تحقيق إخباري

العلوم في فريق

أصبح تداخل التخصصات هو الصيحة الأحدث.. بينما يعمل العلماء على حل المشكلات المجتمعية الكبرى، لكن ما زالت هناك مقاومة قوية لمسألة تجاوز الحدود تلك.

  • هايدي ليدفورد
  • هايدي ليدفورد
  • Published online:

Illustration by Dean Trippe


إنّ طلب مبلغ 40 مليون دولار أمريكي ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق، إلا أن ثيودور براون كان يدرك أن عرضه تحديدًا سيكون في غاية الصعوبة. وبحُكْم منصبه كنائب مستشار للأبحاث في جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين في أوائل الثمانينات، كُلّف براون بمهمة طلب تبرُّع كبير من رجل الأعمال الكيميائي الثري أرنولد بيكمان، الذي تخرَّج في الجامعة نفسها، والذي تردد حيال الأمر.. إذ كان يرى أن الجامعة يجب أن تتلقى معظم دعمها من الدولة؛ فقرر براون ابتكار مشروع لم ير مثيلًا له من قبل.

في عام 1983، وبالاشتراك مع زملائه، قدَّم براون عرضًا باسم المؤسسة المعنية، التي كانت فرصتها ضئيلة في الحصول على تمويل من خلال القنوات المعتادة. شَكَّل المشروع تحديًا للقوانين التنظيمية الصارمة التي تتسم بها جامعات عديدة حديثة، حيث جمع بين أعضاء من أقسام مختلفة، وحثّهم على العمل معًا في مشروعات مشتركة. ودافع براون عن الفكرة حينها، قائلًا إنها ستسمح لأعضاء هيئة التدريس بتناول مسائل علمية ومجتمعية أكبر من تلك التي يتناولونها عادة.

وأضاف: «إن المشكلات التي نواجهها اليوم، والتي تستحق فعلًا أن نعمل عليها، معقّدة وتتطلب معدات وأدوات فكرية رفيعة المستوى، ولا يجدي معها النهج المحدود. والهيكل التقليدي لأقسام الجامعات والكليات لا يساعد على العمل التعاوني ذي التخصصات المتداخلة».

كان ذلك مثالًا مبكرًا للدفع باتجاه البحوث ذات التخصصات المتداخلة التي تجتاح الجامعات الآن حول العالم. وعلى الرغم من أن براون لم يتصدر الأمر وحده حينها، حيث تم تأسيس معهد سانتا متداخل التخصصات في نيو مكسيكو في الوقت نفسه تقريبًا، إلا أنه كان من أوائل داعمي فكرة تَخَطِّي الحدود قبل انتشارها، لكن اقتراحه واجه مقاومة شديدة؛ فقد خشي رؤساء الأقسام من أن ينتزع منهم أعضاء هيئة التدريس مع المنح الخاصة بهم، كما سخر بعض الزملاء من فكرته بخلق مساحات مفتوحة في المكاتب؛ لتعزيز التفاعل بين طلاب الدراسات العليا.. فلا شك أن الضجة ستجعل إنجاز أي عمل جاد أمرًا مستحيلًا. ومن ثم، كانت الوصمة؛ فوَبَّخَهم عالم فيزياء بارز بقوله: «إن البحوث ذات التخصصات المتداخلة هي ذريعة مَن لا يملكون الكفاءة الكافية للنجاح في مجالاتهم الخاصة».

أما بيكمان فقد أُعجب بالفكرة، وقدَّم المبلغ المطلوب بالكامل – الذي كان حينها يُعد أكبر تبرع خاص على الإطلاق يُقَدَّم إلى إحدى الجامعات الحكومية في الولايات المتحدة. ومن ثم، وبعد عدة سنوات مضنية، أُنشئ معهد بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة على مساحة 29,000 متر مربع.

