أخبار

مواد فائقة التوصيل تثير موجة في الفيزياء

يسعى الباحثون سعيًا حثيثًا، لإعادة إنتاج مواد معدومة المقاومة، وفَهْم خواصها جيدًا، بحيث تعمل عند درجات حرارة مرتفعة بشكل قياسي.

إدوين كارتليدج
  • Published online:

يستطيع مركّب كبريتيد الهيدروجين ـ وهو المركّب ذو رائحة البيض الفاسد ـ أن يوصل الكهرباء دون أي مقاومة، وهذا في درجة حرارة مرتفعة قياسية تبلغ 203 كلفن (-70 درجة مئوية)، وفقًا لبحث1 نشرته دورية Nature في 17 أغسطس الماضي. ويُعَدّ هذا العمل خطوة في اتجاه اكتشاف الناقل فائق التوصيل في درجة حرارة الغرفة الذي طال البحث عنه. وقد نُشرت النتائج الأولية على خادم الحاسب في مرحلة ما قبل الطباعة، المسمى arXiv، في شهر ديسمبر2 الماضي، ثم أُلحقت بمزيد من التفاصيل في شهر يونيو3. وقد أثار كلا التقريرين موجة من الحسابات والتجارب اللاحقة، ناهيك عن الإثارة التي نجمت عنهما.

يُعتبر هذا الاكتشاف «تاريخيًّا»، حسب تعبير الفيزيائي فان تشانج من جامعة تكساس في دالاس، مضيفًا بأن تأثيره سيكون طويل المدى، حيث يمكن للمواد فائقة التوصيل، التي تعمل في درجة حرارة الغرفة أن تحسِّن من توليد الكهرباء ونقلها، كما يمكنها أن تعزز الاستخدامات الحالية للتوصيل الفائق ـ على سبيل المثال ـ في المغناطيسات الضخمة المستخدمة في أجهزة التصوير الطبية. وفي المقال4 المنشور في قسم «أخبار وآراء»، المُرافق لبحث دورية Nature، المنشور على الإنترنت، يتحدث إيجور مازن، الذي يعمل في مختبر نافال البحثي في واشنطن، واصفًا هذه النتائج بأنها «أفضل ما يمكن بلوغه في مجال المواد فائقة التوصيل».

تُعَدّ هذه النتائج خلاصة أبحاث ميخائيل إرميتس، وألكسندر دروزدوف، وزملائهما في معهد ماكس بلانك للكيمياء في ماينز بألمانيا، حيث وجد هؤلاء أن تعريض عينات من كبريتيد الهيدروجين لضغط عال جدًّا ـ قرابة 1.5 مليون وحدة ضغط جوي (150 جيجا باسكال) ـ وتبريدها إلى ما دون درجة حرارة 230 كلفنًا، يؤدي إلى أن تُظهر تلك العينات العلامات المميزة الكلاسيكية للتوصيل الفائق، وهي: مقاومة كهربائية تبلغ صفرًا، إضافة إلى الظاهرة التي تُعرف بظاهرة «مايسنر»، التي تكون المادة فيها ضمن مجال مغناطيسي خارجي، دون وجود مجال مغناطيسي داخل العينة نفسها، على عكس المواد الطبيعية.


تحدِّيات التوافق

أبدى علماء آخرون اهتمامًا بالغًا بهذه النتائج، لأنها تحققت دون اللجوء إلى مواد دخيلة، مثل المركّبات التي تحتوي على عنصر النحاس، والتي يُطلق عليها النحاسات، حسب قول الفيزيائي كرستوفر هيل، من جامعة جراتس للتكنولوجيا في النمسا، حيث إنه حتى الآن حافظت هذه المركّبات فائقة التوصيل على الرقم القياسي لأعلى درجة حرارة توصيل فائق، وهي -133 كلفنًا (-140 درجة مئوية) عند ضغط الهواء المحيط، أما عند الضغط العالي، فكانت درجة الحرارة قيمتها 164 كلفنًا (-109 درجة مئوية).

افترض العديد من العلماء أن التوصيل الفائق عند درجات حرارة أعلى من عشرات الدرجات من وحدة كلفن يتطلب مواد مشابهة، ولكن هيل يعتقد أن كبريتيد الهيدروجين المضغوط يبدو ناقلًا فائقًا ملائمًا؛ حيث إن الاهتزازات في الشبكة البلورية للمادة تقود الإلكترونات إلى تكوين «أزواج نحاسية» قادرة على الانسياب في الشبكة البلورية، دون مقاومة. وقد سجَّل ماتيو كالاندرا وزملاؤه من جامعة بيير وماري كوري في باريس ـ استنادًا إلى حساباتهم المنشورة في إبريل5 الماضي ـ أن هذه النتائج يمكن تفسيرها باستخدام نماذج معدَّلة من النظرية التقليدية للتوصيل الفائق في درجات الحرارة المنخفضة. وهذه النماذج مبنية على الاهتزاز الشبكي.

ورغم هذا.. اعتبر آخرون أن هذه التحليلات النظرية استفاضة غير ضرورية، إلى حين إثبات تجارب إيرمست وزملائه بواسطة فريق آخر مستقل، وهو ما يسعى كثيرون الآن لتحقيقه، ومنهم كاتسويا شيميزو وزملاؤه من جامعة أوساكا في اليابان، حيث لاحظوا فقدان المقاومة في كبريتيد الهيدروجين المضغوط، إلا أنهم لم يتمكنوا بعد من رصد ظاهرة «مايسنر». وفي غضون ذلك.. تواصلت دورية Nature مع ثلاث فَِرق صينية وفريق أمريكي، أكدوا جميعًا عدم تمكُّنهم حتى الآن من إثبات أيٍّ من التأثيرات الكهربائية، أو المغناطيسية.

إذا تم إثبات صحة نتائج إرمست وزملائه، فإن مركّبات أخرى تحتوي على الهيدروجين مع عناصر أخرى، مثل البلاتينيوم، أو البوتاسيوم، أو السلينيوم، أو التيليريوم، بدلًا من الكبريت، قد تكون مركّبات جيدة، قابلة للتوصيل الفائق عند الحرارة المرتفعة، وذلك حسب عدة فرق بحثية. وعلى صعيد آخر.. توقَّع تشانج من دالاس، ويوجي ياو من معهد بكين للتكنولوجيا في الصين6، أن استبدال نسبة %7.5 من ذرات الكبريت في كبريتيد الهيدروجين بذرات فوسفور، مع رفع الضغط إلى 2.5 مليون وحدة ضغط جوي، يمكن أن يزيد درجة حرارة نقل المواد فائقة التوصيل حتى 280 كلفنًا، وهي درجة تفوق درجة حرارة تجمُّد الماء.

  1. Drozdov, A. P., Eremets, M. I., Troyan, I. A., Ksenofontov, V. & Shylin, S. I. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature14964 (2015).

  2. Drozdov, A. P., Eremets, M. I. & Troyan, I. A. Preprint at http://arxiv.org/abs/1412.0460 (2014).

  3. Drozdov, A. P., Eremets, M. I., Troyan, I. A., Ksenofontov, V. & Shylin, S. I. Preprint at http://arxiv.org/abs/1506.08190 (2015).

  4. Mazin, I. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature15203 (2015).

  5. Errea, I. et al. Phys. Rev. Lett. 114, 157004 (2015).

  6. Ge, Y., Zhang, F. & Yao, Y. Preprint at http://arxiv.org/abs/1507.08525 (2015).