عمود

ميـزانيــــة الحلـم

ترى مديرة إدارة المِنَح إنجريد أيزنشتاتر أن العامل الرئيس في صياغة طلب منحة يتميز بالقوة يتمثل في عرض تفصيلي ومُحْكَم للنفقات.

إنجريد أيزنشتاتر
  • Published online:

Luciano Lozano/Getty


بِحُكْم عملي كمديرة للمِنَح في مؤسسة عائلية صغيرة، ظلت تقدم الدعم للبحوث على مدار أكثر من نصف قرن، يمتلئ صندوق رسائلي عدة مرات سنويًّا بطلبات للمنح، يرسلها علماء ينشدون الدعم والمساندة في عملهم. ويُعَدّ مكتبي هو الخطوة الأولى في عملية تحديد مصير طلبات التمويل تلك. وعادةً أبدأ بقراءة عنوان المقترَح البحثي، والملخص التمهيدي؛ لتحديد مدى أهميته، ثم أنتقل بعد ذلك إلى الجزء الخاص بالميزانية.

أول ما أقرأ عادةً هو السطر الأخير، فإذا كانت الميزانية الإجمالية للطلب تقع في نطاق إمكانياتنا، أمرر عيني سريعًا على بقية الطلب لرصد أي مؤشرات تنذر بمشكلة محتملة. فعلى سبيل المثال.. لدينا سقف معين فيما يخص الطلبات التي تتضمن نفقات عامة غير مباشرة، فنحن لا ندعم طلبات التشغيل، أو المقترحات البحثية التي تسعى في الأساس نحو الحصول على معدّات. لذا.. لا أعود إلى المقترَح البحثي ذاته، إلا بعد التأكد تمامًا من خلو الطلب من أي مشكلات تتعلق بالميزانية.

عند قيامك بوضع ميزانية لمشروع بحثي، من المهم أن تعرف الحد الأقصى للتمويل المخصص للمِنَح، الذي تقدمه المؤسسة التي تتقدم إليها بطلبك. فإذا طلبتَ مبلغًا يتجاوز ذلك الحد بكثير؛ يمكن للجهة المانحة أن ترفض طلبك تمامًا لذلك السبب وحده. وهناك مؤسسات تتفادى نشر رقم محدد لتلك الميزانية، كي تمنع المتقدمين إليها من طلب ذلك الرقم، كرَدّ فعل عكسي. إذًا، كيف يمكنك اكتشافه؟ في الولايات المتحدة يتيح مركز «فاونديشن» ـ وهو بمثابة قاعدة بيانات قومية تخدم طالبي المنح ـ إمكانية الاطلاع على الإقرار الضريبي «النموذج 990» المطلوب من جميع المؤسسات تقديمه إلى الحكومة الفيدرالية (انظر: go.nature.com/panexz). وتكشف تلك الإقرارات عن معدل المنح التي تمنحها كل مؤسسة كل عام. وينبغي عليك أيضًا إلقاء نظرة على المواقع الإلكترونية الخاصة بالمانحين، فمعظمهم لا ينشر نماذج 990 المذكورة الخاصة به، ولكن البعض لديه تقارير سنوية أو مواقع إلكترونية تحتوي على عناوين المشروعات، أو المتلقِّين للمنح، إلى جانب المخصصات المالية لكل منحة. ولتأخذ حذرك مِن أنه حين يطَّلِع المانحون على ميزانيتك ليجدوها قد بلغت ـ على سبيل المثال ـ 25 ألفًا، أو 50 ألفًا بالضبط؛ فسيعتقد الكثيرون أنك قمت بالتحايل في بعض جوانب الميزانية؛ لتصل إلى ذلك الرقم المحدد. لذا.. عليك أن تعدّ الميزانية بحذر.