كافح المعهد لتوظيف مدير كفء يكون على استعداد لخوض تجربة النموذج الجديد، حتى تولّى براون القيادة. وسرعان ما تدفقت مِنَح ضخمة من جهات مختلفة، مثل وزارة الدفاع، والمؤسسة الوطنية للعلوم، لتُسكِت العديد من الألسنة المنتقِدة. وعندما غادر براون المعهد في عام 1993، كانت جامعات رائدة أخرى ترسل وفودًا إليه؛ لتتعلم من النموذج الجديد. كما حقق باحثو المعهد ـ الذي يضم الآن أكثر من مئتي عضو منتسب بهيئة التدريس ـ إنجازات مثيرة، من ضمنها المساعدة في ابتكار واحد من أولى متصفحات الويب البيانية.

ومنذ أن تأسس معهد «بيكمان»، انتشر نموذج التخصصات المتداخلة حول العالم، معاكسًا للاتجاه السائد نحو التخصصية، الذي هيمن على مجالات العلوم منذ الحرب العالمية الثانية. وانتشرت المعاهد المتكاملة في الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان، والصين، وأستراليا، إلى جانب مناطق أخرى، حيث يسعى الباحثون فيها من أجل حلّ المشكلات المعقدة، كمشكلات تغيّر المناخ، والاستدامة، والصحة العامة. ويمكن رؤية هذا التغيير في الاتجاه بوضوح في بيانات النشر، حيث يُنسب أكثر من ثلث المراجع المذكورة في البحوث المنشورة الآن إلى تخصصات أخرى. وحسب قول شارون ديري، المختصة في علم النفس التربوي في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل، والتي تدْرُس التخصصية المتداخلة: «إن مشكلات العالم لا تقع ضمن تخصص واحد.. علينا أن نجمع ذوي المهارات والخبرات المختلفة معًا.. فلا أحد يملك كل ما هو مطلوب للتعامل مع القضايا التي نواجهها».

ورغم ذلك.. يقول مؤيدو هذا النهج إن انتشاره كان بطيئًا، ومن يجتازون حدود التخصصات الأكاديمية مازالوا يواجهون تحديات كبيرة عند تقديم طلبات للحصول على المنح، أو طلب للترقيات، أو تقديم أوراق البحوث للدوريات ذات معامل التأثير العالي. وفي كثير من الحالات، كما يقول العلماء، يكون الأمر مجرد علامة تدل على مواكبتهم للعصر؛ كما يقول ديفيد وود، مهندس الطب الحيوي بجامعة مينيسوتا في مينيابوليس: «هناك تحفيز كبير لإطلاق تلك الصفة على عملك.. لكن ما زالت هناك مقاومة للقيام بعمل علميّ حقيقي متداخل التخصصات».


 تخصصات منفصلة

إن فكرة تقسيم مجال البحث الأكاديمي لفئات منفصلة تعود إلى أيام أفلاطون وأرسطو.. لكن بحلول القرن السادس عشر، كان فرانسيس بيكون وغيره من الفلاسفة ينعون فكرة تجزئة المعرفة تلك.

يتضمن النمو السريع للعلوم مشكلة واحدة، وهي أن هناك كمًّا هائلًا من المعلومات المنتشرة عبر التخصصات المختلفة، بما يتجاوز قدرة أي شخص على امتلاكها وحده. ومثال على ذلك، كما يشير مؤرخ العلوم بيتر فاينجارت من جامعة بيليفيلد في ألمانيا، كتاب كارل لينيوس التصنيفي «Systema Naturae»، الذي تَضَخَّم ما بين طبعته الأولى في عام 1735 والأخيرة في عام 1768، من 10 صفحات فقط إلى أن بلغ 2,300 صفحة، مغطيًا 7,000 صنف من الكائنات.

بعد أن بدأت حدود التخصصات في الجامعات الحديثة في الترسّخ في القرن التاسع عشر، ازدادت التخصصات عددًا وقوّة بعد الحرب العالمية الثانية، مع دعم الدول لأبحاثها، خاصة الولايات المتحدة. فحسب قول فنسنت لاريفيير، المتخصص في علم المعلومات في جامعة مونتريال في كندا: «كانت تلك هي اللحظة التي تزايدت فيها أعداد الجامعات بقوة تصاعدية.. كما ازداد حجم كل جامعة بإنشاء المزيد من الأقسام».

