عمود

تعرَّفْ على شبكة علاقاتك

يرى بيتر فيسك إن تنمية شبكة علاقاتك المهنية هو طريقك إلى التقدم في مجالك.

بيتر فيسك
  • Published online:

يُعتبر بناء شبكة علاقات أحد أهم الأنشطة التي يمكن للباحث أن ينخرط فيها، لكي يطور مساره المهني. وبرغم ذلك.. فإن كثيرًا من العلماء الناشئين يكونون في غاية القلق من القيام بهذا الأمر. فعادة ما يخشى الباحثون المبتدئون مِن أنْ يتطلب بناء شبكة العلاقات الانخراطَ في أحاديث ودِّية مع غرباء، بغرض التقرب منهم، وحضور لقاءات عمل غير رسمية مملة، أو أن ينخرط المرء بشدة في عملية التسويق لكفاءاته ومهاراته، لدرجة قد ترهق حتى أكثر الأشخاص انطلاقًا وانفتاحًا على المجتمع. وأما هؤلاء الذين يشعرون بالخجل، أو الذين لا يتكلمون اللغة الأم، فإن مسألة اضطرارهم إلى الاختلاط والاندماج تبدو حاجزًا لا يمكن التغلب عليه في سبيل نجاحهم المهني.

Gillian Blease/Getty


في الواقع، ينبغي على العلماء المبتدئين أن يدركوا أن بناء شبكة علاقات مهنية عمليةٌ سهلة وممتعة، حيث إن إنشاء قاعدة من الاتصالات والعلاقات لا يتطلب بالضرورة قضاء أوقات كثيرة في لقاءات شخصية، فالسر يكمن في أن تهدف إلى الإبقاء على مستوى ثابت من التفاعل المنتظم مع الآخرين. ولهذا.. فَكِّرْ في الأمر بمنطق عملية المعايرة الكيميائية، وليس بمنطق تأثير التفاعل المتسلسل.

يتلقَّى كل طلبة شهادات الدكتوراة وطلبة دراسات ما بعد الدكتوراة حول العالم تقريبًا رسائل من أساتذتهم، ورؤساء المختبرات، والمعلمين، والمشرفين، تفيد بأن نشراتهم العلمية وسجلات أبحاثهم هي الوسائل الأساسية التي ستمكِّنهم من التقدم في مستقبلهم المهني. وهُم أنفسهم الأشخاص الذين يخبرون أولئك الباحثين أن زملاءهم من المشرفين سيكونون هم المصدر الرئيس للفرص المهنية المقبلة لهم. وقد يؤدي هذا ـ بشكل ضمني، أو صريح ـ إلى تقليل حماس الطلاب الجامعيين، وطلبة ما بعد الدكتوراة للانخراط في أنشطة غير بحثية، خوفًا من أن تؤدي تلك الأنشطة التي تحدث خارج حيز العمل إلى إضعاف إنتاجية المتدرب في المجال البحثي بشكل هامشي. وبالرغم من أن هذه النصيحة تكون عادة مقدَّمة بِنِيَّة سليمة، إلا أنها قد تجعل الباحثين الناشئين يعتقدون أنهم لا يمتلكون شبكة علاقات مهنية مؤثرة خاصة بهم.


دائرة معارف تلو أخرى

كباحث مبتدئ، ربما لا تدرك أن لديك بالفعل حجر الأساس لبناء شبكة علاقات ضخمة وقوية. إن الشبكة المهنية ليست مجرد قائمة من زملائك وأصدقائك، بل هي تشمل كل مَن تعرفهم بشكل مباشر، وهؤلاء الذين تشعر بارتياح بأنْ تطلب منهم العون بسؤال، أو طلب. اعتبر تلك المجموعة هي «نطاق التكافؤ»، أو «الدائرة الأولى» في شبكتك العامرة بأناس تعرفهم عن قرب.

