تحقيق إخباري

معركة الجبل

غرقت خطط بناء واحد من أكبر التليسكوبات في العالم على جبل مونا كيا في جزيرة هاواي في الصراعات. يشرح أربعة أشخاص شاركوا في المعركة وجهات نظرهم المتباينة.

ألكسندرا ويتز
  • Published online:

تصدح نغمة منخفضة وحزينة عبر قمة مونا كيا العريضة، وهي القمة الأعلى في هاواي. يُنزِل جوشوا لاناكيلا مانجول بوق المحارة، ويبدأ في المشي على الصخور البركانية الوعرة. ويلحق به عشرة آخرون تقريبًا من مواطني هاواي الأصليين من الجنسين، يحمل الكثير منهم علم الولاية بألوانه الحمراء، والبيضاء، والزرقاء، وينشدون معًا الأناشيد التقليدية أثناء تسِلُّقهم التل البركاني، قاصدين قمة الجبل.

في هذا اليوم من شهر يوليو الماضي، قاد مانجول زيارة خاطفة رفيعة القَدْر إلى القمة التي يبلغ ارتفاعها 4,200 متر، حيث تدعو التقاليد المحلية في هاواي الزوارَ إلى تقديم فروض الاحترام للجبل المقدس "مونا"، ثم المغادرة. وكانت المجموعة قد خططت للبقاء بضع ساعات، ثم العودة إلى شاحنات صغيرة، وقيادتها إلى معسكر بعيد في سفح الجبل. وهناك سوف يستأنفون المهمة، التي أخذت من وقت مانجول وغيره القِسْم الأكبر من السنة، وتتمثل في حماية جبل مونا من محاولة بناء تليسكوب عملاق.

يخطط اتحاد شركات دولي لبناء "تليسكوب الثلاثين مترًا" TMT على قمة جبل مونا كيا في جزيرة هاواي الكبرى. إنه مرفق فلكي متطور، سوف يحتوي على مرآة جامعة للضوء، حجمها أكبر 3 أضعاف من أيٍّ من الثلاثة عشر تليسكوبًا الأخرى الموجودة بالفعل على الجبل، وتتضمن بعضًا من أكبر المراصد الفلكية، وأكثرها إنتاجًا علميًّا في العالم.

بدأ بناء تليسكوب الثلاثين مترًا في إبريل الماضي، وتوقَّف على الفور عندما قام المتظاهرون ـ بقيادة مانجول ـ بمنع المركبات من الوصول إلى القمة.. فهُم يقولون إنّ تليسكوب الثلاثين مترًا مِن شأنه أن ينتهك كلًّا من النظام البيئي الهش، وحقوق السكان الأصليين، التي لم يقيِّمها علماء الفلك بشكل صحيح. ويقول مانجول في هذا الصدد: "قبل أن تنظر إلى الفضاء، يتعين عليك احترام هذا المكان".

تردِّد المعركة التي اندلعت هذا العام أصداء الخلافات السابقة.. فقد احتدم الجدل بين سكان هاواي الأصليين، وخبراء البيئة، والعلماء، والمجموعات المعنية الأخرى ـ منذ عقود ـ حول الآثار البيئية والثقافية لتليسكوبات القمة (انظر: "انفعالات القمة")، لكن النزاع على تليسكوب الثلاثين مترًا تَعاظَم، وبات أكثر مدعاة للشقاق من المناقشات الماضية، وهذا بفضل انبعاث شعور سكان هاواي الأصليين بالاعتزاز، وقدرة وسائل الإعلام الاجتماعي على إشعال بؤرة الوميض، مما أدَّى إلى تحوُّل الاحتجاجات إلى غضب أوسع ضد حكومة الولايات المتحدة، وسلوكها السابق تجاه الجُزُر والسكان الأصليين.


|IMG_5112|


لطالما لعب جبل مونا كيا في هاواي دور المضيف لأفضل التليسكوبات، في ظل وجود أفضل ظروف المشاهدة الفلكية في العالم عليه، لكن العلماء كثيرًا ما اشتبكوا مع سكان هاواي الأصليين وأنصار المحافظة على البيئة، بخصوص المَرافق على الجبل.