لعبت التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي دورًا أيضًا، حسب قول فاينجارت. فبينما تَباهَى شعب الاتحاد السوفيتي ببرنامجه البحثي الموجّه نحو حل المشكلات المجتمعية، كتحسين الزراعة؛ لتعزيز الأمن الغذائي، على سبيل المثال، صرح الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور بضرورة إطلاق العنان لبحوث العلوم الأساسية، وفقًا لما قاله في كلمته في عام 1959: «في مجال الاستكشاف الفكري، يمكن ممارسة الحرية الحقيقية، بل ويجب فعل ذلك». وعلى الرغم من أن بحوث العلوم الأساسية لا تحتاج بالضرورة إلى التخصص، إلا أنها لا يمارَس عليها الضغط نحو التخصصية المتداخلة بالقدر نفسه الذي يمارَس على البحوث التطبيقية.

ومن ثم، تكاثرت التخصصات بتقسيم كل واحدة إلى فروع أكثر وأكثر؛ فقُسِّم علم الأحياء إلى علم النبات وعلم الحيوان، ثم إلى علم الأحياء التطوري، وعلم الأحياء الجزيئي، والأحياء المجهرية، والكيمياء الحيوية، والفيزياء الحيوية، والهندسة الحيوية، وما هو أكثر من ذلك. ففي أواخر العام الماضي، حين أحصى جيري جاكوبس ـ عالم الاجتماع في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا ـ عدد الأقسام ذات الصلة بعلم الأحياء في جامعة ولاية متشيجان في لانسينج الشرقية؛ وجد ما يقرب من 40 قسمًا.

«علينا أن نجمع ذوي المهارات والخبرات المختلفة معًا.. فلا أحد يملك كل ما هو مطلوب».

من هذا الزخم، ظهر مصطلح «التخصصات المتداخلة»، الذي يرجع أول اقتباس له في قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية إلى شهر ديسمبر من عام 1937، في إحدى دوريات علم الاجتماع، لكن حتى حينها، اعتقد البعض أن هناك مبالغة في استخدام المصطلح. وفي تقرير موجّه إلى مجلس بحوث العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة في أغسطس من ذلك العام، عمد عالِم اجتماع من جامعة شيكاغو في ولاية إيلينوي إلى ضم هذا المصطلح إلى غيره من «العبارات والشعارات البراقة التي لم تُدرَس بالقدر الكافي»، (R. Frank Items 40, 73–78; 1988).

وفي السبعينات، بدأت الحركة الأكاديمية لتداخل التخصصات، ثم استمر النهج في النمو منذ ذلك الحين، حسب قول لاريفيير، الذي يُرجِع الفضل في ذلك الارتفاع بشكل جزئي إلى المكتبات التي أخذت في الاشتراك، وتجميع الأعداد؛ لتحسين وصول الباحثين إلى دوريات خاصة بمجالات أخرى؛ فأصبح مثلًا بوسع فيزيائي الجزيئات الوصول إلى دوريات علم الأحياء بسهولة أكبر. وإضافة إلى ذلك.. بدأ يتحول تركيز الولايات المتحدة من البحوث الأساسية والحرية العلمية إلى المشكلات المجتمعية، كحماية البيئة مثلًا، التي نادرًا ما يمكن معالجتها من خلال تخصص واحد بعينه.

