أنباء وآراء

علم الغلاف الجوي: تعداد الوفيات من مصادر الهواء الملوث

إن الأعداد المقدَّرة للوفيات الناتجة عن التعرض للجزيئات الدقيقة الموجودة في الهواء الملوث صادمة. وسوف ترشد النتائجُ الأبحاثَ المستقبلية، كما ستصبح بمثابة صيحة إيقاظ لصناع السياسات.

مايكل جيريت
  • Published online:

عمل ليليفلد وزملاؤه1 على تقدير عدد الوفيات التي تسبِّبها سبعة مصادر تلوث للهواء حول العالم، من خلال استخدام نماذج عالمية متقدمة خاصة بكيمياء الغلاف الجوي، وبيانات مفصلة عن عدد سكان البلدان المختلفة وحالاتهم الصحية، إضافة الى الدالات الموحدة لعلاقة التعرض بالاستجابة (IER) - وهي نماذج إحصائية توضح كيفية تباين أعداد الوفيات مع اختلاف درجات التعرض للجزيئات الدقيقة الموجودة في الهواء الملوث. وقد أتاحت نماذج كيمياء الغلاف الجوي المستخدمة للباحثين فرصة الربط بين تلوث الهواء، وحالات الوفاة المبكرة في مناطق مختلفة، وبين الانبعاثات ذات الصلة بقطاعات اقتصادية متنوعة.

هناك أكثر من 3.2 مليون حالة وفاة كل عام يسببها التعرض لمادة "PM2.5" الجزيئية الموجودة في المناطق المفتوحة2؛ وهي تشمل الجزيئات التي لا يزيد قطرها على 2.5 ميكرومتر، وتستطيع اختراق الرئتين؛ والتسبب في مجموعة متنوعة من المشكلات الصحية. ورغم أن عدة مناطق في الولايات المتحدة وأوروبا قد شهدت تحسنًا ملحوظًا في جودة الهواء على مدى العقود القليلة الماضية ـ نتيجة للتدخلات التنظيمية ـ وهو ما تشير الأدلة المتزايدة3,4 إلى أنه يفيد الصحة العامة، إلا أن مناطق أخرى كثيرة، وبالأخص البلدان الآسيوية ذات الأعداد المهولة من السكان، ما زالت تعاني من جودة الهواء المتردية5 (الشكل 1)، بالإضافة إلى انبعاثات عدد من الملوثات المتوقع زيادتها في المستقبل6. وتؤدي نسبة التلوث العالية تلك ـ إضافةً إلى التعداد السكاني الكبير ـ إلى إحداث آثار وخيمة على الصحة العامة.. كما لا يعرف عن مصادر التلوث المسؤولة عن حالات الوفاة المبكرة سوى القليل.

يقدر ليليفلد وزملاؤه1 أن الجزيئات الدقيقة التي تنتج من استخدام الطاقة في القطاعات التجارية والسكنية، وحرق النفايات، تسهم بالدرجة الأكبر في مسبِّبات حالات الوفاة المبكرة المرتبطة بالتلوث في جميع أنحاء العالم، وبالأخص في الهند وغيرها من البلدان الآسيوية.

كبر الصورة


هنا يجيء دور ليليفلد وزملائه بنتائجهم المفاجئة، التي قد تلعب دورًا مهمًّا في حماية الصحة العامة حول العالم. فأولى نتائجهم تقدِّر أن جزيئات PM2.5 التي تنتج من مصادر الطاقة التجارية والسكنية تمثل القدر الأكبر من مسبِّبات حالات الوفاة المبكرة حول العالم. وتشمل مصادر الطاقة تلك - المسؤولة عن %32 من الوفيات المبكرة في الصين، وعن 50-70% في الهند وفي الدول الآسيوية الأخرى - الوقود الصلب، مثل الفحم، والكتلة الحيوية التي تُستخدم لأغراض التدفئة والطبخ، وعمليات التخلص من النفايات، ومولدات الديزل.

