كتب وفنون

التخصصات المتداخلة: داخــل معـمل مانشستـر للفنــون

يتناول بيتر بورمان ما قد ينتج عن التداخل بين التكنولوجيا والدراسات الإنسانية من اكتشافات.

بيتر بورمان
  • Published online:

في عام 2005، أَلقَى رائد الأنظمة الرقمية ستيف جوبز خطابًا مؤثرًا في حفل تخرُّج لطلبة جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، وصف فيه كيف فَضَّل دراسة فن الخط على المنهج المُقرَّر قبل التخرج، قبل أن يترك الجامعة لاحقًا. وعلى الرغم من أن عِلْم الخط كان يبدو في هذا الوقت علمًا بلا تطبيق عملي، إلا أنه بعد عقد واحد، حين كان جوبز منشغلًا بتقديم جهاز «ماك»، كانت دراسة فن الخط قد مكَّنته من تحسين الخطوط ذات المسافات المتناسبة، كما نجح في أن يجعل من جهاز «أبل» معيارًا ذهبيًّا في مجال النشر المكتبي، إذ ربط ربطًا ناجحًا بين «الفنون الحرة والتكنولوجيا»، وكرَّر هذه العبارة مرارًا في خطاباته البارزة الأخيرة، التي ألقاها قبل وفاته في عام 2011.

يُولِي معهد جون ريلانز البحثي بجامعة مانشستر في المملكة المتحدة اهتمامًا خاصًّا بالتفاعل المثمر بين الفنون والعلوم. وهذا المعهد، الذي أُسِّس في إبريل 2013، والذي أديره بنفسي مع راشيل بيكيل، المديرة المساعدة ورئيسة المجموعات الخاصة، يضم في الوقت الحالي ما يربو على 24 موظفًا، من بينهم علماء، وقائمون على الصيانة، وأمناء متاحف، وأخصائيو تصوير رقمي، ودارسو علوم إنسانية، بهدف الكشف عن الإمكانات البحثية التي توفرها المجموعات الخاصة بمكتبة جامعة مانشستر، ثم إبرازها واستيعابها، بدايةً من الألواح الطينية إلى أرشيف البريد الإلكتروني. ومن أبرز ما تشتمل عليه هذه المجموعات: مخطوطات يونانية، وقبطية، وعربية، مكتوبة على أوراق البردي، ومخطوطات عبرية وفارسية تعود إلى العصور الوسطى، فضلًا عن كتب تعود إلى بدايات العصر الحديث، مثل مجموعة من أفضل مجموعات المجلدات في العالم، طبعها عالِم الدراسات الإنسانية ألدوس مانوتيوس في عصر النهضة. وقد أُقيم المعهد استجابة للنهضة في مجال العلوم الإنسانية الرقمية، وهو مجال يسمح بدراسة الكتب والمخطوطات بأساليب لم تخطر على بال الجيل السابق.

<p>أصبح النَّص الذي مُحِيَ من طرس جالينوس باللغة السريانية واضحًا بواسطة تحليل الصور متعدد الأطياف.</p>

أصبح النَّص الذي مُحِيَ من طرس جالينوس باللغة السريانية واضحًا بواسطة تحليل الصور متعدد الأطياف.

Mike Toth/Siam Bhayro/Doug Emery/Digitalgalen.net/CC by 3.0

تعرَّضنا لعدد من النجاحات والإخفاقات، فقد جمعنا من التمويلات أكثر من 3 ملايين جنيه استرليني، (4.6 مليون دولار) من مصادر معينة، مثل الأكاديمية البريطانية، وصندوق «وِيلْكَم تراست» الخيري للأبحاث الطبية الحيوية. ويوجد المعهد في مكتبة جون ريلاندز المزدحمة بالفعل، حيث يمثل التوسع بخطى متسارعة أحد التحديات التي تواجهنا. وتتناول الأبحاث التي يجريها معملنا الفني مجالات لم يتطرق إليها أحد من قبل، وهذا من خلال إلغاء تقسيم الفروع المعرفية والمؤسسية.