1960

"تسونامي" يدمر مدينة هيلو. وبغرض البحث عن سبل لإعادة بناء الاقتصاد، بدأ رجال الأعمال المحليون في توظيف علماء الفلك؛ لتطوير المراصد هناك.

1968

ولاية هاواي تمنح جامعة هاواي عقد إيجار لمدة 65 عامًا لتشغيل منطقة قمة جبل مونا كيا كمنطقة محفوظة للعلم.

1968

سلاح الجو الأمريكي يبني أول تليسكوب للأبحاث على جبل مونا كيا، وهو مُنشأ بقطر 0.6 متر.

1990

أكبر التليسكوبات على جبل مونا كيا يبدأ العمل: تليسكوب جيميني نورث، وسوبارو، البالغ قطرهما 8 أمتار، وتلسكوبا "كيك" التوأم، البالغ قطرهما 10 أمتار. وقال أنصار المحافظة على البيئة، وسكان هاواي الأصليون وغيرهم إن الجبل قد تدنّست حُرْمَته.

2006

بعد معارضة قوية، وانتكاسات قانونية، تقرِّر "ناسا" عدم بناء تليسكوبات "داعمة" إضافية عند منطقة تليسكوبَيْ "كيك".

2009

مسؤولو تليسكوب الثلاثين مترًا يعلنون عن خطّتهم لبناء مرصد الجيل القادم على جبل مونا كيا.

2015

المحتجُّون من سكان هاواي الأصليين يُوقِفون بناء تليسكوب الثلاثين مترًا، وحاكم الولاية يعلن أن الجامعة يجب أن تفكِّك أكبر عدد ممكن من التليسكوبات.


يصرّ مانجول على أن التليسكوب يجب ألّا يُبنى، ولكنْ للآخرين وجهات نظر مغايرة ومتعاطِفة بالقدر نفسه. وهنا، تتحدث دورية Nature مع أربعة أشخاص يعيشون في هاواي، ومشاركين في الجدل، وتكشف اختلاف وجهات نظرهم عن مدى تعقيد إيجاد أرضية مشتركة، وتأمين مستقبَل علم الفلك هناك.


المُعارِض

جوشوا لاناكيلا مانجول

كبر الصورة


عندما لا يشيد مانجول بقمة مونا كيا، فكثيرًا ما يمكنك أن تجده تحتها بحوالي 1,400 متر، عند نقطة التوقف التي تضم مركزًا للزوار، ومخيمًا مؤقتًا أقامه المحتجُّون في مارس الماضي. وباعتباره واحدًا من قادة جماعة الاحتجاج هناك، كثيرًا ما يتحدث مانجول إلى المناصِرين، والسياح، والصحفيين، وأي شخص يتوقف هناك.

في أواخر يوليو الماضي، كان المخيّم على شكل كوخ صغير ذي سقف من القش، من التصميم التقليدي، يجلس فيه رجل من سكان هاواي الأصليين، يرتدي مئزرًا، ورداءً خارجيًّا على الكتف، وينتظر أن يقدِّم وصفًا للأعراف الثقافية لأي زائر. وتحلَّقت حوله مجموعة من المحتجِّين الآخرين، يتحدثون مع بعضهم البعض بهدوء. وإلى جانب الكوخ، في حوزة كبيرة من القماش المشمَّع، توجد أَسِرّة المخيم والإمدادات الغذائية. وكان مانجول يعمل على هاتفه المحمول، وهو يرتدي قميصًا قطنيًّا ذا قبعة. وانتقل إلى محادثة مجموعة من الأطفال الذين قَدِمُوا من جزيرة ماوي المجاورة لرؤيته. كان كثيرون منهم يرتدون القميص الأحمر القاني الذي يحمل عِبارة تعني "حُماة الجبل"، حيث أصبحت القمصان تحظى بشعبية كبيرة بين المحتجِّين على بناء تليسكوب الثلاثين مترًا.