إن كثيرًا من العلماء الناشئين يعتقدون أن الأصدقاء وأفراد العائلة الموجودين في نطاق التكافؤ الخاص بهم من خارج المجال العلمي ليسوا ذوي أهمية في بناء شبكة العلاقات المهنية، لكن الواقع أن الأصدقاء وأفراد العائلة لهم شبكة علاقاتهم الخاصة بهم، التي ربما تحوي قلة من الأفراد، قد يمكنهم مساعدتك في البحث عن وظيفة، أو تطوير مستقبلك المهني. ولأن أصدقاءك وأفراد عائلتك يعرفونك ويهتمون بأمرك، فإنهم غالبًا ما يكونون متحمسين لبذل ما في وسعهم من أجل مساعدتك، بما في ذلك تعريفك بطريقة ودِّية بأي شخص في شبكة علاقاتهم.

Luciano Lozano/Getty

أما «الدائرة الثانية» في شبكة علاقاتك، فهي مكونة من أصدقاء أصدقائك، والمتواصلين معهم، وهي تلعب دورًا هائلًا في تعزيز تقدُّمك وتطورك المهني. ويرجع ذلك إلى وجود عدد كبير من الأشخاص المندرجين تحت هذه الدائرة. فإذا كانت دائرة شبكة علاقاتك المباشرة عددها 150 شخصًا من هؤلاء الذين تشعر نحوهم بالارتياح بأنْ تطلب منهم مساعدة بشكل مباشر، وكان كل من هؤلاء الأشخاص لديه شبكة من العلاقات ذات حجم مماثل لشبكة علاقاتك، فإن لديك من الناحية النظرية «نطاق تواصل» في شبكتك يُقَدَّر بعدد 22,500 شخص. وعلى أقل تقدير.. سيوجد بينهم عدد قليل في مناصب ومهن قد تجعلهم مصدرًا هائلًا لمساعدتك.

إن أهمية تلك الدائرة الثانية هي ما يجعل شبكات التواصل الاجتماعي ـ مثل شبكة «فيس بوك»، وشبكة «لِينْكِد إن» ـ ذات قيمة كبيرة، حيث إن تلك الشبكات تمكِّنك من التعرف على الموجودين في تلك الدائرة، فأنت تعرف أصدقاءك الشخصيين، ومَن هم على صلة بك، ولكن ليس لديك وسيلة لمعرفة أصدقاء أصدقائك ومعارفهم، فقد كان عليك قبل مباشرة مواقع مثل شبكة «لينكد إن»، أن تسأل كل أصدقائك ـ بشكل مباشر ـ عما إذا كانوا يعرفون شخصًا معينًا يعمل في مؤسسة بعينها، أم لا. أما الآن، فبإمكانك رؤية روابط هؤلاء المعارف على تلك الشبكات بنفسك. وبالطبع يتطلب القيام بهذا العمل أولًا أن تنشئ صفحتك الشخصية على هذه المواقع (انظر: go.nature.com/znl2ea).

إن الأبحاث1، بما فيها الدراسات التي تَستخدم بيانات مأخوذة من تلك المواقع وغيرها من مواقع شبكات التواصل الاجتماعي2، تشير إلى أنه بالرغم من وجود عدد ضخم في «الدائرة الثالثة» لشبكة علاقاتك، وهم أصدقاء أصدقاء أصدقائك، إلا أن الانتفاع بهم في مجالك المهني محدود، حيث إن أفراد الدائرة الثالثة ليسوا على اتصال شخصي بك، ولذا.. فهم ليسوا ميَّالين إلى مساعدتك. فإذا أردت أن تتواصل مع شخص في الدائرة الثالثة، فعليك أن ترسخ علاقتك بالشخص الذي ينتمي إلى الدائرة الثانية أولًا، الذي يكون بدوره هو الشخص الرابط بينكما. وعمليًّا.. فإنك بذلك تنقل ذلك الشخص من كونه (مجرد معرفة) في الدائرة الثانية إلى صديق في الدائرة الأولى. والسؤال الآن.. كيف يمكنك القيام بذلك؟ قم بإنشاء علاقة مع هذا الشخص عن طريق المراسلة، أو عن طريق مقابلته بصورة شخصية إنْ أمكن. وفي هذه الحالة، قد يكون قيامك بمقابلة شخصية معه، للتعرف عليه عن قرب، أمرًا ذا تأثير جيد.