لكي نحقق التعاون المتشابك بين الفروع، كنا نحث على إقامة نظام تعاوني ثنائي، حيث تم تخصيص مشرف لجميع الباحثين من طلاب الدكتوراة، وباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراة، وأكاديميين زائرين، وزملاء حاصلين على تمويل لإجراء دراسات تجريبية، بحيث يكونون مُلِمِّين بالمواد التي يدرسونها. فإليزابيث سافاج، على سبيل المثال، وهي باحثة ما بعد الدكتوراة في مجال التاريخ والفن، قد فازت بمنحة دراسية من الأكاديمية البريطانية لمدة ثلاث سنوات، من أجل دراسة آلاف المطبوعات التي تعود إلى القرنين الخامس عشر، والسادس عشر، جَمَعَها هيرو فون هولتورب، وهو أحد علماء القرن التاسع عشر في مجال تكنولوجيا الطباعة القديمة، وعلم الجَمَال. وكانت رفيقتها في النظام التعاوني الثنائي ستيلا هولكيارد، وهي مديرة مجموعات بصرية، أسهمت في إعادة اكتشاف هذا الإرث الرائع. كما عملت سافاج مع زملاء في مركز العناية بتجميع وتصوير التراث (CHICC) التابع للمكتبة، الذي كان له السبق في ابتكارات التصوير الفوتوغرافي الملون، مثل تقنيات الإضاءة لتصوير الذهب. وقد ساعدت هذه التقنيات ـ بالإضافة إلى التقاط صور للصبغات عن قرب ـ سافاج في التعرف على بعض أقدم النماذج للطباعة بالحبر المصنوع من الذهب.

كما أن العمل في مركز CHICC يؤدي إلى طفرة في طريقة فهم مخطوطات ورق البردي، والطروس، وهي ألواح تم محو النَّصّ منها، حتى يُعاد استخدام الصفحة. وقد تمكَّن الباحثون من الحصول على صور تبرز تفاصيل المصنوعات اليدوية الأثرية بالاستعانة بتكنولوجيا أكثر تطورًا، مثل مستشعر رقمي بمقياس 60 مليون وحدة بيكسل، مع نظام إضاءة MegaVision EV، يستخدم الصمامات الثنائية الباعثة للضوء، بحيث يمزج بين التصوير الفوتوغرافي عالي الدقة، والتصوير متعدد الأطياف الذي يلتقط البيانات عند ترددات واقعة في نطاق الطيف الكهرومغناطيسي. ويمكن لهذا النظام أن يكشف عن نصوص لم تكن مقروءة من قبل، لأن الأحبار المختلفة تعكس الضوء في أطياف مختلفة بصورة مغايرة. ولهذا.. تمكنت عالمة البرديات روبرتا مازا من اكتشاف «تميمة العشاء الأخير»، وهي ورقة بردي، كُتبت عليها فقرات من الكتاب المقدس من جهة، وعلى الجهة الأخرى إيصال ضريبة حبوب. وتتبَّعت مازا منشأ هذه الورقة، لتجد أنه كان بالقرب من مدينة هيرموبوليس القديمة في مصر، بجوار مدينة الأشمونين الحديثة.

كما نتعاون مع علماء، مثل مارك ديكنسون، وهو فيزيائي وأخصائي التصوير الطبي بمعهد علم الفوتونات في مانشستر، إذ إن التصوير الطبي غني بالتقنيات التي يمكن استخدامها في تحليل المصنوعات اليدوية الأثرية، مثل تصوير التماسك البصري المقطعي، الذي يُستخدم عادة لتصوير الأنسجة، أو لإظهار تدفق الدم. وقد اختبره ديكنسون على ورقة بردي معالَجة بالكربون، ويصعب فَرْدها، بسبب رِقّتها البالغة، كاشفًا عن النص المستتر بالداخل.

كما يمثل تحليل الصور عاملًا أساسيًا للبحث في المجموعات. ونحن نستعين بتقنيات إحصائية، مثل التحليل القانوني للمتغيرات CVA، الذي يقارن بين تركيبات المجموعات في بيانات متنوعة، حتى يتسنى لنا قراءة النص الذي تم محوه من الطروس. ويُطبق هذا التحليل على صورة متعددة الأطياف، ويُستعان بخوارزمية مدربة؛ للتعرف على النص الظاهر، والنص الباطن الممحو من قبل، فضلًا عن المساحات التي يلتقي فيها النَّصَّان. وبهذا.. يبلغ التباين فيما بين النَّصَّين أقصاه، مما يجعل النَّص السفلي يبرز للخارج، ويصبح مقروءًا.

«طبيعة المعهد تربط بين المصنوعات اليدوية الأثرية، وآخِر التطورات العلمية».