انحنى مانجول لتحية طلاب كثيرين، ولمس أنفه بأنوفهم بالطريقة التقليدية التي ترمز إلى تبادل النَّفَس، وقال لهم شارحًا: "إن خَلْقنا ووجودنا مرتبط بهذا الجبل"، وسَجَّل بعض الأطفال قوله على هواتفهم الذكية. في تاريخ هاواي، التقى الأب (السماء) مع الأم (الأرض)؛ لخلق جزيرة كبيرة، وجبل مونا كيا هو مركزها. وأضاف مانجول: "هذا الجبل هو الأخ الأكبر الذي يسهر على حمايتنا، فهو يجمع الغيوم، ويمرر الماء في القنوات، ويمنحنا الحياة". وقد شعر مانجول بهذا الارتباط منذ طفولته في بلدة ممطرة تحت السفوح الشمالية لجبل مونا كيا، فيقول: "يأتي النهر الذي ينساب وراء بيتي من هذا المكان. لقد كان هذا جبلي دائمًا".

ومِثل كثيرين من جيل الشباب من سكان هاواي الأصليين، التحق مانجول ـ الذي يبلغ من العمر 28 عامًاـ بمدرسة ذات انغماس كامل في لغة هاواي الأصلية. وقد ساعدت هذه المدرسة ومثيلاتها على تنشيط ثقافة هاواي، بعد فترة طويلة كانت قد قُمِعَت خلالها، حيث كان الأطفال ـ في جيل أجداد مانجول ـ يتعرضون للضرب في المدارس، إذا تحدثوا بلغتهم الأم. وقد سمعوا عن جورج واشنطن أكثر بكثير مما سمعوا عن بطلهم العظيم كاميهاميها، الذي وَحَّد جُزُر هاواي قبل قرنين من الزمان، ولكن ابتداءً من سبعينات القرن العشرين، بدأ النشطاء في التغير. والآن، يمكن للطلاب في هاواي الاختيار من بين مجموعة متنوعة من برامج الانغماس الكلي في ثقافة هاواي، وذلك في المدارس الحكومية والأهلية المستقلة في جميع أنحاء الجُزُر.

يقول مانجول إنه كان أصغر سنًّا مِن أن يتمكن من المشاركة، عندما بدأ تليسكوب الثلاثين مترًا العملية التي استمرت سبع سنوات للحصول على تصاريح الدولة للبناء على جبل مونا كيا، ولكن إحدى مدرِّساته كانت ناشطة منذ فترة طويلة في مقاومة ما يحدث على الجبل. ومن خلالها، شَبَّ مُطَّلِعًا على القضايا المحيطة بجبل مونا كيا. وبعد تخرُّجه، عاد إلى مدرسته؛ ليعمل كمدرِّس فيها.

ومع تزايد اهتمامه بالشؤون الثقافية، أسَّس مانجول أعمالًا استشارية لقضايا سكان هاواي الأصليين، وبدأ بتخصيص وقت أكبر لقضية مونا كيا. وفي أكتوبر من عام 2014، عندما نظم مسؤولو تليسكوب الثلاثين مترًا حفل وضع حجر الأساس بحضور كبار الزوار، فاجأهم مانجول ـ وفاجأ نفسه ـ بالقفز أمام الكاميرات، مندِّدًا بالمشروع. "لم أخطط لهذا.. لقد كنت مستاءً". وبعد ستة أشهر، كان مانجول مرة أخرى يتصدر مجموعة احتجاج عرقلت مسار شاحنات تشييد تليسكوب الثلاثين مترًا. وقد تم القبض عليه مع 30 متظاهرًا آخرين، تم احتجازهم، ثم الإفراج عنهم. وقد (دفع  أحد سليلي أثرياء زمن الحكم الملكي في هاواي جزءًا كبيرًا من الكفالة المالية).

والآن، يمضي مانجول معظم وقته في دور حامي الجبل: يقود الاحتجاجات، ويدلي بشهادته في جلسات الاستماع، ويسافر إلى جُزُر أخرى للقاء الناشطين. وكذلك يساعد على إشعال المظاهرات عبر صفحاته ذات الجماهيرية الواسعة في شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك". كما بدأ أيضًا بالانغماس في السياسة، بترشيح نفسه للحصول على مقعد في مجموعة شُكلت حديثًا، بغرض بناء قاعدة حاكمة لشعب هاواي في المستقبل. (أُطِيح بالنظام الملكي في هاواي في عام 1893 من قِبَل المصالح الموالية للولايات المتحدة، وأصبحت إحدى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1959).

