تأبين

أوليفر ساكْس (2015–1933 )

طبيب الأعصاب الذي قام بزيارات منزلية.

دوي درايزما
  • Published online:

كَتَبَ دانتي ذات مرة أن المرحلة الأخيرة في الحياة تبدو كسفينة تخفض أشرعتها تدريجيًّا في طريقها نحو الميناء. إنها صورة هادئة للغاية، وهي مخالفة تمامًا لما اتسم به العقد الأخير من حياة ساكْس. فلم يمنعه تداعي صحته من إضافة أربعة كتب إلى مجموع كتاباته المدهشة: «الولع بالموسيقى» (Musicophilia (2007، و«عين العقل» (The Mind’s Eye (2010، و«الهلاوس» (Hallucinations (2012. ومنذ أشهر فحسب، نُشر كتابه «على الطريق» On the Move، الذي يُعتبر تتمة صادقة لمذكرات طفولته في كتاب «العم تنجستن» (Uncle Tungsten (2001، بجانب العديد من الكتب التي قاربت على الاكتمال.

Elena Seibert/Corbis Outline


توفي أوليفر وولف ساكْس في مدينة نيويورك في 30 أغسطس الماضي. وقد وُلد في لندن عام 1933، وسط عائلة يهودية كبيرة. عمل والده طبيبًا عامًّا، وعملت والدته طبيبة جراحة، بينما كان أعمامه وعماته مخترعين ومخترعات، وكيميائيين وكيميائيات، وأطباء وطبيبات. فقد أَمَدَّتْه نشأته بإحساس أنه من واجب هذه العائلة أن تكون «علمية». وفي عام 1939، مع بداية الحرب العالمية الثانية، أرسلته أسرته إلى مدرسة داخلية في وسط الأراضي الإنجليزية. قضى ساكْس هناك أربع سنوات مريرة، فقد كان يفضل أن يعيش في خطر مع عائلته، على أن يكون آمنًا بعيدًا عنهم. لقد أخافته تلك التجربة طيلة حياته.. «أن تُرسَل بعيدًا». وهكذا، وضعها بعد 75 عامًا كجملة افتتاحية في كتابه «على الطريق».

اجتمع شمل العائلة ثانيةً في عام 1943. كان ساكْس مولعًا بالكيمياء، وعلى الرغم من اختياره لدراسة الطب في نهاية المطاف، فإن التأمل في الجدول الدوري ظل قادرًا على تهدئته في أوقات الاضطراب. درَس ساكْس في كلية كوينز بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وأصبح مؤهلًا للعمل كطبيب في عام 1958. وقد ترك الولايات المتحدة في بداية الستينات، وبدأ خمس سنوات في التدريب الطبي، الذي تخلَّلته قيادة الدراجات البخارية، والتمرين في الصالات الرياضية، وتجريب الأمفيتامينات، ورفع الأثقال في ماسل بيتش بولاية كاليفورنيا. وعندما قضى فترة في معمل الكيمياء الحيوية، انتهى الأمر بتكرار صدى الكلمات التالية «ساكْس.. أنت خطر على المعمل! لماذا لا تذهب لرؤية بعض المرضى، لتكون أقل ضررًا». وقرر بالفعل أن يفعل ذلك.. ففي عام 1965، تولَّى الاستشارات بمستشفى بيث أبراهام في برونكس بولاية نيويورك.

وقد واجه في عنابر تلك المستشفى حوالي 80 ناجيًا من وباء «التهاب الدماغ السباتي» في العشرينات، إذ وجدهم في حالة شبه متجمدة، على الأرجح في حالة تصلُّب «باركِنْسوني». ونجحت جرعات عالية من عقار L-dopa (الذي يعالِج مرض باركنسون) في «إيقاظهم» من سباتهم، لكنهم ـ حسب تعبيراتهم عما يحبونه ويكرهونه، وعن خبراتهم ـ استيقظوا في حالة عقلية تنتمي إلى 40 عامًا مضت، وفي عالَم لم يَعُد عالَمهم. وأخذ ساكْس ملاحظات من ردود أفعال متنوعة بين مرضاه، مَكَّنَتْه من تحويل ما كان يعتزم أن يكون تجارب إكلينيكية مزدوجة التعمية، إلى سلسلة من تاريخ الحالات، وقد نُشرت ملاحظاته وتجاربه في عام 1973 في كتاب «فترات الصحوة» Awakenings.

