تحقيق إخباري

سر الميتوكوندريا

ربما تكون لدى «مراكز توليد الطاقة» في الخلية أدوار أكثر من المتوقع. فهل يمكن لهذا أن يسبب مشكلات بالنسبة إلى علاجات استبدال الميتوكوندريا؟

جاري هاملتون
  • Published online:

Illustration by Sébastien Thibault


في تسعينات القرن الماضي، أراد العلماء الفرنسيون معرفة ما الذي يحدث لدماغ الفأر عند العبث في الميتوكوندريا الخاصة به، وهي البِنَى المولِّدة للطاقة داخل الخلايا الأكثر تعقيدًا. درَس الفريق سلالتي فئران، تُدْعَيان H، وN، وتحملان اختلافًا ضئيلًا في تسلسل الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا.

كان من الواضح أن فئران السلالة H قد تعلّمت التنقل في المتاهات أسرع من أبناء عمومتها في السلالة N، ولكن عندما قام الفريق بمبادلة الميتوكوندريا – جاعلين الفئران H تحمل ميتوكوندريا السلالة N، والعكس صحيح للفئران N - تغيَّر أداء السلالتين. وبدا أن ميتوكوندريا السلالة N تبطئ عملية التعلم لدى فئران السلالة H، بينما بدا أن الفئران N قد تحسنت قليلًا مع ميتوكوندريا السلالة H1. كما وجد الفريق الذي يقوده عالم الوراثة بيير روبرتو في «المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية في مرسيليا» INSERM تغيرات أخرى في السلوك، وتشريح الدماغ أيضًا.

كانت النتائج مفاجأة، لأن اختلافات كهذه بين جينومات الميتوكوندريا كان يُنظر إليها باعتبارها اختلافات محايِدة، بلا تأثير حيوي معين. «كان الرأي السائد منذ فترة طويلة هو أن الاختلاف الجيني الذي نجده ضمن جينوم الميتوكوندريا بلا تأثير وظيفي»، حسب قول داميان داولنج، عالم الأحياء التطورية في جامعة موناش، الموجودة في مدينة ملبورن بأستراليا.

لقد تغيرت هذه النظرة.. فهناك مجموعة متزايدة من الأدلة تشير إلى أن الميتوكوندريا لا تنتج الطاقة فحسب، بل تؤثر أيضًا على مجموعة واسعة من العمليات الخلوية، من موت الخلايا إلى الاستجابة المناعية، وأن الاختلافات في عضية الميتوكوندريا شديدة الأهمية. وترتبط المتغيرات في الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا الآن بالعديد من الحالات البشرية المألوفة، التي تتضمن الأمراض العصبية التنكسية، والسرطان، والشيخوخة.

قد تنشأ تأثيرات هذه المتغيرات عبر مشارَكة عضية الميتوكوندريا ـ التي تطورت على المدى الطويل ـ مع جينوم النواة الذي يفوقها حجمًا بكثير. وقد أظهرت الدراسات التي أُجريت على عدد قليل من الكائنات الحية، أنه مثلما حدث في فئران السلالتين H، وN، من الممكن أن تؤدي مبادلة الميتوكوندريا السليمة بين سلالات وثيقة التقارب إلى حدوث عدم تطابق بين الجينومات، وقد تغيِّر صفات مهمة. وحسب رأي داولنج وسواه، يجب أن تثير هذه الأدلة تساؤلات حول سلامة هذا الإجراء الذي سيُجرى عمّا قريب على البشر.

وافقت الحكومة البريطانية في فبراير الماضي على العلاج باستبدال الميتوكوندريا، وهي تقنية تتيح للمرأة المصابة باضطراب الميتوكوندريا أن تنجب أطفالًا أصحاء، عن طريق مزاوجة الحمض النووي الخاص بها مع ميتوكوندريا سليمة من بويضة مانحة. وجاءت الموافقة بعد جهود استمرت ثلاثة أعوام ونصف العام لمراجعة فكرة تخليق أفراد باستعمال حمض نووي من ثلاثة أشخاص (أو ما يسميه البعض أطفال الثلاثة آباء)، وذلك بالنظر من زاوية السلامة، ومن الزاوية الأخلاقية. ورغم أن علماء كثيرين أشادوا بالقرار، إلا أن بعضهم قلق من كونه سابق لأوانه. «إنهم لا ينظرون إلى الصورة الأكبر»، حسب قول تيد مورو، عالم الأحياء التطورية في جامعة ساسكس، الموجودة في مدينة برايتون بالمملكة المتحدة، الذي يطالب بإجراءات أكثر صرامة لاختبار السلامة.