إن هدف مانجول  المباشر بسيط، يتمثل في إيقاف بناء تليسكوب الثلاثين مترًا على جبل مونا كيا. ويقول في هذا الصدد: "إننا نكافح من أجل حقوق الجبل. ليس لديَّ أي شيء ضد علم الفلك، فلا تضعوه هناك وحسب". ويتطلع مانجول في المستقبل إلى اليوم الذي يترك فيه علماء الفلك جبل مونا كيا. والتليسكوبات الموجودة هناك لها الحق في العمل قانونًا، حتى انتهاء عقد استئجارها للموقع في عام 2033. وعند هذه النقطة، يقول مانجول إنها يجب أن تُفَكَّك كلها، "وعندئذ يمكن للجبل أن يرتاح".


المؤيِّدة

ألكسيس أكوهيدو

كبر الصورة


عندما يُطْلِق مانجول صوت بوق محارته على قمة جبل مونا كيا، تقف ألكسيس أكوهيدو بالقرب منه، محاوِلة شرح مشاعرها حيال حركة الاحتجاج، وتقول أخيرًا: "أنا في نزاع.. إنني حقًّا في نزاع". تنتمي أكوهيدو ـ البالغة من العمر 22 سنة، وتُعتبر من سكان هاواي الأصليين جزئيًا ـ إلى جيل مانجول، ولكنها لا تمتلك نفس عقليته. فقد نشأت أكوهيدو في جزيرة "أواهو" بالقرب من قلب هونولولو، وكان توجُّهها دائمًا نحو العلوم. وتقول في هذا الصدد: "في المدرسة الثانوية، كنت أريد أن أتخصص في علم الأحياء، ولكن عندما وصلتُ إلى الكلية؛ حصلت على كل هذه التقديرات في الرياضيات؛ ففكَّرْتُ.. لم لا أحصل على شهادتي في الرياضيات؟".

منذ عدة سنوات سمعتْ أكوهيدو عن تليسكوب الثلاثين مترًا لأول مرة، حين كانت تجلس في محاضرة توجيهية تدريبية صيفية عن الفلك. فتحدَّث أحد علماء المشروع عن الطريقة التي سيجعلنا بواسطة تليسكوب الثلاثين مترًا نرى النجوم والمجرات بوضوح غير مسبوق، أفضل حتى مما نراها اليوم من تليسكوب هابل الفضائي. "لقد بدا أن ما خططوا له رائع حقًّا. اعتقدتُ أن وجوده في هاواي سيكون رائعًا"، حسب تعبيرها.

لذا.. عندما بدأتْ الاحتجاجات ضد تليسكوب الثلاثين مترًا في الانتشار في ربيع هذا العام، قررتْ أن تصبح أكثر نشاطًا. وفي نِقاش خلال درس الفلسفة، تحدثت لصالح تليسكوب الثلاثين مترًا، وطلب منها زميلٌ كتابة مقال لصحيفة الجامعة. وبعد ظهوره، طلبت منها شركة العلاقات العامة ـ التي كانت تتولى شؤون تليسكوب الثلاثين مترًا ـ التوسع في أفكارها لكبرى صحف هونولولو، وهكذا نشرتْ تعليقًا هناك في إبريل الماضي.

قالت أكوهيدو إن تليسكوب الثلاثين مترًا يجب أن يُبنى، لأنه سيتيح فرصًا للطلاب في هاواي، وهي الولاية التي يحتل الأداء المدرسي فيها عادةً مرتبة أقل من المتوسط في الولايات المتحدة. (ومن بين الإسهامات الأخرى.. أعدَّت مؤسسة تليسكوب الثلاثين مترًا صندوقًا تعليميًّا، يمنح جوائز سنوية بقيمة مليون دولار أمريكي لطلاب الجزيرة الكبيرة في المجالات التقنية). ولم يلق مقالها ترحيبًا، وسألها كثير من الناس: "كيف جرؤتِ؟ عليك بالعودة إلى جذورك"، حسب قولها. وادَّعى بعض الذين وضعوا تعليقاتهم على الإنترنت أنها لا تمتلك تفويضًا ثقافيًّا للحديث عن شؤون سكان هاواي الأصليين، وأنها تعرّضت لغسل دماغ من قِبَل قادة تليسكوب الثلاثين مترًا. وتضيف في هذا الصدد: "لقد أطلقوا عليَّ لقب مواطِنة هاواي السيئة للغاية. والأمر ليس مضحكًا".