رغم أن كثير من المانحين لا يذكرون أنهم يريدون من الطالب إدماج قسم خاص لشرح ميزانية مشروعه، إلا أنه من الحكمة أن يحتوي طلبك على هذا الجزء، الذي يتضمن شرحًا تفصيليًّا لنفقات المشروع. وعادةً ما يكون إدراج بضع جمل لتناول كل بند من بنود الإنفاق أمرًا كافيًا. كذلك ضع في ذهنك أن المؤسسة المقدَّم إليها المقترح البحثي الخاص بك قد لا يكون مُقيِّموها على دراية جيدة بتخصصك، فيجب عليك أن تكتب شرح الميزانية في طلبك بلغة واضحة، يفهمها أي شخص عادي.

من الجيد أن تبدأ بالقسم الخاص بالرواتب.. فغالبًا ما نتلقى طلبًا يتضمن راتب شهر أو شهرين لمشروعات سوف تستغرق عامًا كاملًا. وعليك أن تشرح ذلك وتفسره. فعلى سبيل المثال.. أحد الأسباب الشائعة للتباين الظاهري هي أن الباحثين الرئيسين يخصصون جزءًا فقط من وقتهم على مدار العام للمشروعات المقترحة، وذلك حتى يغطي الطلب %100 من دعم الرواتب لذلك العمل. وفي أمثلة أخرى، ربما تقوم المؤسسات بدفع رواتب الباحثين العاملين لديها أثناء العام الدراسي، وتنتظر منهم تدبير الأموال اللازمة لرواتبهم في أشهر الصيف فحسب. ومهما كانت الأسباب، فإنك بحاجة إلى التوضيح.. فإذا كنتَ بصدد طلب راتب، أو مكافأة، من أجل المساعدين من غير الخريجين، أو طلاب الدكتوراة، فيجب عليك أن تدرج في ميزانيتك معدلًا بالساعة، أو باليوم، أو بالنسبة المئوية للوقت الذي سيخصصونه للمشروع، بحيث يفهم المانحون الالتزام الزمني المطلوب منهم تمويله بدقة.

وإذا كان مطلوبًا منك سداد مقابل للتجهيزات أو الاختبارات، فعليك تحديدها، وشرح كيفية استخدامها. ويَسْري هذا الأمر نفسه على القسم الخاص بالمعدات، فاشْرحْ إذًا لماذا تحتاج إلى آلة تفريخ جديدة، أو كيف ستستخدم المجفِّف، أو الطارد المركزي، أو معدات التصوير. فإذا كنتَ بصدد شراء معدّات سوف تدوم لما بعد الانتهاء من مشروعك البحثي، فعليك أن تفكر في تقديم شرح موجز لكيفية استخدامك لتلك المعدّات في المستقبل، بحيث تدرك المؤسسة الفوائد الدائمة للاستثمار طويل الأجل الذي أسهمَت فيه. أما إذا كنت تطلب دعمًا للغذاء والمأوى في السفر، فقم بوضع قائمة بالمصروفات اليومية، توضح المبلغ الإجمالي المطلوب.

عندما تغفل عن تقديم هذا الشرح، فإنك تطلب من المُقيِّمين البحث والتنقيب في متن مقترحك البحثي عن التفاصيل الخاصة بكل بند من بنود الميزانية، وهذا أمر ليس في صالحك.


من المهم كذلك اكتشاف ما إذا كانت للمؤسسة متطلبات وشروط محددة في القسم المخصص للميزانية في أوراق الطلبات، فينبغي مراعاتها بصرامة إنْ وُجدت. ويفعل كثير من المانحين ذلك، كما يقومون عادةً بنشر تلك المعلومات على مواقعهم الإلكترونية، جنبًا إلى جنب مع التوجيهات والإرشادات الخاصة بتقديم الطلبات، التي ستخبرك بما إذا كان يمكنك ـ على سبيل المثال ـ شراء معدّات، أو الإنفاق على مساعدين من الطلاب، أو طلب أموال لرسوم نشر المقالات المرتبطة أو غير المرتبطة بعملك في الدوريات العلمية. وتقوم الجهات المانحة أيضًا بتحديد ما إذا كان هناك سقف للنفقات العامة غير المباشرة، أم لا. وفي ضوء مواردنا المحدودة كجهة مانحة، فإننا نريد تمويل البحوث ذاتها، وليس الأمور الاستهلاكية، ومصروفات الإدارة. ومن ثم، إذا قدمت مؤسسة ما طلبًا يقترح إضافة نسبة 50 - %70، أو ربما أكثر، إلى المبلغ النهائي في شكل نفقات عامة، يمكن أن يمثل ذلك مشكلة.