اعتنِ بشبكة علاقاتك

إنّ تطوير شبكة علاقات مهنية لا يحل مشكلة احتياجات شبكة علاقاتك المهنية تلقائيًّا، بل يجب عليك إدارة شبكة علاقاتك بطريقة فعالة، وتنميتها، سواء أكان حجمها صغيرًا، أم كبيرًا. وعلى الباحثين المبتدئين أن يتذكروا أن شبكات علاقاتهم المهنية ما هي إلا مجموعة علاقات شخصية، وأن العلاقات الشخصية تزدهر بقليل من الاهتمام. يقوم بعض الناس بإرسال آخِر مستجداتهم إلى أعضاء شبكتهم بصفة دورية (التي اعتدنا تسميتها في الماضي بالرسائل)، والبعض الآخر يشارك تلك المستجدات على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يفضل آخرون الحفاظ على شبكة علاقاتهم والاعتناء بها عن طريق الاتصال يوميًّا بشخص لم يتحدث إليه منذ فترة، حيث إن استراتيجية (التعمق في مقابل التوسع) قد تساعدك على الإلمام بالأخبار، والتطورات، والخيوط.

«إن درجة المساعدة التي تقدمها إلى الآخرين غالبًا ما تكون مرتبطة بمقدار المساعدة التي تتلقاها أنت».

وشبكة العلاقات ليست بالطبع مجموعة من العلاقات التي يجب الاعتناء بها فحسب، ولكنها أداة موجهة وقوية، يتم استخدامها أثناء البحث عن وظيفة، وطوال فترة حياتك المهنية.. فعندما يتناهى إلى علمك وجود فرصة عمل مناسبة في مكان ما، يمكنك أن تطلب من أحد أفراد الدائرة الأولى في شبكتك أن يقوم بتقديمك شخصيًّا إلى شخص ما يعرفه في هذه المؤسسة. وإذا كنت تبحث عن فرصة عمل لدى مؤسسة، أو معهد، أو شركة لم تقم بالإعلان بصورة واضحة عن وجود فرصة عمل متاحة، فيمكنك الوصول مباشرة إلى شخص ما في الدائرة الثانية يعمل هناك، وتستفسر منه ـ أو منها ـ عن صاحب العمل، بل والأفضل من ذلك أن تقوم بعقد مقابلة شخصية تعريفية مع ذلك الشخص، فاللقاء الشخصي عادة ما يؤدي إلى نتائج أفضل من التواصل عبر الإنترنت، أو حتى عبر الهاتف.

ربما تتردد عند قيامك بطلب خدمات كثيرة من معارفك من أعضاء شبكة علاقاتك، ولكن إذا شعرت بخجل عند طلب المساعدة، أو خشيت أن يشعر أحدهم بالاستياء من جراء سؤالك هذا، فعليك أن تنسى الأمر برمته. فعادة ما يصاب أحد أعضاء شبكة علاقاتك بالإحباط، إذا علم أنه قد ضيع فرصة مساعدتك، لأنك لم تستطع التواصل معه. وتذكر أن شبكة علاقاتك تعمل في اتجاهين: الاتجاه الأول هو أن درجة المساعدة التي تقدمها للآخرين غالبًا ما تكون مرتبطة بمقدار المساعدة التي تتلقاها أنت. والاتجاه الثاني هو أن شبكتك تصبح أقوى من خلال المساعدة التي تقدمها أنت لأفرادها. وتعتبر شبكة العلاقات المتشعبة المُعْتَنَى بها واحدة من أكثر الأدوات القيِّمة بالنسبة إلى المتخصصين في عالم الاقتصاد اليوم. فهؤلاء الذين يستثمرون في كل من عملهم وعلاقاتهم سوف يحصدون أكبر عدد من الفرص.

  1. Travers, J. & Milgram, S. Sociometry 32, 425443 (1969).

  2. Kietzmann, J. H., Hermkens, K., McCarthy, I. P. & Silvestre, B. S. Bus. Horizons 54, 241251 (2011).