تقول أكوهيدو إنها واجهت معارضة، حتى من بعض أفراد عائلتها، ولكن البعض الآخر شجعها ودعّمها، ومن ضمنهم جدتها، وهي من سكان هاواي الأصليين. "لقد كانت تدعمني بشدة، وكانت تحتفظ دومًا بأي خبر يصدر عن الأمر، لكي أقرأه عندما أصل إلى البيت".

وبشكل أو بآخر.. تمثل أكوهيدو الجيل القادم من علماء هاواي، الذين تأمل مؤسسة تليسكوب الثلاثين مترًا والمراصد الأخرى في دعمهم. لقد تخرّجت حاملةً درجة الرياضيات في وقت سابق من هذا العام، وهي تعمل الآن كمتدربة على الاتصالات في مكاتب هايلو، التابعة لمرصد "جيميني"، الذي يشغل تليسكوبًا قطره ثمانية أمتار على جبل مونا كيا. واليوم الذي شاهدت فيه مانجول، كان المرة الأولى لها في القمة. وقد سلّمت هاتفها الذكي؛ لتتمكن من الحصول على صورة لنفسها مع قبة "جيميني"، التي تلمع وراءها.

تحدثتْ أكوهيدو عن الصراع الذي يشتد داخلها أثناء مراقبتها للمحتجين، قائلة: "من المهم أن تتمسك بثقافتك وتقاليدك، ولكني أعتقد أيضًا أنه من المهم أن تختار معاركك.. فالكثير من غضب المحتجين في غير محله". وفي رأيها، يجب أن يركِّزوا غضبهم على جامعة هاواي (UH)، التي أدارت شؤون مراصد الجبل منذ ستينات القرن العشرين، حيث تقول: "إذا كانوا سيصبون غضبهم على جهة ما، فيجب أن يصبوه على جامعة هاواي".


عالِم الفلك الذي جرحتْه المعركة

بوب ماكلارين

كبر الصورة


يتربع معهد علم الفلك ـ التابع لجامعة هاواي ـ فوق الصخب الحضري لمدينة هونولولو، في حي ذي شوارع متعرجة هادئة. في الداخل، وفي أحد صباحات أغسطس الحارة الرطبة، يتنهد عالم الفلك بوب ماكلارين بسبب حالة الفوضى الحالية التي تحيط بحالة علم الفلك في هاواي، ويقول: "إن الخلاف الأساسي بسيط، ولكن ليس له حل سهل".. فماكلارين يعرف هذه المعارك جيدًا.. فبوصفه ممثل الجامعة المكلَّف بتطوير مرافق علم الفلك، شارك في بعض المعارك الأكثر إثارة للجدل حول مستقبل جبل مونا كيا.

أتى ماكلارين إلى هاواي من جامعة تورنتو في كندا في عام 1982، منجذبًا إلى جبل مونا كيا كأفضل موقع لتطبيق علم الفلك بالأشعة تحت الحمراء. وعن طريق رصد النجوم المتغيرة بواسطة تليسكوب كندا-فرنسا-هاواي، البالغ قطره 4 أمتار، ساعد ماكلارين على إعادة معايرة المسافات بين الكثير من المجرّات القريبة. ومع بدء قدوم التليسكوبات الأكبر، اختار ماكلارين دورًا في المساعدة على إدارة طريقة تطبيق علم الفلك على الجبل، ثم انتقل إلى وظيفته الإدارية في جامعة هاواي، وبالتالي إلى الخطوط الأمامية للمعارك العامة.

