أخبار

ظهـور جيـل ضـائع في الأفـق، بسبب عـدم التحـاق اللاجئيـن بالجامعـات

قد تَحُول الفجوة التعليمية دون إعادة الإعمار في الشرق الأوسط.

ديكلان بتلر
  • Published online:

<p>لاجئون سوريون ينتظرون الحافلة في مدينة اسطنبول بتركيا: الصراع الدائر في الشرق الأوسط يضيع على الكثير من الشباب فرص الالتحاق بالتعليم العالي.</p>

لاجئون سوريون ينتظرون الحافلة في مدينة اسطنبول بتركيا: الصراع الدائر في الشرق الأوسط يضيع على الكثير من الشباب فرص الالتحاق بالتعليم العالي.

EPA/SEDAT SUNA/Corbis


تدعو منظماتُ حقوق الإنسان الجامعات والحكومات في شتى بقاع العالم إلى زيادة الاستثمار في تعليم مئات الآلاف من الطلاب اللاجئين الفارِّين من المناطق التي مزّقتها الحروب في الشرق الأوسط. وحذّروا من مغبة فقدان البلاد التي تشهد صراعات لجيل من العلماء، والمهندسين، والأطباء، والمدرسين، وزعماء المستقبل، منبِّهين إلى أن اللاجئين في سن الجامعات الذين وجدوا ملاذًا آمنًا في أماكن أخرى يمثلون الأمل في استعادة رأس المال الفكري المفقود. يقول روبرت كوين، المدير التنفيذي لشبكة «علماء في خطر»، وهي مجموعة مناصرة لحقوق الإنسان مقرها في نيويورك سيتي: «كلما خسرنا أستاذًا، أو طالبًا، ازداد التحدي لإعادة المنطقة إلى ما كانت عليه، بعد أن يهدأ العنف في نهاية المطاف».

كما يحذر كوين من أن اتساع الفجوة التعليمية في الشرق الأوسط من شأنه أن يخلق بيئة خصبة لتجنيد المليشيات المتطرفة والإرهابيين، قائلًا: «مِن مصلحة أوروبا والغرب حماية رأس المال الفكري في المنطقة، والاستثمار فيه، فليس من الحكمة ألا نستثمر فيه بسخاء، لأن هذا ينطوي على استهانة بالعواقب».

أسفرت الصراعات في سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، وغيرها من بلدان شمال أفريقيا عن عدد غير مسبوق من اللاجئين، فبنهاية سنة 2014،  وصل عدد الأشخاص الذين لجأوا إلى أماكن أكثر أمنًا، سواء في بلادهم، أم خارجها من شتى أنحاء العالم، إلى 60 مليون شخص، وفقًا لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، ليسجلوا بذلك أعلى رقم على الإطلاق، أي نحو ضعف النازحين في العقد الماضي، الذين بلغ عددهم 37.5 مليون نازح.

إن أغلب هؤلاء اللاجئين أتوا من سوريا، التي كان عدد سكانها قرابة 21 مليون نسمة قبل اندلاع الصراع الحالي منذ أربع سنوات مضت، نزح منهم 7.6 ملايين داخل البلاد، واضطر 4 ملايين إلى الهروب خارج البلاد. وقرابة %10 من هؤلاء هم شباب في سن الجامعات، حسب تقدير جيمس كينج، كبير الباحثين في صندوق إنقاذ العلماء، التابع لمعهد التعليم العالي (IIE)، وهي منظمة غير ربحية لتبادل الخبرات التعليمية في نيويورك سيتي.

ومع انهيار نظام التعليم الجامعي برمّته في سوريا، لم يعد يتلقى التعليم العالي إلا قلة من الشباب الذين غادروا البلاد. وقد وجد معظم اللاجئين الذين لاذوا بالفرار إلى الخارج مأوى مؤقتًا في البلدان المجاورة. فتستضيف تركيا 1.8 مليون لاجئ، ولبنان 1.2 مليون لاجئ، والأردن 630 ألف لاجئ، بيد أن حوالي %5 فحسب من شباب اللاجئين في سن الجامعات سجّلوا أسماءهم للالتحاق بالمعاهد المحلية في هذه البلاد، وفقًا لتقرير أُجري في مارس، موَّلته المفوضية الأوروبية (انظر: go.nature.com/9ljpbl). فقد كان %26 من الشباب السوريين يتلقون التعليم ما بعد الثانوي قبل أن يندلع الصراع في سوريا، وهذا يعني أن مئات الآلاف من الشباب ـ الذين كان من المفترض أن يواظبوا على الحضور في جامعاتهم ـ حُرموا من التعليم.

وحتى لو كانت الجامعات في الدول المضيفة للاجئين تتسع لاستقبال الطلاب، وهذه مشكلة في حد ذاتها، فالجامعات في تركيا ـ على سبيل المثال ـ تجد صعوبة في توفير أماكن لجميع طلابها المؤهَّلين والراغبين في التعليم فيها، فلا تزال ثمة مجموعة أخرى من المعوقات التي تَحُول دون التسجيل للالتحاق بالجامعات. فقد ذكر كينج أن الكثير من الطلاب هربوا من دون مستنداتهم، مثل سجلات الشهادات الأكاديمية التي حصلوا عليها من قبل،  فضلًا عن مشكلات أخرى، مثل الصعوبات المالية، التي يضطر الشباب تحت وطأتها للعمل، بحيث لا يجدون وقتًا للتعليم. أضف إلى هذا.. الصعوبات ذات الصلة باللغة، التي تمثل مشكلة كبيرة في تركيا، حيث لم يجد سوى %1 فحسب من اللاجئين السوريين ـ الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18، و24 سنة ـ أماكن في الجامعات.