لم تكن الولايات المتحدة وحدها في هذا الأمر.. ففي عام 1994، كان من بين توقعات كتاب «الإنتاج الجديد للمعرفة»، الذي (نشرته دار سيج للنشر) ـ والذي رعاه جزئيًّا المجلس السويدي لتخطيط وتنسيق البحوث ـ مستقبلًا متداخل التخصصات بشكل متزايد، مع سعي العلوم إلى حل المشكلات المجتمعية. وكان لهذا الكتاب تأثير، حسب قول لاريفيير، خاصة في إطار برنامج التمويل الخامس للاتحاد الأوروبي، الذي استمر من عام 1998 حتى عام 2002، كما أكّد على البحوث متداخلة التخصصات، والموجَّهة نحو حل المشكلات المختلفة.

وبعد فترة وجيزة، بدأت المعاهد ذات التخصصات المتداخلة في الانتشار حول العالم، وكان لكل منها بنية وهدف فريدان من نوعهما. وركّز أول تلك المعاهد ـ وهو معهد «سانتا في»، الذي تأسس في عام 1984 ـ على تطبيق الرياضيات المتقدمة والمهارات الحاسوبية على مجموعة من التخصصات. أما المعاهد الأخرى، مثل معهد «ديفيد إتش كوخ» المختص بأبحاث السرطان التكاملية في كمبريدج، والتابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أو مجمع «جانيليا» الجامعي لبحوث العلوم العصبية في أشبورن بفيرجينيا، فكانت تتناول المسائل التي تدخل في إطار تخصص معين، إلا أنها كانت تستعين ببعض الأعمال من مجالات أخرى. كما ركز البعض الآخر ـ مثل معهد موناش للاستدامة في كلايتون بأستراليا ـ على مشكلات بعينها.

وحتى مع اكتساب الأمر زخمًا كبيرًا، ظل باحثو التخصصات المتداخلة يواجهون العقبات نفسها التي واجهها براون. ففي عام 1998، ساعد الكيميائي ريتشارد زير من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا في إطلاق معهد «بايو-إكس» Bio-X ذي التخصصات المتداخلة؛ إلا أن أحد زملائه المؤثرين حثّه على عدم نقل مختبره إلى مبنى المعهد، وهو ما كان سيأخذ ريتشارد زير بشكل أساسي بعيدًا عن قسم الكيمياء، ولجنته، وواجباته التعليمية هناك، مؤديًا إلى إضعاف القسم، حسب رأي زميله.

وعلى الرغم من رسوخ مكانته، إلا إن ريتشارد كان يخشى معارضة المؤسسة، حيث قال: «كان الأمر شديد الجدية»، وأشار إلى أن الخطر كان أكبر على الأساتذة الشبان الذين يسعون إلى التثبيت الوظيفي.

وفي عام 2004، واستجابةً للاهتمام المتزايد بالعمل متداخل التخصصات - والتحديات التي تواجه مجرِّبيه - أصدرت الأكاديميات الوطنية الأمريكية تقريرًا بعنوان «تسهيل أبحاث التخصصات المتداخلة»؛ نصح مؤلفوه المعاهد بأن تخفِّض الحواجز من خلال زيادة مرونة ميزانياتها على سبيل المثال، بحيث يمكن تقاسم التكاليف بين الأقسام.

«هناك ضغط مستمر عليَّ لتشكيل تحالف عابر للكليات والمؤسسات.. فإذا كنتُ أرغب في تشييد مبنى جديد، أرى أنه كلما ازداد عدد الحلفاء لديَّ؛ أصبح جمع المال أسهل».

جذب المنشور جمهورًا ضخمًا؛ إذ تم تحميله أكثر من 7,600 مرة، كما كان له تأثير خارج حدود الولايات المتحدة. ففي جامعة دورهام في المملكة المتحدة، حسب قول الفيزيائي توم مكليش، رجع الإداريون إلى التقرير عندما كانوا يشكِّلون سلسلة من المراكز متداخلة التخصصات في الجامعة. في ذلك الوقت، كان مكليش يساند نائب مستشار البحوث، ورأى في تداخل التخصصات وسيلة لجعل الجامعة الصغيرة تتألق عالميًّا، ما أدخله في صراع مع رؤساء الأقسام الذين كانوا يخشون أن تنقص المراكز الجديدة من ميزانياتهم. ومن ثم، عمل على تأسيس نظام للترقيات يكافئ الباحثين في مِنَح الفرق الكبيرة بطريقة مِنَح الباحث المفرد. والآن، توجد بالفعل في الجامعة مراكز متداخلة التخصصات، تتمحور حول موضوعات تتراوح بين المرونة البيئية والنفسية، وبين تاريخ العلوم في العصور الوسطى.