تعود بعض ذكرياته المهنية الأكثر إيلامًا إلى تسعينات القرن الماضي، عندما كان مسؤولو الجامعة والدولة يعملون من أجل اعتماد خطة رئيسة لمستقبل الجبل. وفي تقرير موجع، صدر في عام 1998، انتقد المراجعون الجامعة، لفشلها في تحقيق التوازن بين تطوير التليسكوب، والحفاظ على الموارد الأثرية، والثقافية، والبيئية لجبل مونا كيا. ومن بين الانتقادات.. أشار التقييم إلى أن ممارسي العادات الأصلية من سكان هاواي ـ كبار السن عمومًا من النساء والرجال، حيث ينتقلون إلى قمة الجبل لتأدية المناسك الشخصية ـ وَجَّهوا اتهامات بأن النفايات قد دنست ـ هي والتطور أيضًا ـ حُرمة الجبل.

تدهورت العلاقات بين علماء الفلك وسكان هاواي الأصليين إلى درجة كبيرة، دفعت السيناتور الراحل دانيال إينوي للتدخل، وهو الشخصية السياسية الأسطورية في هاواي. فقد أجبر تسعة أشخاص من كل جانب ـ ومن ضمنهم ماكلارين، باعتباره المدير المساعد للمعهد ـ على الجلوس معًا، والتحدث عن خلافاتهم. ويحكي ماكلارين في هذا الشأن قائلًا: "كان الأمر شاقًّا في البداية، لكنه نجح في الواقع. لقد استطعنا مناقشة لماذا كنا نعتقد بعض الأمور، ولماذا كانوا يعتقدون بعض الأمور، وما الذي كنا سنفعله حيال ذلك، لكن الأمر استغرق وقتًا". وقد ساعدت محادثات سنة 1999 في الحصول على موافقة على خطة شاملة للجبل. وشكَّل بعض أعضاء اللائحة من سكان هاواي الأصليين مجلسًا استشاريًّا ثقافيًّا، يسهم في إدارة جبل مونا كيا. لقد كان مثالًا نادرًا لأشخاص ذوي مصالح مختلفة، يديرون حوارًا بَنّاءً حول مستقبل الجبل، حسب قول ماكلارين.

ومع ذلك.. على الرغم من كل الحوارات، لم يكن الناس مرتاحين مع مفهوم التطور المستقبلي، ولذا.. فشلت الخطة الرئيسة النهائية في وضع شعور واضح حول ما إذا كان من الممكن بناء التليسكوبات الكبيرة على الجبل، أم لا، وحول طريقة بنائها. يقول ماكلارين في هذا الشأن: "لم نكن قادرين على تحقيق ذلك. وكان ذلك مخيبًا للآمال بعض الشيء". وفي عام 2006، في أعقاب تجدُّد الجدل حول الخطة الرئيسة، وما صاحبها من دعاوى قضائية ومعارضة قوية، سحبت وكالة "ناسا" تمويل المشروع الذي كان سيضيف ما يصل إلى ستة تليسكوبات "داعمة" إلى تليسكوبَي "كيك" التوأم، البالغ قطرهما 10 أمتار، وهما الأكبر في الوقت الحالي على قمة جبل مونا كيا.

يقول ماكلارين إنه على الرغم من أن الخطة الرئيسة لم تصل إلى حيث كان يرغب، لكنها ساعدت على إعطاء المشروع شكله الحالي، حيث إنه في عام 2009، عندما قرر فريق تليسكوب الثلاثين مترًا البناء على جبل مونا كيا، عملوا في إطار المبادئ التوجيهية للخطة؛ للحد من تأثير التليسكوب على الجبل. ومن الناحية الفيزيائية، مِن المقرَّر أن تُوضع القبة تحت القمة بنحو 150 مترًا، مما يجعلها أقل بروزًا. كما استشار مسؤولو المشروع عددًا من مجموعات سكان هاواي الأصليين، من بينها المجلس الاستشاري الثقافي لجبل مونا كيا، ووضعوا خططًا للحدّ من الحركة إلى القمة، والقيام بإشراك الأصوات المحلية بعمق في جميع مراحل البناء. كما إن تليسكوب الثلاثين مترًا هو أول تليسكوب على جبل مونا كيا يدفع أكثر من إيجار رمزي؛ حيث سيدفع مليون دولار أمريكي سنويًّا لفضائه، سيتدفق معظمها إلى إدارة الجبل مباشرةً.

