أنباء وآراء

علم الغلاف الجوي: جسيمات رذاذ البحر تتسبب في تجمُّد السُّحُب

قد تتكون السحب الثلجية عند الارتفاعات العالية في المناطق البحرية في هواء أكثر دفئًا وجفافًا مما كان يُعتقد سابقًا، وهذا بسبب التجمد الذي تتسبب فيه الجسيمات المحمولة عن طريق الهواء التي تحتوي على مواد عضوية من مياه المحيط السطحية.

لين راسل
  • Published online:

تغطي المحيطات ثلثي مساحة سطح الأرض، كما أنها تتكون بالكامل تقريبًا من الماء والأملاح غير العضوية1 الموزعة بانتظام. وتتكون النسبة الأقل من %1 المتبقية من مياه المحيط من مواد عضوية ذات تركيز يختلف مع تباين الزمان والمكان2، وذات تكوين ظل مجهولًا بدرجة كبيرة، إلا أنها قد تكون المكون الأساسي الذي يتسبب في تكوُّن الثلج في الغلاف الجوي. يذكر ويلسون وزملاؤه3 أن المواد العضوية الموجودة في الملِّيمترات العليا من مياه المحيط تمتلك الخواص الأساسية الضرورية لتكوين البلورات التي يحتاج إليها الغلاف الجوي لتجمُّد المياه وتكوين السحب الثلجية فيه، وهي العملية التي تُعرف باسم (تنوية الثلج). وقد تساعد هذه النتائج في إعادة تعريف تنبؤات تغيرات المناخ في المستقبل.

يُعتبر تكون الثلج في السحب أمرًا مهمًّا لعمليات الترسيب، لأنه يؤثر على الطقس، وعلى مكان وزمان هطْل المطر، أو سقوط الثلج أو الجليد من السُّحب. وتقوم النماذج المناخية بحساب زمان ومكان السُّحب الثلجية، والترسيب المرتبط بها بصورة جزئية، على أساس أنواع وتركيزات الجسيمات التي يُعتقد أنها موجودة في الغلاف الجوي. فعلى سبيل المثال.. يتحتم أن تنخفض درجة الحرارة إلى ما يقارب 40 درجة مئوية تحت الصفر، وأن تصل درجة الرطوبة -بالنسبة إلى قيمتها التي يمكن أن يتكون فيها الثلج عند درجة الحرارة المعينة- إلى ما يزيد على %100، كي تتجمد المياه في الغلاف الجوي، إذا لم تكن هناك جسيمات يمكن أن تتسبب في عملية تنوية الثلج4,5، إلا أن نوعًا مختلفًا من الجسيمات يستطيع أن يحفز حدوث التجمد، حينما لا يصل الهواء إلى درجة الحرارة أو الرطوبة المذكورة، حيث إنه إذا تماسّت هذه الجسيمات مع قطرات الماء فائقة البرودة، أو غمرت فيها (وهي القطرات التي تم تبريدها بحيث وصلت درجة حرارتها إلى قيمة تقل عن درجات حرارة التجمد المثالية)، أو إذا ما تكثفت المياه على هيئة جسيمات، أو عن طريق الترسب المباشر للثلج من بخار الماء على الجسيمات، قد يحدث التجمد بدرجة أكبر فاعلية (الشكل 1).