تقدِّم الدالّات7 التي استخدمها الباحثون معلومات وبائية عن علاقة مقدار التعرض بالاستجابة، في حالات الوفاة التي تحدث إثر التعرض لتلك الجزيئات، والانبعاثات الصادرة من حرق الكتلة الحيوية، وتدخين التبغ (سواء أكان تدخينًا نشطًا، أم تدخينًا سلبيًّا). وبالنسبة إلى الوفيات الناتجة عن الجلطات وأمراض القلب، يزيد انحدار منحنى الدالات عند درجات التعرض المنخفضة (ما يعني أن تأثير زيادة جزيئات PM2.5 على نسبة الوفيات يعلو عند مستويات الجزيئات المنخفضة)، إلا أنه يستوي في كل الأحوال عند المستويات الأعلى، لكن عند مدى التعرض ما بين 30 و100 ميكروجرام لكل متر مكعب (المرجع 7)، تظهر درجات عالية من عدم التيقن في الدالات المستخدمة؛ حيث لم تتوفر بعد معلومات كافية عن حالات الوفاة المتعلقة بأمراض القلب، والناتجة عن جزيئات أجواء المناطق المفتوحة، كما يوجد عدد قليل جدًّا فقط من الدراسات المتعلقة بمسألة التعرض للتدخين السلبي. وبالتالي، ينبغي الانتباه إلى أن إحدى قلاقل تقديرات ليليفلد وزملائه لحالات الوفاة المبكرة الناتجة عن مصادر الطاقة التجارية والسكنية في البلدان الآسيوية هي أنها تقع في الغالب في نطاقات عدم التيقن العالية تلك.

تقل كذلك الدراسات المجراة على تأثيرات حرق الكتلة الحيوية على أمراض القلب أو الجلطات عند أي مستوى من مستويات التعرض8، كما أن أكبرها9 لم يجد أي تأثيرات لجزيئات PM2.5 ـ الناتجة عن حرق الكتلة الحيوية ـ في المحيط الجوي على حالات الوفاة المرتبطة بأمراض القلب في الولايات المتحدة. ورغم ذلك.. يشير الباحثون إلى أنه حتى لو افترضنا أن حرق الوقود الحيوي واستخدام مصادر الطاقة التجارية والسكنية لم يساهما في نسبة الوفيات تلك، يظل استخدام هذه الطاقة هو المساهم الأكبر في مسبِّبات حالات الوفاة المرتبطة بالهواء الملوث بصورة عامة في جميع أنحاء العالم، برغم تناقص العدد الكلي للوفيات حاليًّا.

أما النتيجة الرئيسة الثانية التي توصَّل إليها ليليفلد وزملاؤه، فهي أن الزراعة هي ثاني أكبر مساهم في مسببات حالات الوفاة الناتجة عن جزيئات PM2.5 حول العالم؛ إذ تؤدي إفرازات الأمونيا من المواشي والأسمدة إلى تكوُّن جزيئات نترات وسلفات الأمونيوم في الجو. وبذلك تُعَدّ الزراعة هي السبب الأساسي في الوفيات في شرق الولايات المتحدة، وفي روسيا، وتركيا، وكوريا، واليابان، وأوروبا، كما أنها تتسبب في ما يصل إلى %40 من أعداد الوفيات في عديد من الدول الأوروبية.

تفترض تلك النتائج أن نترات وسلفات الأمونيوم لهما نفس درجة سُمِّيَّة الجزيئات الجوية الأخرى. وعلى الرغم من أن بعض الدراسات الوبائية10,11 تؤكد بالفعل التأثيرات السالبة لهذه الجزيئات، إلا أن العديد من بيانات السمية تشير إلى انخفاض فعاليتها الحيوية عند تركيزاتها الحالية في المحيط الجوي10؛ فقد ترجع تلك الأدلة المتضاربة إلى كون جزيئات سلفات الأمونيوم عادة ما تختلط بالمعادن والمكونات السامة الأخرى الصادرة من الفحم أو المصانع11. لذا.. من الممكن أن يكون ليليفلد وزملاؤه قد بالغوا في تقدير تأثيرات الجزيئات المنبعثة من المصادر الزراعية، إلا أن النتائج التي توصلوا إليها لها قيمة عالية، حيث لم يُنظر إلى الزراعة من قبل على أنها مصدر أساسي للهواء الملوث، أو للوفيات المبكرة، كما تطرح أهمية توجيه قسط أكبر من الاهتمام للمصادر الزراعية من قِبَل العلماء وصناع السياسات.

أما النتيجة الثالثة التي توصل إليها الباحثون، فتكمن في أن التلوث المرتبط بوسائل المواصلات يتسبب فيما يقرب من %20 من الوفيات التي تسببها جزيئات PM2.5 في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، و5% في باقي أنحاء العالم؛ إلا أن درجة الدقة الفراغية للتقييم العالمي الذي قاموا به (والذي يأخذ في الاعتبار مناطق فرعية بمساحة تبلغ حوالي 110X 110 كيلومترات) لا تستطيع أن تسجل تأثيرات التباينات الدقيقة في التلوث الناتج عن وسائل المواصلات. وفي هذا الصدد وجدت دراسات أخرى10,12 ارتباطًا بين التباين في نسبة التلوث على بعد 50 إلى 500 متر من جانب الطريق، وبين عدد الوفيات. كما تشير الأدلة المتراكمة كذلك10 إلى التأثيرات الجلية على الصحة وعلى عدد الوفيات من المكونات ونواتج التفاعلات لانبعاثات وسائل النقل عند مقارنتها بمصادر الانبعاثات الأخرى. لذا.. يمكن أن يكون ليليفلد وزملاؤه قد أساءوا تقدير تأثيرات وسائل النقل.. لكن النتائج ترسل رسالتين مهمتين: أن انبعاثات وسائل النقل لا تزال مصدرًا مهمًّا يسبب الوفيات المبكرة في البلدان الغربية، حتى بعد فرض قوانين منظمة شاملة، وأن معدلات النمو العالية لمنظومة وسائل النقل في العديد من المناطق قد تؤدي الى زيادة التلوث وأعداد حالات الوفاة المبكرة في المستقبل القريب.