الأمر المألوف الذي يصب في صالح العلاج هو أن الإسهام الوراثي من الميتوكوندريا ضئيل جدًّا. وفي مقابل وجود 3 مليارات زوج قاعدي من الحمض النووي، و20 ألف جين في النواة البشرية، يبدو جينوم الميتوكوندريا ضئيلًا جدًّا (انظر: «علاقة معقدة»). ونظرًا إلى كونها تورَّث عن طريق بويضة الأم فحسب، فهي تتألف من أقل من 17 ألف زوج قاعدي، و37 جينًا فحسب، ولكن يمكن لخلية واحدة أن تحتوي على الآلاف من نسخ جينوم الميتوكوندريا، مقابل اثنين فقط من الجينومات النووية، أحدها من الأم، والآخر من الأب.

كما أن الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا يقوم بعمل تراكم للطفرات بسرعة لا تُصدَّق، تعادل نحو عشرة أضعاف معدل الحمض النووي للنواة، ويستخدم علماء الوراثة الاختلاف الناتج كنوع من الساعة الجزيئية، حيث ساعدتهم الساعة في وضع شجرة العائلة البشرية التي تُظْهِر العديد من جينومات الميتوكوندريا المترابطة بشكل عام، المعروفة باسم المجموعات الفردية (هابلوجروب)، التي نشأت في مكان ما من أفريقيا قبل حوالي 150 ألف عام، وتشمل اثنتين أدَّتا إلى ظهور الآلاف من المجموعات الفردية الأصغر، الموجودة الآن في جميع أنحاء العالم.

كبر الصورة


كان الرأي السائد هو أن الاختلافات الجينية بين الميتوكوندريا في هذه المجموعات كانت أكثر قليلًا من انعكاس الهجرات الماضية، ولكن خلال الثمانينات من القرن الماضي، بدأ الباحثون في تحدِّي هذا الافتراض. وفي هذا الصدد، يقول ديفيد راند، عالم الأحياء التطورية في جامعة براون في بروفيدانس، رود أيلاند: «تتحكم الميتوكوندريا في مكون مركزي لعملية التمثيل الغذائي؛ وبالتالي هذا الاختلاف يُتوقع أن يكون مثيرًا للاهتمام بشدة».

إحدى طرق اختبار ما إذا كانت الميتوكوندريا في إحدى المجموعات البشرية تعمل بطريقة مختلفة عن تلك الموجودة لدى مجموعة أخرى، هي مبادلتها بين المجموعتين، ولكنّ تجارب كهذه ستكون غير أخلاقية عند إجرائها على البشر، وغير عملية عند إجرائها على عديد من الحيوانات الأخرى. لذا.. تحوَّل راند نحو ذباب الفاكهة، حيث عمد إلى تهجين سلالتي ذباب مختلفتي الميتوكوندريا، ثم أعاد إجراء التزاوج التبادلي مرارًا؛ إلى أن اكتملت المزاوجة التامة بين ميتوكوندريا إحدى السلالتين، ونواة السلالة الأخرى.

بعد ذلك.. وضع ذباب الفاكهة ذا الجينومات النووية المتماثلة، ولكن مختلفة الميتوكوندريا معًا في قفص واحد؛ فوجد أن الذباب ذا جينومات ميتوكوندريا محددة سرعان ما يسيطر على المجموعة2، حيث إن شيئًا ما في الميتوكوندريا كان يمنحها ميزة إضافية في البقاء على قيد الحياة. كما أظهر العمل اللاحق الذي قام به راند، وداولنج، وغيرهما، أنه لم يكن جينوم الميتوكوندريا فحسب، بل إن تفاعله مع الجينوم النووي هو الذي يؤثر على مجموعة من الصفات، التي تشمل طول العمر، والنجاح التناسلي، ودرجة التطور، والشيخوخة، والنمو، والحركة، والتشكل، والسلوك.