«أُهْمِل التعليم في خضم كل هذه الأزمات، وبات شغل الناس الشاغل توفير المأكل، والمأوى، وغيرهما من الحاجات الأساسية».

هذا.. وهناك منح دراسية وفَّرها التحالف السوري لدعم التعليم العالي خلال الأزمات، التابع لمعهد التعليم العالي ـ وهو شبكة من معاهد التعليم العالي حول العالم، أنشئت سنة 2012 ـ حيث وفَّر 4.5 مليون دولار أمريكي لدعم 333 طالبًا سوريًّا، وشمل هذا 158 منحة دراسية في جامعات في البلدان الغربية، بالإضافة إلى وجود 20 مبادرة على الأقل مماثلة؛ لتوفير منح دراسية في معاهد حول العالم، بيد أن العرض يفوق الطلب ببون شاسع، فلم توفر هذه الجهود مجتمعةً إلا شكلًا من أشكال التعليم ما بعد الثانوي لقرابة 7,000 طالب فحسب.

وقد لاحظ ألان جودمان الرئيس والمسؤول التنفيذي لمعهد التعليم العالي مدى تفاقم الأزمة، قائلًا: «ما من منظمة أو دولة مهيأة للتعامل مع هذه الأزمة. والسبيل الوحيد للخروج من الأزمة هو أن يحاول كل فرد، وكل عائلة، وكل عالم، وكل طالب، مساعدة الأفراد». وأضاف قائلًا أيضًا إن الجهود الإنسانية كانت تركز على إنقاذ حياة الفارِّين من الصراع، وتخفيف معاناتهم، «أمّا التعليم، فقد أُهمِل في خضم كل هذه الأزمات، وبات شغل الناس الشاغل توفير المأكل، والمأوى، وغيرهما من الحاجات الأساسية، ولم نولي التعليم الاهتمام الكافي»، حيث إنه في الوقت الحالي، يتم إنفاق الجزء الأكبر من المساعدات المخصصة للتعليم ـ التي تُقدَّر بنسبة %1.5 من المساعدات الإنسانية العالمية ـ على المرحلتين الابتدائية والثانوية، ولا ينال منها التعليم العالي شيئًا، لأنه يُعتبر من قبيل الرفاهية عادةً.

وثمة علامات بدأت تلوح في الأفق، تدل على تغيُّر في المواقف، حيث خَصَّص الصندوق الائتماني للاتحاد الأوروبي ـ الذي أنشئ استجابة للأزمة السورية ـ 12 مليون يورو (14.5 مليون دولار أمريكي) في مايو الماضي؛ لمساعدة 20 ألف لاجئ سوري في الحصول على التعليم العالي، من خلال المنح الدراسية، وغير ذلك من الوسائل، لكن المنح الدراسية ـ حسبما ذكر تقرير المفوضية الأوروبية ـ لم تُلَب الحاجة الهائلة، التي قد تصل إلى مليارات، وليس إلى ملايين من اليورو فحسب.

كما أشار التقرير إلى أن تكلفة تقديم المساعدة المالية المباشرة للجامعات في البلدان التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين السوريين ستكون أقل وأجدَى. وتبحث منظمات عديدة ـ منها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» ـ في مدى جدوى المقررات الجامعية الكثيرة المتاحة عبر الإنترنت، المسماة MOOC، التي توفرها في الوقت الحالي بعض جامعات القمة. فالهدف من المقررات المتاحة عبر الإنترنت، هو إتاحة تعليم ذي مستوى عالمي للجميع، كأن يكون ـ على سبيل المثال ـ من خلال محاضرات مسجَّلة، أو التواصل بأسلوب شبكات التواصل الاجتماعي، لكن جودمان يشير إلى أنها لم تُجَرَّب على حالة اللاجئين بما يكفي، كما أن معظم الطلاب سيحتاجون شهادات دراسية معتمدة من وزراة التعليم. وأضاف: «لن تكون المقررات المتاحة عبر الإنترنت من جامعة ستانفورد، أو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في قوة الشهادات المعتمدة، فالأوضاع الأكثر استمرارًا وثباتًا هي تلك التي تسعى إلى دمج الطلاب في الأنظمة الجامعية القومية».

يقول كوين إنه من الواضح أن الحل طويل الأمد سيتطلب استثمارًا هائلًا، ومشاركة أكبر من معاهد التعليم العالي حول العالم. وكان من المخطط أن يَعقِد معهد التعليم العالي وغيره من المنظمات في شهر أكتوبر هذا العام ورشة عمل لمدة يومين في اسطنبول، بتركيا، بغية تضافر الجهود، واستكشاف طرق جديدة؛ من أجل تحسين إتاحة التعليم.

أمامنا تحدٍّ هائل، قوامه الصراعات التي يبدو أنها ستتدهور قبل أن تبدأ في التحسن، «ولكن يجب ألا نغفل عما سنتكبده من تكاليف، إذا لم نواجه هذا التحدي»، حسب قول كوين، الذي يضيف: «فإذا استثمرنا على مدار السنوات الخمس أو العشر المقبلة في تعليم ودعم أكبر عدد ممكن من المواطنين والأطفال في الشرق الأوسط؛ فسنكون بذلك قد غرسنا بذور منطقة تتبدّل أحوالها، وتحمِل مستقبلًا مشرقًا للعالم أجمع».