سوف تخبرك أيضًا القواعد الخاصة بالميزانية بما إذا كان في إمكانك أن تطلب دعمًا تشغيليًّا عامًّا، أم تمويلًا محددًا متعلقًا بالمشروع فقط، وما إذا كانت الجهة المانحة سوف تقدم منحًا إضافية لسنوات متعددة، أم لا. وعليك اكتشاف ذلك قبل أن تبدأ في وضع ميزانيتك، وإذا لم تحصل على إجابات عن أسئلتك من على الموقع الإلكتروني، عليك إرسال رسالة بالبريد الإلكتروني إلى المؤسسة، طلبًا للتوضيح؛ فليس هناك ما يثير الاستغراب في تلك الاستفسارات.

وفي حقيقة الأمر، غالبية طلبات التمويل التي نتلقاها تطلب الحد الأقصى من التمويل الذي نمنحه. وقد أخبرني كثير من العاملين في مؤسسات مانحة أخرى بالأمر ذاته؛ فجميعنا يعاني من المشكلة نفسها. وفي غالبية الأحيان نجد هذا الارتفاع في قسم الميزانية الخاص بالرواتب.


عيِّنات من الرواتب

تلقينا مؤخرًا طلبًا عبر البريد الإلكتروني بمبلغ 14,550 دولارًا أمريكيًّا، يخصص أكثر من نصفه للرواتب. ورغم ذلك.. حين وصلت إلينا النسخة الورقية من هذا المقترح البحثي، بدا كما لو أن مقدم الطلب قد اطلع على نموذج 990 الخاص بنا، حيث زاد المبلغ المخصص للرواتب بنسبة تتجاوز الضعف، مما يشير إلى إحداث تغييرات على الطلب. كما أضاف مقدم الطلب ما يعادل شهورًا زائدة من الدعم، فارتفع إجمالي المبلغ المطلوب إلى 24,550 دولارًا أمريكيًّا.

تلقينا كذلك مقترحًا بحثيًّا، أوضح فيه الباحث الرئيس أنه قد طلب من مموِّل آخر مبلغ 15,000 دولار، إضافة إلى مبلغ 25,000 دولار الذي كان يطلبه منّا. فطلبت حينها إلقاء نظرة على تلك الميزانية الثانية، لأجد أن الباحث في الواقع سيحتاج إلى مبلغ إضافي، قدره 1,700 دولار أمريكي، لو تلقَّى المنحة الأصغر فقط، بمعنى أن ذلك البحث التمهيدي كان يكفيه ميزانية إجمالية قدرها 16,700 دولار فقط للمضي قدمًا، إذا استبعدنا أي دعم للرواتب. وبذلك.. كان على الباحث تصغير حجم مشروعه، برغم أن إتمام ذلك المشروع بنجاح كان من شأنه إتاحة الفرصة له للتقدم بطلب للحصول على تمويل حكومي أو فيدرالي أكبر.

على الرغم من أن هذين الباحثين كان يجب عليهما توضيح موقفهما، لم أعتبِر أيًّا من الحالتين بمثابة نوع من الخداع (فقد قمنا بتمويل أحدهما بالفعل). إن استخدام طالب المنحة لقسم الرواتب لزيادة مبلغ المنحة الكلي يُعَدّ أمرًا مفهومًا، وإن لم يكن موضع ترحيب من الجهة المانحة. إن المِنَح الضخمة تعلّي من شأن الباحث الحاصل عليها، كما تطلب بالفعل بعض المؤسسات موظفين للحصول على دعم إضافي للرواتب.