تجاوزت النتائج حدود حيوانات المختبر داخليّة التهجين، مثل ذبابة الفاكهة والفئران. فعلى مدى العقدين الماضيين، وجد رون بيرتون ـ وهو الباحث في معهد سكريبس لعلوم المحيطات في لاجولا بولاية كاليفورنيا ـ أن تهجين مجموعات الأقارب من القشريات الدقيقة، المعروفة باسم «المجدافيات»، من برك المَدّ والجَزْر على ساحل المحيط الهادئ، غالبًا ما يؤدي إلى انهيار لياقة الحيوانات بشدة3، حيث يوجد دليلان على ذلك قاما بتوجيه بيرتون إلى الشك في أن السبب كان عدم توافق الحمض النووي بين النواة والميتوكوندريا. أولهما، أن جينومات الميتوكوندريا في المجموعة كانت مختلفة للغاية. وثانيهما، أن القصور في إنتاج الطاقة كان المشكلة الأساسية في الكائنات المريضة.

جاءت النقطة الفاصلة عندما اختار بيرتون الإناث من الحيوانات المريضة، وزاوَجَها مع ذكور من المجموعة نفسها كأمهات الإناث. وكان النسل الناتج ـ الذي كان لديه مرة أخرى مزيج طبيعي من جينومات الميتوكوندريا والجينومات النووية ـ بصحة ممتازة. يقول بيرتون: «هذا أمر صاعق. وقد تمكّنا من إجرائه بأنماط مختلفة ومتعددة».

كان من الصعب توسيع هذه النتائج على الثدييات.. فقد استغرق تطوير خطوط روبرتو للفئران غير متطابقة الميتوكوندريا أكثر من 20 جيلًا و12 عامًا، ولكنْ هناك عدد قليل من الدراسات قد توصَّل إلى نتائج مشابهة. فقد عمد دوجلاس والاس، الذي يرأس مركز طب الميتوكوندريا وعلم الوراثة غير الجيني في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، إلى دمج نواة من سلالة لفئران المختبر، مع ميتوكوندريا من فأر معروف باحتوائه على جينومين مختلفين، ولكنهما طبيعيان في الميتوكوندريا. ووجدت مجموعته أن الفئران المعدَّلة كانت لديها إيقاعات يومية مغايرة (التذبذبات الطبيعية التي تتبع دورة كاملة خلال 24 ساعة تقريبًا)، وكان أداؤها أسوأ في المتاهات، وبدت أكثر ضيقًا في ظروف تجريبية معينة، مقارنة بالحيوانات غير المعدلة4.

أما في البشر، فلا يوجد سوى أدلة غير مباشرة على أن الاختلاف المشترك الذي وُجد في جينومات الميتوكوندريا الخاصة بالأفراد الأصحاء قد تكون له تأثيرات حيوية. وقد تم ربط بعض أنماط الميتوكوندريا الفردية باضطرابات معينة، مثل النوع الثاني من مرض السكري، ومرض باركنسون، والسرطان. كما يُعتقد أن الاختلاف الطبيعي في الميتوكوندريا يؤثر على الصفات البدنية العامة، مثل طول العمر، واللياقة البدنية المتفردة5. ويقول جوران آرنكفست، عالم الأحياء التطورية في جامعة أوبسالا في السويد إن «الارتباطات هي ارتباطات فحسب، ولكننا نملك منها الآن ما يكفي ليكون دليلًا دامغًا على حدوث أمر ما في الحمض النووي للميتوكوندريا».


مزاوجة مراكز توليد الطاقة

والسؤال الدقيق الآن هو كيف تتمكن هذه الاختلافات من التأثير على مجموعة واسعة كهذه من الوظائف الحيوية؟ ويكمن جزء من الإجابة في علاقة هذه الاختلافات بالجينوم النووي، حيث يشارك ما يقرب من 1,500 من الجينات النووية في وظائف الميتوكوندريا، التي تتضمن نحو 76 جينًا تقوم بتشفير البروتينات الرابطة للببتيدات المشتقة من الميتوكوندريا.

ويمكن للمتغيرات الشائعة أن تغير الطريقة التي تتفاعل بها هذه البروتينات. فإذا كان البروتين المشتق من الميتوكوندريا يحتاج إلى أن يتطابق بارتياح مع نظيره النووي، فيمكن حتى للتغيرات الطفيفة في أحد الشريكين أنْ تعطِّل ذلك الارتباط، وهو احتمال قائم، كما توضح النماذج ثلاثية الأبعاد6,7.

