية والوظيفية في نقاط التشابك بعملية التعلم. وثانيًا، أن يؤدي منع مثل هذه التعديلات إلى منع تشكل الذاكرة، ما يوضح ضرورة حدوثها. وثالثًا، ينبغي أن تكون تغيرات نقاط التشابك المصطنعة كافية لإنتاج الذاكرة، دون الحاجة إلى تدريب سلوكي. وقد تبيَّن8 على مدى العقد الماضي من خلال عمليات التصوير في الجسم الحي أن عمليات إنتاج وإزالة الشوكات التغصنية ترتبط بتعلُّم المهارات الحركية، وبالذاكرة؛ لكن الآن، انطلق هاياشي-تاكاجي وزملاؤه إلى المرحلة التالية بوضْعِهم أساسيات الفكرة.. المتمثلة في أنّ إلغاء تغييرات نقاط التشابك التي تصاحب التعلم الحركي يعطِّل الذاكرة بالفعل.

ويمكن لتطوير الأدوات الجينية والضوئية، مثل المجسّ الضوئي "AS-PaRac1"، أن يسمح بتحليل التفاصيل الأدق للإنجرام. كما أن استخدام التسلسل المحفز الذي يدفع التعبير عن الجينات المستهدفة بطريقة تختلف حسب نوع الخلية، وكذلك طرق الوسم الخاصة بالاتصال9، يمكن أن يساعد على كشف أدوار دوائر التشابك ـ المكونة من أنواع مختلفة من الخلايا العصبية ـ في عملية التعلم وإنشاء الذاكرة. وهو بدوره يكشف ـ على سبيل المثال ـ إسهامات الخلايا العصبية المثارة والمثبطة، أو الخلايا العصبية الموجودة في طبقات مختلفة من قشرة المخ. وعندما يتكون لدينا فهْم أعمق للإشارات الجزيئية التي تحدث في التشابك أثناء تكوُّن الذاكرة10، يمكن استخدام أدوات مماثلة للمجسّ الضوئي المستخدَم هنا، لتعديل عناصر أخرى في الآلية الجزيئية. كما أن تقنيات المجاهر المطوَّرة يمكن أن تستهدف خلايا عصبية منفردة، أو نقاط تشابك محددة11، بدلًا من تعديل مجموعات كاملة من الخلايا العصبية.

وعندما ستُستخدم التقنيات سابقة الذكر جنبًا إلى جنب، فإنها ستساعدنا على تقوية الإنجرامات الموجودة، وتسهيل إنتاج إنجرامات جديدة، وإحداث تغيرات خلوية اصطناعية على مستوى التشابك. وبذلك.. سنتمكن من دراسة التفاعل بين أشكال مختلفة من التغيرات التي تسبِّبها الذكريات، فضلًا عن الآليات التي تترجم إحدى الإنجرامات إلى نتائج سلوكية. ومن المفترَض لتلك الجهود أن تتيح لنا ببساطة فهْم تلك الظاهرة الملفِتة، من خلال تسليط الضوء على أساسها المادي.

  1. Semon, R. Die Mneme als erhaltendes Prinzip im Wechsel des organischen Geschehens (Wilhelm Engelmann, 1904)

  2. Hayashi-Takagi, A. et al. Nature 525, 333–338 (2015).

  3. Holtmaat, A. & Svoboda, K. Nature Rev. Neurosci. 10, 647–658 (2009).

  4. Han, J.-H. et al. Science 323, 1492–1496 (2009).

  5. Garner, A. R. et al. Science 335, 1513–1516 (2012).

  6. Ramirez, S. et al. Science 341, 387–391 (2013).

  7. Jia, H., Rochefort, N. L., Chen, X. & Konnerth, A. Nature 464, 1307–1312 (2010).

  8. Chen, C.-C., Lu, J. & Zuo, Y. Front. Neuroanat. 8, 28 (2014).

  9. Luo, L., Callaway, E. M. & Svoboda, K. Neuron 57, 634–660 (2008).

  10. Mayford, M., Siegelbaum, S. A. & Kandel, E. R. Cold Spring Harb. Perspect. Biol. 4, a005751 (2012).

  11. Packer, A. M., Russell, L. E., Dalgleish, H. W. P. & Häusser, M. Nature Methods 12, 140–146 (2015).