إنّ ذلك جعل الأمر أكثر إثارة للدهشة ـ بالنسبة إلى علماء الفلك على الأقل ـ عندما قفز مانجول وغيره أمام الكاميرات في حفل وضْع حجر الأساس في أكتوبر الماضي. ويضيف ماكلارين: "لا أستطيع أن أفسر ما الذي جعل كل هؤلاء الأشخاص الجدد معنيين بالأمر فجأة"، حيث إنه في الماضي، "كانت هناك عناصر من حركة السيادة وإلغاء السلطة، ولكنها كانت ثانوية. أما الآن، فهي أكثر تعقيدًا، فكثير من الناس الذين نسمعهم يتحدثون يرغبون في وجود مجتمع يُشْعِرهم أكثر بهاواي، وبروح الأشياء التي تعلموها في المدرسة".

يشعر ماكلارين بالإحباط، بسبب ما يراه من تغيير في القيم الثقافية بين جميع المجموعات ذات المصالح في الجبل، ويقول في هذا الصدد: "أرغب في أن يخبرني الناس عمّا لو حصلوا على آلة زمن؛ وعادوا بها إلى عام 1964، ما الذي كانوا سيفعلونه بطريقة مختلفة؟.. لا تكتفوا بانتقاد ما هو على الجبل الآن، بل أخبِرونا ما الخطأ الذي فعلناه في سياق ما حدث فعلًا". وفي معظم الأيام، يبدو ماكلارين متفائلًا بأن تليسكوب الثلاثين مترًا سيُبنى في هاواي، بينما في أيام أخرى، لا يتمكن من رؤية طريقة لإنهاء الصراع، حيث يقول: "يتحول الناس أمثالي إلى السخرية قليلًا، فقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل".


باني الجسور

دوج سيمونز

كبر الصورة


قد يكون الشقاق أمرًا مألوفًا، لكن دوج سيمونز يرفض التخلي عن الأمل. فقد عمل سيمونز في هاواي لثلاثة عقود، وتضمنت مهامه توجيه تليسكوب "جيميني"، ومهمته الآن توجيه تليسكوب كندا- فرنسا- هاواي. كما تَخَصَّص في تطوير أدوات لدراسة الكون بالأطوال الموجية للأشعة تحت الحمراء، وهو يفكر الآن في السبل التي يمكن للمراصد المتنوعة الموجودة على جبل مونا كيا أن تعمل بواسطتها معًا بشكل أكثر تقاربًا.

إن علاقات سيمونز بالجبل تتخطى عمله.. فباعتباره ممن يصطادون الطيور في جبل مونا كيا، يريد أن يرى بيئته محافَظًا عليها، إضافة إلى أنه قد خَطَّطَ حتى لنثر رماد جثمانه في مكان قريب، حيث يقول: "إني أتألم عندما أرى أن مجتمعي يتمزق. وفي نهاية اليوم، ليس الفلكي الذي بداخلي، بل ساكن الجزيرة الكبيرة هو الذي يدفعني للالتزام بإيجاد حل لجيراني".

لذا.. دأب سيمونز على الاجتماع مع أي شخص يريد أن يتحدث معه.. سواء مع سكان هاواي الأصليين الذين تنقسم عائلاتهم، أم رجال الأعمال الذين يتساءلون عما إذا كانت هاواي سوف تَستثمِر في صناعات التكنولوجيا الفائقة، أم طلاب المدارس الثانوية الذين يرغبون في وظائف تقنية محلية بأجور جيدة، أم أولئك الذين يريدون إزالة التليسكوبات. وهو يفعل ذلك بالطريقة القديمة.. اجتماع مع شخص واحد في المرة الواحدة، وجهًا لوجه، جالسَيْن. ويقول في هذا الصدد: "أنا من المنتمين إلى الزمن القديم. لستُ رجل (الفيسبوك)".