قارنت دراسة نُشرت في عام 2009 بين ميتوكوندريا سلالتين أوروبيّتين بشريتين شائعتين، تسميان المجموعات الفردية (J)، و(H)، في خلايا تحتوي على الحمض النووي نفسه8. وأظهرت الدراسة أن الخلايا ذات الميتوكوندريا من نوع المجموعة الفردية J احتوت على أكثر من ضعفي عدد نسخ الحمض النووي الميتوكوندري، مقارنة بالمجموعة الفردية H، وهو الفارق الذي من المتوقَّع أن يكون كبير التأثير على إنتاج بروتينات الميتوكوندريا. وتستطيع تأثيرات كهذه أن تغيِّر معدل إمدادات الميتوكوندريا بالطاقة، مع نتائج مترتبة مؤثرة على العديد من الأنشطة الخلوية، ولكن الأدلة الناشئة تشير إلى طرق أخرى يمكن للميتوكوندريا فيها أن تكون ذات تأثيرات حيوية واسعة.

قد يكون للجزيئات المختلفة التي تتشكل أثناء عملية إنتاج الطاقة، كالجذور الحرة، تأثير مباشر على العمليات المشاركة في الشيخوخة، والالتهاب، وبعض الوظائف الخلوية الأساسية. وفي مايو الماضي، قام فريق من الباحثين ـ قاده جيرالد شيدل في جامعة ييل في نيو هيفن، بولاية كونيتيكت ـ بتوضيح أن الحمض النووي للميتوكوندريا في الفئران يمكنه ذاتيًّا استهداف استجابة مناعية فطرية ضد حالات العدوى الفيروسية9. «إنها ليست مجرد معامل للطاقة»، حسب قول راند، «بل تُعتبر ـ بشكل ما ـ مركزًا للأعصاب، ومنظِّمًا لحرارة الخلية وحالتها».

«إنها ليست مجرد مَعامل للطاقة، بل تُعتبر ـ بشكل ما ـ مركزًا للأعصاب، ومنظِّمًا لحرارة الخلية وحالتها».

وقد وجد الباحثون أيضًا دليلًا على وجود صنف جديد من الببتيدات المشتقة من الميتوكوندريا، التي يمكن تشفيرها بواسطة تسلسلات من جينات ميتوكوندريا أخرى. واحد منها هو «هيومَنين» humanin، وهو ببتيد صغير اكتشفه باحثون يابانيون في سنة 2001، وهو يزيد من الحساسية للإنسولين في الجرذان والفئران المعرَّضة للإصابة بالسكري10. ويعتقد أن الجين الذي يشفره يقبع في جين الميتوكوندريا للحمض النووي الريبي الريبوسومي 16S Rna.

وفي مارس الماضي، وجد الباحثون في الولايات المتحدة مثالًا ممكنًا آخر، وهو MOTS-c، الذي يشفر بواسطة امتداد صغير من الحمض النووي المحشور بعيدًا في جين آخر. يعمل MOTS-c كهرمون، وعند حقنه في الفئران؛ يساعد على تعزيز الحساسية للإنسولين، ويحمي من السمنة11.

يشك بعض الباحثين الآن في أن الحمض النووي الميتوكوندري يولد منظومة واسعة من الجزيئات النشطة حيويًّا ـ الببتيدات الصغيرة الأخرى، بالإضافة إلى امتدادات قصيرة من الحمض النووي الريبي ـ التي تشكل جزءًا من شبكة الاتصالات المتقاطعة بين الجينومات الميتوكوندرية والنووية. «قابلية استمرار الحياة المعقدة - حياة حقيقيات النوى - تعتمد على مجموعة من التفاعلات شديدة الترابط ومنسقة بإحكام بين هذين الجينومين»، حسب قول داولنج. إنها الشراكة التي شكلت وتشكلت على مدى زمن لا متناهٍ من التطور.

ونظرًا إلى مدى الجودة التي أسهم فيها التطور في ضبط هذا التواصل، يبدي كثير من علماء الأحياء قلقهم حيال تعطيله في سياق المعالجة باستبدال الميتوكوندريا. فنتائج تجارب مبادلة الميتوكوندريا في الكائنات الحية الأخرى لا ينبغي تجاهلها، حسب تعبيرهم. وفي هذا الصدد، يقول كلاوس راينهارت، عالم الأحياء التطورية في جامعة توبنجن في ألمانيا: «لم نر أي اختلاف جذري بين الذباب والبشر من حيث التفاعلات بين الميتوكوندريا والنواة».