كما أن مشروع تحليل الصور، الذي تكلف مليون جنيه استرليني، والذي نتج جزئيًّا عن التعاون مع مركز CHICC، وتلقَّى تمويلًا من مجلس أبحاث الآداب والعلوم الإنسانية بالمملكة المتحدة، يقوم حاليًّا بدراسة الطرس الذي كتبه جالينوس باللغة السريانية، وهو مُصَنَّف متعلق بالشعائر الدينية، يعود إلى القرن الحادي عشر، ويحمل بين ثناياه نصًّا سفليًّا ممحوًّا، يعود إلى القرن السادس، وهو ترجمة سريانية لجملة «عن العقاقير البسيطة» الذي كتبها جالينوس، وهو أحد الأطباء الإغريقيين القدماء (من سنة 129 إلى 216 تقريبًا). ولدينا بالفعل مجموعة بيانات كبيرة من الصور متعددة الأطياف، وتندمج حاليًّا صور للصفحة نفسها، بحيث يصبح النَّص الباطن أكثر وضوحًا (انظر الصورة)، ويشرف على تنفيذ هذا بيل سيلرز، وهو اختصاصي في علم المقدمات الحاسوبية، ويستعين عادةً بالنماذج الحاسوبية، لإعادة تركيب حركات الأنواع المنقرضة، والتعرف على تطورها.

أثمر كل هذا العمل عن مجموعات كبيرة من الصور، مختزنة في صورة ملفات بصيغة (TIFF)، وهذا يثير تساؤلًا حول كيفية تخزين البيانات كبيرة الحجم، وتحليلها. وسيتمثل التحدي في إقامة أنظمة متكاملة، تسمح بالبحث المقارن عبر مِنَصّات الأنظمة الأساسية. أما بصدد المخطوطات اليونانية، والعبرية، والفارسية، المكتوبة على ورق البردي، فنحن نعتزم التوصل إلى حلول بالتعاون مع المكتبة الرقمية لجامعة كمبريدج، وهذا سيصب في مصلحة استراتيجية «المكتبة عبر الإنترنت»، المتمثلة في تجميع مجموعاتنا ومشروعاتنا الرقمية تحت سقف واحد. كما يمكننا النظر في كميات كبيرة من الأبحاث وبيانات التعريف، باستخدام أدوات لغويات النصوص الحاسوبية، التي تُعنى بدراسة اللغة من خلال عيِّنات من النَّص الحقيقي، إلى جانب أداة استخراج المعلومات من النصوص، التي تفحص النص؛ لاستخراج البيانات منه. وتتضمن هذه الأدوات نظام برنامج معالجة اللغة (U-Compare).

بعض مجموعاتنا كانت أصلًا رقمية، فعلى سبيل المثال.. لدينا أرشيف بريد إلكتروني لدار النشر الأدبي المحلي «كاركانت»، وبالطبع سيتعامل الباحثون في المستقبل مع هذه المجموعات بأسلوب يختلف عن مطالعة المراسلات المكتوبة. وقد بدأنا بالفعل في التعاون مع خبراء لغويات حاسوبية بمركز مانشستر القومي؛ لاستخراج البيانات من النصوص، وكذلك مع زملاء من مركز دراسات الترجمة والتبادل الثقافي القريب، الذين اكتسبوا خبرة عريضة في التعامل مع مجموعات كبيرة من النصوص متعددة اللغات. كما سيتيح الذكاء الصناعي، بالتعاون مع علم دراسة الخطوط القديمة ـ المعنِيّ بدراسة الكتابات القديمة، وتاريخها، وتصنيفها ـ سبلًا ومجالات للبحث، يحرص المعهد على استكشافها. ومن خلال تدريب البرنامج على التعرف على خطوط أيدٍ معينة، وأساليب معينة للكتابة، سيمكننا عندئذ فحص مجموعات افتراضية هائلة من المخطوطات بأساليب غير مسبوقة.

وقد ذكرت المؤرخة آن بلير بجامعة هارفارد في كمبريدج بولاية ماساتشوستس في محاضرة ألقتها في افتتاح المعهد: «حين نُقْبِل على الإعلام الجديد، علينا ألا ننبذ الوسائل القديمة». أهم ما يميز المعهد هو تداخل التخصصات، التي تربط المصنوعات اليدوية الأثرية بآخِر التطورات العلمية، وهذا ما يشكل الإرث المزدوج للأجيال القادمة، التي ستطرح أسئلة مختلفة عن مقتنيات المكتبة البارزة.