أَرْسَل عالِم الأعصاب الروسي ألكسندر لوريا رسالة إلى ساكْس، بعد قراءته لكتاب «فترات الصحوة»، حيث امتدح فيها مهارة ساكْس في الملاحظة والوصف، لأنها ذكَّرته بالتقليد الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وهو أسلوب السرد في الكتابة عن الحالات المَرَضية. وقد كشَف الكِتاب عن الكثير مما يُعَدّ من آثار ساكْس. كما كان عمله هذا موجهًا نحو الحالات المَرَضية، أكثر من توجهه لعموم الناس، واتسم بالوصفية والحميمية، بدلًا من الانفصال. كما أنه كتب كتبًا، ولم يكتب سلسلة من البحوث في دوريات علم الأعصاب. ولهذا.. فقد أضاف توجهًا فريدًا لزيارات الطبيب المنزلية، حيث إنه حاول مقابلة «مرضاه» في بيئتهم الطبيعية. فعلى سبيل المثال.. شاهد جرّاحًا مصابًا بمتلازمة «توريت»، وهو يُجرِي عملية جراحية. كما زار تيمبل جراندين ـ المصابة بالتوحُّد ـ في مكتبها في قسم علوم الحيوان بجامعة ولاية كولورادو في فورت كولينز، وانغمس في عالَم ثقافة الصُّم.

جذب تاريخ الحالات في كتابه «الرجل الذي حسب زوجته قبعة» (The Man who Mistook His Wife for a Hat (1985 جمهورًا عالميًا لساكْس، كما ساعده في إبراز سمعته العلمية. كما تأثر بطبيب الأعصاب الألماني كيرت جولدشتاين، وألهمه التفكير في الأمراض العصبية كتحديات لإيجاد توازن جديد. فالأشخاص يمرون أثناء عملية الاستجابة للإصابة بجرح أو مرض بحالة من التكيُّف، أو إعادة الترتيب، وفي كثير من الأحيان يحدث إيقاظ للقوى الداخلية التي كانت خاملة من قبل. ووفقًا لما ذكره ساكْس، فإن وظيفة الطبيب هي مساعدة مرضاه في ترتيب حياتهم من جديد، بأن يكون حساسًا لتوجُّهاتهم المتغيرة.

وكما أشار ساكْس في كتابه «على الطريق»، فإن نشأته في وقت كانت المثلية الجنسية فيه مدرَجة ضمن الأمراض العقلية في الرابطة الأمريكية للطب النفسي، نَبَّهَتْه إلى العواقب الضارة في بعض الأحيان للتصنيف النفسي. وعوضًا عن حبس الأفراد في «حالة» بعينها، فقد تبنَّى نظرة متفائلة بالتفاته إلى المزايا، بدلًا من أوجه العجز، وأحيانًا ما تتخطى تلك المزايا المرض الأصلي. وفي حالات كثيرة، كان لهذا تأثير شافٍ.. حيث يمكن لأحدهم أن يظل جرّاحًا مع إصابته بمتلازمة «توريت»، أو يمكن أن تكون مصابًا بالتوحُّد، مثل جراندين، وتتخذ مسارًا مهنيًّا في العلوم. فقد فكر ساكْس بعمق من منظور التنوع العصبي ـ فكرة أن الحالات المرضية تنتج عن تنوع طبيعي ـ قبل أن يشيع ذلك المصطلح بين هؤلاء الذين ابتعدوا عن المنظور الطبي لمرض التوحد.

لقد رأى ساكْس نفسه راويًا للقصص، وليس واضعًا للنظريات. وكان كثيرًا ما يقول إنه سيكون سعيدًا بتقديم توثيق الحالات التي قد يتمكن الآخرون من استخدامها لاستنباط نظريات عامة، لكن كل قصة بالطبع تُعتبر نظرية في حد ذاتها. وعلى غرار جولدشتاين، ولوريا مِن قَبْله، كان توثيقه للحالات يدعم نظرية أن المخ ـ كعضو ـ ينبغي فهمه بنظرة شاملة على أنه كيان حي قادر على التكيف والتعويض. وعلى الرغم من أن أوليفر لا يُعَدّ مخترع السرد العصبي، إلا أن نجمه لمع بكل تأكيد، وسيبقى ما تركه آمنًا مستقرًا في قلوب وعقول ملايين من القراء، ولعقود عديدة.

ذات مرة في إحدى المحادثات، ذَكَرْتُ العديد من درجاته الفخرية، وجوائزه، وزمالاته العلمية، لكنه سرعان ما رفع يده مستوقفًا إيّايَ، وقال ببساطة إنه يعتقد أنه كان طبيبًا جيدًا. لقد شعر أن والديه عرفا أنه كان طبيب أعصاب دقيقًا ومتبصرًا. وحتى بعد أن تخطَّى الثمانين من عمره، كان طموحه الأبرز في الحياة أن يكون ابنًا صالحًا.