قد لا تكون الآثار الصحية دراماتيكية، وقد لا تتضح قبل مرور عقود بعد الولادة، حسب تعبير بيرتون، الذي يتابع بقوله: «لكنني أعتقد أن هناك احتمالًا أكيدًا بأننا سنرى أشياء من قبيل تعطُّل وظيفة الخصوبة، وسنرى أشكالًا متنوعة من متلازمات عمليات التمثيل الغذائي، وتغيرات في الأمور ذات الصلة بالتمثيل الغذائي بشكل عام».


دعوة للحذر

حدَّد راينهارت، وداولنج، ومورو مخاوفهم في بحث12 نُشر في عام 2013 في دورية «ساينس»، ودعوا إلى إجراء دراسات تهدف إلى بحث كيفية أداء الثدييات التي ولدت بعد استبدال الميتوكوندريا في مرحلة البلوغ، وقالوا إن العلماء يجب أن يبحثوا على الأقل في مطابقة النمط الفردي، بغرض التأكد من أن الميتوكوندريا من المتبرع والمتلقي تأتي من المجموعة الفردية السابقة للزرع نفسها. وعندئذ، فإن المضي قدمًا في هذه المرحلة، «سيضع مخاطرة تجريبية على الأُسَر»، حسب رأيهم.

وهناك باحثون آخرون لا يوافقون على ذلك، منهم ـ على سبيل المثال ـ علماء في جامعة نيوكاسل بالمملكة المتحدة، وفي جامعة أوريجون للصحة والعلوم (OHSU) في بيفرتون، وهما المؤسستان الرائدتان في العلاج باستبدال الميتوكوندريا، حيث لفتوا الأنظار إلى قرود الماكاك وافرة الصحة، التي ولدت في جامعة أوريجون للصحة والعلوم في عام 2009 بعد القيام بهذا الإجراء13.

كما أشاروا أيضًا إلى أن معظم الأدلة عن المخاطر تأتي من الدراسات التي تستخدم سلالات الذباب والفئران مفرطة التهجين الداخلي، وهي عملية من شأنها أن تزيد الاختلافات الوراثية بين السلالات، وتنتج بالتالي درجة أكبر من «عدم التطابق» عند استبدال الميتوكوندريا. وكان رأيهم أن دراسات كهذه لها أهمية لا تُذكر على المجموعات البشرية التي تتعرض للتهجين طوال الوقت. فقد كتبوا أن «عدم وجود أي دليل موثوق يبين التفاعل الميتوكوندري النووي كمسبِّب للمرض في مجموعات البشر المهجَّنين خارجيًّا يوفر الطمأنينة اللازمة للمضي قدمًا». ويقول دوج تيرنبول أيضًا، الذي يرأس مجموعة نيوكاسل، إن الارتباطات بين مختلف الأنماط الفردية للميتوكوندريا البشرية والأمراض الشائعة ليست نهائية: «إذا كنا نكافح للعثور على إشارة، فهل يكون ذلك أمرًا قد يسبب صعوبات كبيرة حقًّا؟».

تم اعتماد الموافقة الحكومية في النهاية على تقرير عام 2014، الذي وضعته لجنة المراجعة العلمية، التي عيّنتها هيئة الخصوبة البشرية وعلم الأجنة (HEFA)، وهي الهيئة التي تنظم شؤون علاجات تسهيل الإنجاب في المملكة المتحدة. وامتنع رئيس الفريق ـ آندي جرينفيلد من مجلس البحوث الطبية ـ عن التعليق على هذه القصة، ولكن الهيئة قدمت ردًّا كتابيًّا على الأسئلة. وذكرت أن المداولات كانت «مضيعة للوقت، ومعقدة مثل البيانات نفسها»، مضيفة أن معظم المستجيبين الذين قدَّموا أدلة إلى المجلس نظروا إلى هذه المشكلات باعتبارها «ضئيلة في أسوأ الأحوال، أو غير موجودة». وأوصت اللجنة في تقريرها النهائي بضرورة مطابقة المجموعات الفردية «كخطوة احترازية»، ولكنها ذكرت أيضًا أن الفوائد المترتبة على ذلك ستكون «على الأرجح في الحدود الدنيا».

