أخبار

كـرة أرشميدس الأسطورية تُبعـث للحيـاة من جديـد

أمين متحف يعيد بناء نموذج للكون، عمره ألفيْ عام.

جو مارشانت
  • Published online:

بعد أكثر من ألفي عام، أُعيد بناء نموذج ميكانيكي للكون، منسوب إلى عالِم الرياضيات الموسوعي الإغريقي القديم أرشميدس. وهو يأخذ شكل كرة معدنية تحاكي حركة الشمس والقمر والكواكب عبر سماء الليل، ويُعرض لأول مرة في متحف في بازل بسويسرا.

<p>آلة مايكل رايت تحاكي السماوات.</p>

آلة مايكل رايت تحاكي السماوات.

Adam Levy/Nature

يُعَدّ هذا النموذج، الذي بناه مايكل رايت ـ أمين سابق بمتحف العلوم في لندن ـ إلى حد كبير نتاج تخمينات نابعة من شخص مثقف، إلا أن مايك إدموندز ـ عالم الفيزياء الفلكية بجامعة كارديف في المملكة المتحدة ـ يقول إن النموذج ينبهنا إلى أن آلات العصور القديمة ذات التروس كانت في الغالب أكثر تعقيدًا مما يَعتقد المؤرخون.

وَيَصِف العديد من الكتاب والشعراء القدماء نماذج ميكانيكية للسماء1 في أعمالهم، ينسبونها عادةً لأرشميدس. تظهر أولى تلك الإشارات وأوضحها في حوار2 كَتَبَه المؤلف الروماني ماركوس توليوس شيشرون في القرن الأول قبل الميلاد، يصف فيه فيلوس ـ وهو إحدى شخصياته ـ كيف قاد الجنرال الروماني ماركوس مارسيلوس في عام 212 قبل الميلاد هجومًا على مدينة سيراكيوز، وهي مسقط رأس أرشميدس (الذي قُتِل خلاله). وبينما انتشرت قواته في المدينة، استحوذ مارسيلوس لنفسه على شيء واحد فقط: هو كرة أرشميدس الميكانيكية.

وعندما شاهد فيلوس في وقت لاحق عرضًا للجهاز، خلص إلى أن «الصِّقِلِّيّ الشهير قد وُهب عبقرية أكبر مما يُتصور أن يُقَدَّر لبشر أن يمتلك». كانت الكرات الصلبة ذات العلامات الدالة على تشكيلات النجوم أمرًا شائعًا في ذلك الوقت، لكن اختراع أرشميدس ـ كما يذكر فيلوس ـ تَضَمَّن أيضًا مواقع الشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة، التي تظهر مع دوران الكرة «بحركات مختلفة ومتباينة، وبمعدلات سرعة مختلفة».

وفي وقت ما، اعتقد المؤرخون أن وصف شيشرون هذا كان ملفقًا، أو مُبالَغًا فيه.. غير أن الدراسات التي أجريت على بقايا جهاز قديم يُسمى «آلية أنتيكيثيرا» Antikythera mechanism ـ وُجد في حطام سفينة تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد ـ غيَّرت وجهة النظر هذه. فقد تبيَّن أن الجهاز هو بمثابة تقويم دقيق يعمل بآليّة الساعة، يمكنه محاكاة حركات الكواكب، والتنبؤ بظاهرتي الكسوف والخسوف. ومن ثم، فقد أثبت أن الأجهزة الفلكية المعقدة ذات التروس كانت موجودة في العصور القديمة؛ وكان هذا الجهاز يضم أكثر من 30 عجلة برونزية مسنَّنة، موضوعة داخل صندوق خشبي في حجم دليل الهاتف (انظر: Nature 444, 534–538; 2006).

وبالتالي، استنتج معظم المتخصصين أن شيشرون كان يصف آلة مماثلة، لكن رايت ـ الذي قام في السابق ببناء نموذجين لآلية «أنتيكيثيرا» ـ يشير إلى أن أوصاف جهاز أرشميدس تَستخدم كلمة «sphaera» اللاتينية، (أو «sphaira» باليونانية)، التي تعنى «كرة»، إلا أن «آلية أنتيكيثيرا ليست كروية، بل تأخذ شكل صندوق أحذية»، كما يقول.

وفي المقابل، يرى علماء آخرون أن كلمة «كرة» يمكن أن تكون مصطلحًا عامًّا للنماذج الفلكية، بِغَضّ النظر عن شكلها؛ إلا أن رايت يرد على ذلك قائلًا إنه، وفقًا لوصف شيشرون، حين تدور الكرة «يأتي القمر دائمًا متأخرًا عن الشمس بعدّة دورات في الجهاز البرونزي بما يتفق مع عدد الأيام التي تفصل بينهما في السماء»؛ ما يعني أن الجهاز كان يدور مرة واحدة كل يوم، كما يقول، ومن ثم لا يُعقل أن يكون له وجه مسطح.

استخدم رايت في بناء جهازه تقنيات تشبه تلك التي يمكن أن يكون قد استخدمها أرشميدس. كما حفر صورًا من الأبراج السماوية اليونانية على سطح الكرة التي يبلغ قطرها 20 سنتيمترًا، وثبّتها في صندوق خشبي يُخفي دائمًا جزء الكرة الواقع تحت خط الأفق. وعند تدويرها يدويًّا، تقوم 24 عجلة مسننة مخبأة بالداخل بتحريك مؤشرات منحنية على السطح. فتتحرك المؤشرات التي تمثل الشمس والقمر بسرعة ثابتة، بينما تتسكع الكواكب خلفها، متحركةً جيئةً وذهابًا نسبة إلى النجوم الثابتة، تمامًا كما يحدث في السماء.

لا أحد يعرف ما إذا كان أرشميدس قد أبدع فعلًا هذا الجهاز، أم لا، لكن رايت يرى أن أرشميدس كان في وضع مثالي للقيام بذلك.. فقد كان هذا العالِم القديم عبقريًّا في الرياضيات، كما اشتهر ببناء الآلات البارعة. إن هذا النموذج يوجد الآن في متحف بازل للفنون القديمة، ومجموعة لودفيج، كجزء من معرض للقطع الأثرية المستخرَجة من حطام «أنتيكيثيرا».

  1. Edmunds, M. G. Contemp. Phys. 55, 263–285 (2014).

  2. Cicero, M. T. (transl. Keyes, C. W.) De Re Publica Vol. 213, 40–44 (Loeb, 1928).