في آسيا أيضًا يميل الاتجاه نحو النهج الجديد. ففي عام 2000، وضعت مؤسسة العلوم الطبيعية الوطنية الصينية (NSFC) خطة للبحوث ذات التخصصات المتداخلة، كما أطلقت الجامعات عديدًا من المراكز المتكاملة على مدار العقد الماضي، من ضمنها أكاديمية الدراسات المتقدمة متداخلة التخصصات في جامعة بكين في بكين. وتخطِّط مؤسسة العلوم الطبيعية الوطنية الصينية لإطلاق مزيد من المشروعات متداخلة التخصصات في السنوات المقبلة، حسب قول يونجي زينج، نائب المدير العام لمكتب سياسات العلوم التابع للمؤسسة. ويضيف: «لا تزال الصين دولة نامية. لذا.. تستطيع الجامعات والمعاهد أن تسارع في إعداد مراكز جديدة، تعكس الاتجاه الجديد نحو البحوث ذات التخصصات المتداخلة».

وفي عام 2012، أسَّست جامعة نانيانج للتكنولوجيا في سنغافورة برنامج الدراسات العليا متداخلة التخصصات، الذي يضم فعليًّا 335 طالبًا من أصل 2,000 طالب دراسات عليا، ويُعتبر الأول من نوعه في آسيا. يعود الهدف من تصميم هذا البرنامج ـ جزئيًّا ـ إلى توسيع الخيارات المتاحة لتمويل الجامعة، وفقًا لقول بو ليدبيرج، عميد البرنامج؛ الذي يبرر الأمر بقوله إن البرنامج يمكن أن يشجع مزيدًا من التعاون مع قطاع الأعمال، نظرًا إلى أن الصناعة غالبًا ما تركِّز على مشكلات العالم الحقيقية العابرة لحدود التخصصات.

إنّ التركيز على التخصصية المتداخلة باعتبارها مصدرًا للإيرادات أمر شائع، حسب قول ميرلين كروسلي، عالم الأحياء الجزيئية، وعميد كلية علوم الحياة في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني بأستراليا. ويتابع قائلًا: «هناك ضغط مستمر عليَّ لتشكيل تحالف عابر للكليات والمؤسسات.. فإذا كنت أرغب في تشييد مبنى جديد، أرى أنه كلما ازداد عدد الحلفاء لديَّ؛ أصبح جمع المال أسهل». فعلى سبيل المثال.. شهدت جامعة ولاية أريزونا في تيمبي ارتفاعًا في تمويلها الفيدرالي بمعدل %162 بين عامي 2003 و2013، مع طرحها للتخصصية المتداخلة عبر جميع أقسامها الجامعية (انظر: Nature 514, 292–294; 2014).

على الرغم من هذا الضغط، لا يزال انتشار الفكرة ضعيفًا جدًّا؛ فمقابل كل جامعة، مثل نانيانج، أو دورهام، لا تزال هناك مئات من الجامعات لم تُجْرِ تغييرًا جذريًّا. ولا تزال الحواجز بين الأقسام موجودة ـ وبقوة ـ في معظم المعاهد، كما تقول نانسي أندريزن، المتخصصة في علم الأعصاب في جامعة أيوا في مدينة أيوا، التي شاركت في رئاسة اللجنة التي صاغت تقرير الأكاديميات الوطنية منذ أكثر من قرن مضى. وتضيف: «كانت تلك خيبة أمل كبيرة».