تعتمد العملية الأساسية لتكون الثلج في الغلاف الجوي على درجة الحرارة (التي تتغير بتغير الارتفاع)، وعلى الرطوبة النسبية التي يتكون عندها الثلج. وفي سُحُب المستوى المنخفض ذات الأطوار المختلطة (التي تتكون من قطرات الماء، وبعض جسيمات الثلج)، قد يحدث التجمد بدرجة أكبر فعالية، حينما تتماس قطرات الماء فائقة التبريد مع الجسيمات التي تقوم بعملية تنوية الثلج (INPs). وفي السُّحُب الثلجية متوسطة المستوى ذات الأطوار المختلطة، يتكثف بخار الماء على الجسيمات التي تقوم بعملية (تنوية الثلج)، أو تصبح هذه الجسيمات مغمورة بقطرات الماء، وينتج عن ذلك تكوين بلورات الثلج. كما يمكن أن تتكون بلورات الثلج أيضًا حينما يتم غمر هذه الجسيمات في قطرات فائقة التبريد من محاليل (على سبيل المثال: الملح، أو المواد العضوية)، أو عن طريق الترسب المباشر للثلج على هذه الجسيمات، بينما تحتوي السحب الثلجية في المستوى العالي على الثلج الذي يتكون "بصورة متجانسة" حينما تتجمد القطرات فائقة التبريد، أو عندما يتبلر بخار الماء، إذا لم توجد الجسيمات التي تقوم بعملية (تنوية الثلج). يذكر ويلسون وزملاؤه3 أن الجسيمات الناتجة من سطح المحيط تستطيع القيام بعملية تنوية الثلج. (هذا الشكل مأخوذ من المرجعين 4، 5).

كبر الصورة


يقدم ويلسون وزملاؤه أدلة على أن الجسيمات البحرية تستطيع أن تدعم تكوُّن السحب الجليدية في مواضع أو أوقات المحددة من العام، تتضاءل فيها كميات الغبار، بحيث لا تستطيع التسبب في تجميد الثلج بفعالية. ولكي يصلوا إلى هذه النتائج، قام هؤلاء الباحثون بجمع عينات من مياه البحر السطحية باستخدام مجموعة من التقنيات، كما قاموا باستخدام الفحص المجهري بالأشعة السينية؛ كي يتعرفوا على التكوين الكيميائي للمادة العضوية في المياه، ويراقبوا تجمد القطرات (في البحر وفي العينات التي قاموا بالعمل عليها في المختبر).

يؤدي انفجار الفقاعات عند سطح المحيط إلى إدماج المادة العضوية الموجودة في سطح المحيط في الجسيمات التي ترتفع عاليًا إلى الغلاف الجوي، كما أن لهذه الجسيمات دورًا أكبر في تكوين السُّحُب الثلجية عما كان يُعتقد سابقًا، استنادًا إلى حسابات النماذج المناخية. وأوضح ويلسون وزملاؤه أنه عندما يتم تمثيل مقدرة المواد العضوية على تكوين الثلج في النماذج6 التي تقيس تأثيرات جسيمات رذاذ البحر على محاكاة المناخ العالمي، فإن الجسيمات البحرية تسهم بدرجة أكبر في عملية تنوية الثلج في مناطق الارتفاعات العالية التي توجد بها كمية ضئيلة من جسيمات الغبار التي يحملها الهواء، مقارنة بما كان يُعتقد سابقًا. وإذا اتفق وكانت هذه النتائج ممثلة للمواد ذات المنشأ البحري، التي يحملها الهواء في جميع أنحاء العالم، فإن تكوُّن السحب الجليدية في نماذج محاكاة المناخ سوف يتغير بصورة جذرية. تقترح نماذج الباحثين أن هذه التغيرات سوف تكون أكثر وضوحًا عند الارتفاعات العالية التي تحتوي على مساحات قارية ومناطق صحراوية محدودة، مثل شمال المحيط الهادئ، والمحيط الأطلنطي، والمحيط الجنوبي.

ونتيجة لإجراء قدر ضئيل فحسب من القياسات المتعلقة بخواص عملية تنوية الثلج على طبقات سطح المحيط، فإن النموذج الذي استخدمه الباحثون يستنبط الصورة العالمية بالضرورة من عدد محدود من العينات من المياه السطحية للقطب الشمالي، وكذلك شمال المحيطين الهادئ والأطلنطي. ولكي تتم تنقية هذه النتائج، ينبغي أن يتم تحديد الدرجة التي تختلف بها الجسيمات العضوية المأخوذة –على سبيل المثال- من المياه السطحية للمحيط الجنوبي، عن الجسيمات البحرية المأخوذة من خطوط عرض أخرى. كما يمكن أيضًا أن يتم تحسين جودة المحاكاة عن طريق تحديد الدوافع الموسمية، والبيولوجية الكيميائية الحيوية، التي تغير خواص تجمد المادة العضوية البحرية والجسيمات التي تتكون منها. كذلك هناك ثمة حاجة إلى رصد طويل المدى لتقييم الكيفية التي يؤثر بها التباين السنوي في المناخ وتوفر المغذيات في المحيط، على تكون المواد العضوية التي تتسبب في حدوث التجمد.