أحيانًا تجري هذه المحادثات عن طريق الصدفة.. ففي الآونة الأخيرة صادف سيمونز مانجول في أحد المطارات، وتناولا شراب البيرة معًا. ويوضح سيمونز أن المناقشات دومًا تغرق في الأمور الشخصية، قائلًا: "عليك أن تغادر منطقتك المريحة كعالِم، وتنتقل الى الساحة العاطفية؛ لتحقيق التواصل. فعندما يتحدث مع سكان هاواي الأصليين عن جبل مونا كيا، يفصح عن إيمانه الكاثوليكي الهادئ، وصلواته اليومية، "إنه جزئي الروحي، الذي يحاول التواصل مع نظيره لديهم"، حسب قوله. وهو يأمل أن هذه تُحْدِث هذه المحادثات فَرْقًا، إذ يقول: "لا توجد وسيلة لجعل الجميع سعداء بخصوص الجبل. وتاريخيًّا، نجحت هذه الأمور من خلال نوع من عمليات الأخذ والعطاء؛ للوصول إلى منطقة وسطى، ولستُ أرى ما الذي يمنع ذلك هنا".

وقد حدثت بالفعل بعض التنازلات، حيث تعمل جامعة هاواي من خلال خطط طويلة الأمد على إنهاء خدمة بعض التليسكوبات الأقدم على جبل مونا كيا، وإعادة الأرض إلى حالتها الطبيعية، حيث مِن المقرر إزالة تليسكوبين هذا العام، ومن المتوقع الإعلان عن موعد إزالة التليسكوب الثالث بحلول نهاية هذا العام. وفي الوقت ذاته، تستمر التحديات القانونية لتليسكوب الثلاثين مترًا في شق طريقها في محاكم هاواي، لكن حاكم الولاية قال إن المشروع لديه التصريح بالمضي قدمًا، وما لم تصدِر المحكمة العليا قرارًا خلاف ذلك، يمكن لتليسكوب الثلاثين مترًا استئناف البناء مجددًا.

وفي الوقت الراهن، يبقى مشروع تليسكوب الثلاثين مترًا والمتظاهرون في حالة تحفظ مضطربة. ومؤخرًا، في منتصف سبتمبر الماضي، وافق مانجول وزملاؤه على ترك معسكرهم الموجود في منتصف الطريق الصاعد إلى جبل مونا كيا، الذي كانوا يشغلونه باستمرار منذ مارس الماضي. ومع إرسال عدد دورية Nature إلى المطبعة، لم تكن إدارة مشروع تليسكوب الثلاثين مترًا قد أعلنت متى يمكنها أن تحاول استئناف البناء.

يواصل سيمونز في هذه الأثناء محاولة بناء الجسور، كلما أمكن ذلك. وفي أوائل أغسطس الماضي، كان واحدًا من أكثر من 3,000 فلكي في هونولولو حضروا اجتماع الاتحاد الدولي لعلماء الفلك. وكان معظمهم من خارج هاواي، ورتّب سيمونز أمر تقديم مانجول لعرض خاص لحوالي 30 من الفلكيين المهتمين، وهو "ما يمكن أن أسميه صفًّا تعليميًّا لمدة ساعة واحدة، من وجهة نظره"، حسب تعبير سيمونز، لكن مانجول قام بما هو أكثر من ذلك.. فقبل أسبوع من تقديم عرضه، جمَع نحو أربعين محتجًّا خارج مركز المؤتمرات، حيث كان الاجتماع منعقدًا. وعقد مع مؤرخ من جامعة هاواي مؤتمرًا صحفيا هناك، واصِفين تظلُّماتهم ضد الدولة، والجامعة، ومشروع تليسكوب الثلاثين مترًا على وجه الخصوص. وبعد انتهاء المحادثات، وطرح الصحفيين لأسئلتهم، انطلق أحدهم يعزف على قيثارة، وقاد الحشد في أداء أغنية تقليدية. وعلى بعد نحو 20 مترًا، أطلَّ بعض علماء الفلك بفضول من داخل مركز المؤتمرات زجاجيّ الجدران. وتابَع معظمهم الانتقال صعودًا وهبوطًا على السلم المتحرك الرئيس، وهم في طريقهم إلى الجلسات والحوارات ذات الصلة بمركز المجرّة، وأصل الكون. وكان سيمونز أحد العلماء القلائل الذين غادروا المبنى؛ ليختلطوا مع المتظاهرين، حيث مشى بينهم، وأَحْنَى رأسه منهمكًا في حوار.