 العمل الجماعي

بالنسبة إلى المؤسسات والبرامج التي تبنَّت التخصصية المتداخلة، لم يكن التحول دائمًا سهلًا.. فبحسب قول لورا ميجر ـ مستشارة مستقرة بالقرب من سانت أندروز في المملكة المتحدة، وتدرِّب الفرق متداخلة التخصصات ـ كان الخطأ الأكثر شيوعًا هو إساءة تقدير عمق الالتزام والعلاقات الشخصية اللازمة لمشروع ناجح متداخل التخصصات. وتتابع: «تقابِل أفرادًا يعتقدون أن الأمر لا يتعدى ضم مجموعة من السير الذاتية في نهاية الطلب المقدم.. هم لا يدركون أن بناء علاقة شخصية يتطلب بعض الوقت».

حين يأتي الدفع نحو العمل التعاوني من الجهات العليا، يمكن أن يشتت الانتباه عن العلاقات الشخصية، ما يترك المشروع عرضة للمعاناة، كما تقول ميجر. لذلك.. فإن مركز أبحاث الطاقة في المملكة المتحدة (UKERC)، الواقع في لندن، الذي عمل على تنسيق وتنفيذ أبحاث الطاقة المستدامة منذ عام 2004، قد تعلّم كيف يمكن أن تكون العلاقات متداخلة التخصصات حساسة، حسب قول مارك ونسكل، عالم الاجتماع والسياسة في جامعة إدنبرة، الذي قام بتقييم المركز في عقده الأول. مضت السنوات الخمس الأولى (المرحلة الأولى من التقييم) على ما يرام، كما يقول، وتوّجت أعمالها بنشر تقارير «الطاقة في عام 2050» Energy 2050، التي جمعت نتائج المؤسسة، وترجمتها إلى توصيات، لكن السنوات الخمس التالية (المرحلة الثانية) فشلت في تحقيق إنجاز مماثل.

«تقابِل أفرادًا يعتقدون أن الأمر لا يتعدى ضم مجموعة من السِّيَر الذاتية في نهاية الطلب المقدَّم. إنهم لا يدركون أن بناء علاقة شخصية يتطلب بعض الوقت».

مع استطلاع وينسكل لآراء الأعضاء، وجد أن التغيرات التي أُجريت في هيكل المركز ليُفتح لنطاق مجتمعي أوسع ـ عن طريق تقديم عدة منح جديدة في منتصف الخمس سنوات الثانية، على سبيل المثال ـ قد أضرت ببعض العلاقات الراسخة طويلة الأمد. «أصبحنا مجتمعًا من العلماء والتخصصات المتنوعة بالفعل.. لكن ذلك يعني أيضًا أنك تصبح أقل اندماجًا مع مَن حولك». وبالفعل، استفاد المركز من التجربة؛ فالمرحلة الثالثة التي بدأت في شهر مايو من عام 2014 تهدف إلى توفير مزيد من الاستقرار؛ لإثراء العلاقات التعاونية.

وكثيرًا ما يواجه علماء الاجتماع تحديدًا مشكلة عدم الاندماج تلك، وفقًا لقول توماس هيبيرلين، المتخصص في علم النفس الاجتماعي في جامعة ويسكونسن-ماديسون. فحين يركّز المموِّلون على الآثار المجتمعية للأعمال التي يدعمونها، كثيرًا ما يُدعى علماء الاجتماع لتقييم الآثار الأوسع نطاقًا للمشروع، لكن كما يقول هيبيرلين: «من الواضح ـ بل والمهين ـ أن طلب أحد علماء الاجتماع الانضمام إلى مشروع ما يكون طلبًا صوريًّا، دون التزام حقيقي بإدماج التخصص في المشروع».