بعض الانتقادات الموجَّهة إلى القرار تضمن أن استبدال الميتوكوندريا قد يستحق المخاطرة بالنسبة للنساء اللاتي يردن تفادي تمرير اضطرابات نادرة وفتّاكة لأطفالهن. ولكن يعتقد كثيرون أن هناك حاجة إلى مزيد من الوقت لتقييم المخاطر. وهناك أيضًا قلق من أن مناصري العلاج سيقلِّلون من أهمية دور الميتوكوندريا، وخاصة مع تشبيههم لاستبدال الميتوكوندريا بتغيير البطاريات في كاميرا. ويرى النقاد أن الفشل في تقدير جميع العمليات الأخرى، التي تشارك فيها عضية الميتوكوندريا، ربما يفضي إلى ضوابط غير كافية، وتطبيق أوسع لاستبدال الميتوكوندريا في عيادات الخصوبة. يقول ديفيد كيف، عالم التناسل الحيوي في مركز لانجون الطبي التابع لجامعة نيويورك: «قد تعرف بضعة آلاف من الأشخاص الذين يعانون من أمراض الميتوكوندريا. وهناك عشرات الملايين من النساء المصابات بالعقم، اللاتي قد يرين هذا كوسيلة لشحن البطاريات في بويضاتهن».

هناك عيادة واحدة على الأقل في الولايات المتحدة استخدمت السيتوبلازم من بويضات المانحة؛ من أجل «تطبيع» بويضات النساء اللاتي يعالجن من العقم، وهذا اعتبارًا من أواخر تسعينات القرن الماضي (انظر: Nature 509, 414–417; 2014). وأدَّت هذه العمليات ـ التي ربما نقلت الميتوكوندريا أيضًا ـ إلى حدوث 17 ولادة، قبل أن تطلب هيئة الأغذية والعقاقير الأمريكية إجراء دراسات السلامة على هذه العمليات، ثم توقفت العيادة عن هذه العمليات في عام 2001. ولا يُعرف الكثير عن صحة الأطفال المولودين نتيجة لهذه العمليات.

يرفض تيرنبول جدل المنحدر الزلق، حيث يقول: «التشريعات واضحة جدًّا في المملكة المتحدة، وتشير إلى أن التبرع بالميتوكوندريا يمكن أن يُستخدم من أجل الوقاية من مرض خطير في الميتوكوندريا فحسب، وأنا لا أعتقد أن هناك دليلًا قويًّا على وجود أي فائدة أخرى له».

وعلى الرغم من أن أحدًا لا يعرف ما هو الأمر التالي الذي ستكشف عنه أبحاث الميتوكوندريا سريعة التنامي، إلا أن الطرفين يتفقان على عدم وجود وسيلة للجزم بما سيحدث عند قيام الأطباء باستبدال الميتوكوندريا بين البشر، اختصارًا للإجراء الفعلي. وبالنسبة إلى داولنج، فهو يَعتبِر الأمر نِقاشًا علميًّا، يفضِّل عدم الفوز به، حيث يقول: «أود أن أرى الأمر ينجح؛ لكي تتمكن النساء اللائي يعانين من مرض في الميتوكوندريا من إنجاب أطفال غير متأثرين بهذه الأمراض. ولذا.. آمُل أن نكون على خطأ».

  1. Roubertoux, P. L. et al. Nature Genet. 35, 65–69 (2003).

  2. Hutter, C. M. & Rand, D. M. Genetics 140, 537–548 (1995).

  3. Ellison, C. K. & Burton, R. S. Evolution 62, 631–638 (2008).

  4. Sharpley, M. S. et al. Cell 151, 333–343 (2012).

  5. Hudson, G., Gomez-Duran, A., Wilson, I. J. & Chinnery, P. F. PLoS Genet. 10, e1004369 (2014).

  6. Osada, N. & Akashi, H. Mol. Biol. Evol. 29, 337–346 (2012).

  7. da Fonseca, R. R., Johnson, W. E., O'Brien, S. J., Ramos, M. J. & Antunes, A. BMC Genomics 9, 119 (2008).

  8. Suissa, S. et al. PLoS Genet. 5, e1000474 (2009).

  9. West, A. P. et al. Nature 520, 553–557 (2015).

  10. Muzumdar, R. H. et al. PLoS ONE 4, e6334 (2009).

  11. Lee, C. et al. Cell Metab. 21, 443–454 (2015).

  12. Reinhardt, K., Dowling, D. K. & Morrow, E. H. Science 341, 1345–1346 (2013).

  13. Chinnery, P. F. et al. PLoS Genet. 10, e1004315 (2014).