يمكن أيضًا أن تترتب على النتائج التي توصل إليها ويلسون وزملاؤه آثار على فهمنا للكيفية التي سوف يتغير بها المناخ في العقود القادمة. فعلى سبيل المثال.. مع حدوث الاحتباس الحراري العالمي، قد تضعف وتيرة تكوُّن السحب الجليدية في المناطق ذات الهواء الأكثر دفئًا، الواقعة على مقربة من سطح المحيط، إلا أن الرياح السطحية الأشد يمكن أن تنتج كميات أكبر من الجسيمات البحرية التي تستطيع أن تحفز بدء عملية التجمد. ويمكن أن يلغي هذان العاملان تأثير بعضهما البعض، لكن إذا ما حدث وتناقصت أعداد العوالق النباتية، فإن ذلك يعني أن عددًا أقل من الجسيمات العضوية التي تستطيع تجميد الثلج سوف يتكون، وهو الأمر الذي سوف يؤدي إلى تفاقم انخفاض تكون السحب الثلجية.

تكشف نتائج هؤلاء الباحثون أيضًا عن أن الجسيمات البحرية التي تحتوي على المادة العضوية، كانت جزءًا من الخليط الطبيعي للجسيمات في الغلاف الجوي، التي تسببت في تجمد الثلج في الأوقات السابقة لعصر الصناعة، إلا أن هناك حاجة إلى إجراء أبحاث إضافية؛ للإجابة على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالجسيمات البحرية بصورة عامة: ما هي كميّاتها؟ وما هي نسبة الجزء الذي يستطيع تجميد الثلج منها؟ وما هي الكيفية التي تقوم بها الرياح السطحية، والأنظمة البيئية للمحيط، وحالة البحر بتغيير هاتين الكمّيتين؟

وأخيرًا، نحن لا نعرف سوى النذر اليسير عما يتحكم في حجم وتكوين الجسيمات التي تتكون عند انفجار الفقاعات عند سطح المحيط، لكن فهْم العمليات الفيزيائية الأساسية المشتركة في هذه العملية هو أمر مهم للغاية. توفر لنا القياسات المحدودة والمعايير شبه التجريبية أساسًا تقريبيًّا للنماذج المناخية التي تقوم بحساب توزيع هذه الجسيمات في الغلاف الجوي. كما تقدم الأرصاد التي تتم عن طريق الأقمار الصناعية نوعًا من الحدود لتقديرات توزيع الجسيمات المنقولة عن طريق الهواء في الوقت الحالي، إلا أنه بدون فهْم آليات تكون الجسيمات المحيطية، فإن دقة تأثيرات الجسيمات البحرية على التغير المناخي في الماضي والمستقبل, ودرجة ثقتنا في إسهامها سوف تظل محدودة.

  1. Holland, H. D. The Chemistry of the Atmosphere and Oceans (Wiley, 1978).

  2. Hansell, D. A., Carlson, C. A., Repeta, D. J. & Schlitzer, R. Oceanography 22(4), 202–211 (2009).

  3. Wilson, T. W. et al. Nature 525, 234–238 (2015).

  4. Hoose, C. & Möhler, O. Atmos. Chem. Phys. 12, 9817–9854 (2012).

  5. Wendisch, M. & Brenguier, J.-L. (eds) Airborne Measurements for Environmental Research: Methods and Instruments (Wiley, 2013).

  6. Burrows, S. M., Hoose, C., Pöschl, U. & Lawrence, M. G. Atmos. Chem. Phys. 13, 245–267 (2013).