 صراع مجتمعي

وجدت دراسات عديدة أُجريت في المملكة المتحدة أن علماء الاجتماع أقلّ رغبة من باحثي التخصصات الأخرى في المشاركة في المشروعات متداخلة التخصصات. فبالنسبة إلى هيبيرلين، الذي طالما تعاون مع علماء البيئة، كانت إحدى العقبات التي واجهته ما يسميه «هيمنة العلوم الطبيعية»؛ إذ تحتل تلك التخصصات مكانة أعلى من المجالات الأكثر نوعية، كالعلوم الاجتماعية، كما يعتبرها الممولون والباحثون تخصصات أكثر صرامة، كما يقول. ويؤدي هذا الخلل إلى الشعور بالإحباط، كما يدمر عملية التعاون. يقول هيبيرلين، الذي تخصص في إجراء استطلاعات الرأي العام، إنه كثيرًا ما يقترح علماء الطبيعة بسذاجة أن يصمموا وينفذوا الاستطلاعات بأنفسهم، باستخدام إحدى أدوات الإنترنت، مثل «SurveyMonkey»، وهو ما يعارضه بقوله: «من الصعب حقًا أن تقوم بما نقوم به.. فمقاييسنا معقدة».

ومع جَمْع أنواع مختلفة من الباحثين، يمكنك أن تصادف عدم احترام في نَواحٍ عديدة. يقول وود إنّ المهندسين الحيويين يتم تحذيرهم دائمًا من مراجعة المنح التي يطلبونها من قِبَل هيئات تضم علماء أحياء، قد يكونون من المعارضين لأهداف ومقاييس بحوث الهندسة الحيوية، إلا أنه عمل أيضًا ضمن لجان مراجعة توقَّف فيها المهندسون عند حدود البحوث الإكلينيكية.

ومع ازدياد عدد الباحثين المشاركين في الأعمال متداخلة التخصصات، بدأت حدّة الشكوك المتبادلة بالتراخي، كما بدأت بعض علامات النجاح المتعلقة بالتمويل في الظهور على الساحة. فمثلًا، تقول المؤسسات الوطنية الأمريكية للصحة (NIH) إن التطبيقات متداخلة التخصصات تعادِل ـ أو تفوق قليلًا ـ التطبيقات الأكثر تقليدية؛ إلا أن المجلس الأوروبي للبحوث قد لاحظ أن طلبات المنح الخاصة بالمشروعات متداخلة التخصصات في المتوسط لا تعطي الأهمية نفسها في لجان المراجعة، كالمشروعات الأضيق نطاقًا.

وأجواء النشر أيضًا مختلطة.. فلطالما اشتكى باحثو التخصصات المتداخلة من صعوبة الوصول بأبحاثهم إلى الدوريات المتخصصة رفيعة المستوى. وفي هذا الصدد، يقول هيبيرلين إن ظهور الدوريات العلمية متداخلة التخصصات قد ساعد في مجاله، برغم أنه يساوره الشك حيال مستوى بعض الأبحاث التي تُنشر بها؛ كما يتساءل عن الحكمة في تدريب طلاب الدراسات العليا على تخصصات مختلفة، قبل أن يكونوا قد تمرّسوا جيدًا في صعوبات مجال واحد.. ويقول: «عليك أن تنمِّي مهارات تخصصك أولًا.. السيئ في الأمر هو أن نوعية هذه الأبحاث المتخصصة سيئة جدًّا، وربما تزداد سوءًا».

ينظر الكثيرون إلى دفع المعاهد نحو التخصصية المتداخلة باعتبارها تجربة في طور التنفيذ. فكما يقول سكوت فريكل، عالم اجتماع في جامعة براون في بروفيدنس بولاية رود آيلاند: «بدأت الاحتفالات، لكن البيانات الفعلية عن نوعية الاختلاف الذي يُحْدِثه الأمر غير متوفرة». ومع تَبَنِّي المزيد من المعاهد لطرق جديدة لتنظيم البحوث، يحاول البعض أيضًا إعادة النظر في عمليات التقييم الخاصة بهم، حسب قول مكليش. وفي شهر يوليو الماضي قامت فيرونيكا سترانح - بالتعاون مع زملائها في دورهام ـ بالإضافة إلى مكليش تقريرًا بعنوان «تقييم البحوث متداخلة التخصصات»، وفوجئ عندما توافدت المجتمعات الأكاديمية والممولون لمعرفة المزيد. ويقول: «لم نكن نتوقع أن نُطْلِق هذا التقرير في محيط يريد جميع مَن فيه معرفة الأمر».