أخيرًا، يتوقع الباحثون تضاعف عدد الوفيات بسبب تلوث الهواء بحلول عام 2050، على أساس معدلات التلوث وعدد السكان، المتوقع زيادتهما؛ وهو ما ينبغي أن يقرع أجراس الإنذار لدى وكالات الصحة العامة في جميع أنحاء العالم، كما أنه يطرح تساؤلًا حول المصادر التي ينبغي أن يتم تقليلها في المناطق المختلفة. تعتمد الإجابة هنا على درجة ثقتنا في منحنى الدالات المستخدم؛ فحيث إن الجزء الحاد في المنحنى يقع عند المستويات المنخفضة من جزيئات PM2.5، يمكن أن يؤدي التخفيض البسيط لتلوث الهواء في المناطق الأكثر نظافة إلى فوائد جمة، بينما يحتِّم علينا استواء المنحنى عند المستويات المرتفعة أن نقوم بتخفيضات كبيرة في المناطق الملوثة في آسيا؛ كي نحصل على فوائد صحية كبيرة13.

إن النتائج التي توصَّل إليها ليليفلد وزملاؤه تبيِّن أنه من الممكن إنقاذ مليون نفْس كل عام من خلال خفض تعرضهم للهواء الملوث، إضافة إلى 3.54 مليون نفس أخرى، من خلال خفض تعرُّضهم للتلوث من المصادر ذاتها2 في المناطق المغلقة، في الغالب عن طريق تغيير أنماط استخدام مصادر الطاقة التجارية والسكنية. كما سيتسبب تحفيز استخدام الوقود النظيف أو الكهرباء لتغطية الاحتياجات المحلية من الطاقة في خفض أعداد الوفيات، التي تتسبب فيها جزيئات PM2.5 في المناطق المغلقة، أو في المحيط الجوي، ومن ثم يجب أن يحتل الأمر الأولوية في آسيا والمناطق الأخرى التي تعتمد على الوقود الصلب. أما بالنسبة لأجزاء كثيرة من العالم، فلا تزال هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث، لكي نستطيع فهم تأثيرات الممارسات الزراعية على تلوث الهواء، وعلى تعداد الوفيات. ولكي نستطيع ـ بصورة خاصة ـ أن نحدد درجة سُمِّيَّة نترات وسلفات الأمونيوم المنبعثة من هذه المصادر. وفي البلاد التي توجد بها مستويات منخفضة بالفعل من التلوث الجوي، لا يزال بالإمكان الحصول على فوائد كبيرة من خلال خفض الانبعاثات الصادرة من منشآت الوقود الأحفوري، ومن وسائل المواصلات.

  1. Lelieveld, J., Evans, J. S., Fnais, M., Giannadaki, D. & Pozzer, A. Nature 525, 367–371 (2015).

  2. Lim, S. S. et al. Lancet 380, 2224–2260 (2012).

  3. Pope, C. V. III, Ezzati, M. & Dockery, D. W. N. Engl. J. Med. 360, 376–386 (2009).

  4. Gauderman, W. J. et al. N. Engl. J. Med. 372, 905–913 (2015).

  5. Baumgartner, J. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 111, 13229–1323 (2014).

  6. Wang, S. X. et al. Atmos. Chem. Phys. 14, 6571–6603 (2014).

  7. Burnett, R. T. et al. Environ. Health Perspect. 122, 397–403 (2014).

  8. Smith, K. R. et al. Annu. Rev. Public Health 35, 185–206 (2014).

  9. Thurston, G. D. et al. Environ. Health Perspect. (in the press).

  10. Kelly, F. J. & Fussell, J. C. Atmos. Environ. 60, 504–526 (2012).

  11. Smith, K. R. et al. Lancet 374, 2091–2103 (2009).

  12. Hoek, G. et al. Environ. Health 28, 12(1):43 (2013).

  13. Apte, J. S., Marshall, J. D., Cohen, A. J. & Brauer, M. Environ. Sci. Technol. 49, 8057–8066 (2015).