«إذا احتوى طلب المنحة على ما يثير الإعجاب ـ فكرة جديدة مثلًا، وبروتوكول مدروس ـ يمكن أن يقنعنا».

يجب عليك إذًا زيارة مكتب التطوير الخاص بك في مرحلة إعداد الميزانية، والتحدث إلى موظفيه، لمعرفة ما يتوقعونه منك، فإن غالبية الجامعات والمنظمات غير الحكومية مستعدة لخفض متطلباتها العامة، من أجل الالتزام بالتوجيهات الخاصة بالمؤسسات. وغالبًا ما نرى ميزانيات تقوم فيها المؤسسة الأم بمنح مبالغ مماثلة؛ لتمكين باحثيها من الاستمرار ضمن الفئات المستحقة للدعم المقدَّم منّا. وإذا كان الوضع كذلك، فلتفكر في إضافة تلك المعلومات إلى أوراق الميزانية الخاصة بك في عمود يحمل عنوان «أموال مماثلة»، أو «مصادر أخرى»، لبيان أن طلبك يدعمه إسهام في الرواتب والفوائد الإضافية والنفقات العامة، أو أي دعم آخر ترغب مؤسستك في تقديمه.

قد ترغب أيضًا في إدراج عمود إلى مصادر أخرى عندما تكون بصدد التقدم بالمشروع نفسه لاثنين من المانحين، أو أكثر. وهنا يكون من المهم أن توضح في القسم الخاص بشرح الميزانية ما إذا كانت الأموال القادمة من تلك المصادر في متناول يدك بالفعل، أم لا (انظر: «اشرح ميزانيتك»). وإذا لم تكن تلك الأموال متاحة، ينبغي عليك توضيح ما إذا كان المشروع سيمضي قدمًا رغم ذلك، أم لا، أو ربما يستمر على نطاق أصغر، إذا أحجمت المؤسسات الأخرى عن الإسهام. وعليك أن توضح في طلبك متى سوف تصلك معلومات بشأن التمويلات الأخرى، فعنصر الوقت مهم، لأن المانح سوف يتردد في تحرير «شيك بنكي» لك، إذا كان مشروعك عرضة لخطر التوقف في منتصف الطريق، نتيجة لغياب ذلك الدعم.

إن الميزانية التي تتضمن قدرًا كبيرًا للغاية من البيانات أفضل بكثير من تلك الفقيرة في معلوماتها. وقد وجدت على مكتبي مؤخرًا مقترحًا بحثيًّا، قدَّمَته باحثة رئيسة كانت ترغب في السفر إلى أمريكا الجنوبية بصحبة كلبها. وأضاف ذلك إلى ميزانيتها فعليًّا 13 بندًا، تتراوح ما بين 30 دولارًا مقابل طوق للكلب يحمي من البراغيث، وحشرات القراد، و400 دولار مقابل تذكرة الطائرة للكلب. أوضحت الباحثة أن كلبها ليس مجرد رفيقها في السفر، وإنما هو أيضًا مدرَّب تدريبًا جيدًا على اكتشاف فضلات الحيوانات، وهي عملية ضرورية لبحثها القائم على الأنواع المتعددة من الحيوانات. وقد قمنا بتمويل هذا الفريق البحثي بالفعل.

إذا احتوى طلب المنحة على ما يثير الإعجاب ـ فكرة جديدة مثلًا، وبروتوكول مدروس ـ يمكن أن يقنعنا بالتعاون مع الباحث؛ لاختصار الطلب، بحيث يناسب مواردنا بشكل أفضل، بل يمكننا حتى أن نوافق على تحرير «شيك بنكي» بقيمة أكبر من المعتاد.