تختلف وتيرة التغيير حول العالم؛ ففي الولايات المتحدة، وضعت المؤسسات الوطنية للصحة برنامجًا لتحفيز البحوث متداخلة التخصصات من عام 2004، حتى عام 2012؛ ما أدَّى إلى بعض التغييرات، مثل بدء الاعتراف بفكرة وجود عدة باحثين رئيسين في مشروع واحد، بعد أن كانت المِنَح تُقَدَّم لباحث واحد فقط، وهو التحول الذي أزاح عائقًا من سبل التعاون. ومنذ ذلك الحين، لم تجد الوكالة حاجة إلى متابعة وضع أي حوافز أخرى، مع ملاحظة أن هناك أكثر من 4,000 مشروع بحثي يعمل بتمويل من المؤسسات الوطنية للصحة، تصنِّف نفسها باعتبارها مشروعات متداخلة التخصصات. تقول بيتسي وايلدر، وهي رئيسة مكتب التنسيق الاستراتيجي في المؤسسات الوطنية للصحة: «لدينا شعور عام بأن البحوث متداخلة التخصصات قد أصبحت النهج الطبيعي في الأبحاث العلمية. لقد استولت فعلًا على تمويل مؤسسات الصحة الوطنية».

أما في بعض البلدان الأخرى، فقد بدأت التجربة لتَوِّها. فالكيميائي أيّابانبيلاي أجاياجوش، مدير المعهد الوطني للعلوم والتكنولوجيا متداخلة التخصصات في ثيروفانانثابورام بالهند، يقول إن الزخم يتعاظم في بلاده للترويج لمزيد من المشروعات متداخلة التخصصات. وفي اليابان، أحد أسباب مغادرة عالم الفيزياء النظرية تيتسو هاتسودا لجامعة طوكيو، أنه شعر أن الحدود بين التخصصات كانت تُفرض بصرامة عالية هناك. وفي عام 2013، انضم إلى معهد «رايكن» RIKEN للأبحاث في واكو في اليابان، وأنشأ فريقًا متداخل التخصصات، يضمّ علماء متخصصين في الفيزياء النظرية، والكيمياء والأحياء لتنفيذ التقنيات التي ستعمل على تسريع المجالات الثلاثة، آملًا في أن يحفز الجهد المبذول المزيد من الأعمال متداخلة التخصصات في البلاد. ويقول: «تتخلف اليابان قليلًا عن البلدان الأخرى.. فالعلم النظري هنا هو نقطة انطلاق جيدة، لأن التفاعل معه سهل بالنسبة لنا».

وبعد نحو 25 عامًا من افتتاح معهد بيكمان، تكلّلت تجربة البحوث متداخلة التخصصات فيه بالنجاح، كما يقول براون. وعلى الرغم من احتدام التنافس على التمويلات مع تأسيس مزيد من الجامعات للفرق ذات التخصصات المتداخلة، يستمر المركز في جذب أعضاء متميزين إلى هيئة التدريس، بالإضافة إلى منح للفِرَق الكبيرة، فقد حصل خلال العام الماضي على عقد بحثي وصلت قيمته إلى 12.7 مليون دولار أمريكي، من برنامج مشروعات بحوث الذكاء المتقدمة، التابع للحكومة الفيدرالية.

والآن، كلما يشار إلى الجهود العالمية للدفع نحو التخصصية المتداخلة، باعتبارها مجرد بدعة؛ يغضب براون بشدة قائلًا: «الجواب هو (لا) بكل تأكيد. لقد تغيرت الأمور، فالناس يركّزون الآن على المشكلات الكبيرة، وإذا كنتَ تعتزم الاتجاه نحو مشكلة كبيرة، فستحتاج إلى أنْ تعمل بالنهج الجديد».