أنباء وآراء

علم المواد: الإحلال في الشبكيات الفائقة

ما الذي سيحدث إذا حلَّت محل بعض الجسيمات من الشبكيات الفائقة ـ وهي مصفوفة من البلورات المتماثلة على مقياس النانو ـ جسيمات أخرى غريبة؟ لقد ظهر أن خواص الشبكيات الفائقة يمكن أن تتغير جذريًّا بهذه الطريقة.

دانيال فانماكلبيرج
  • Published online:

أَعَدَّ الباحثون بعض المواد الصلبة، تتكون من مصفوفات مرتبة من جسيمات بمقياس النانومتر على مدى عقدين من الزمان. وقياسًا على الشبكيات الذَّرِّية، يمكن أن يؤدي دمج آثار من بلورات نانوية معينة في هذه الشبكيات الفائقة إلى إتاحة الفرصة للتحكم في تصميم خواص المواد. فقد سجَّل كارجنلو وزملاؤه1 تكوُّن شبكيات فائقة رقيقة الأغشية ثنائية الأبعاد من البلورات النانوية من مركّب سـيلينيد الكادمـيـوم CdSe، أو سـيلينيد الرصاص PbSe، حيث تتعرض لإحلال بواسطة الجسيمات النانوية من الذهب، أو سبائك الذهب-الفضة، حيث تم دمج كميات ملائمة من هذه الجسيمات النانوية، بحيث تشغل مواضع شبكية في المادة المضيفة. ووجد الباحثون أن هذا في الواقع يغيِّر من خواص الشبكية الفائقة على نحو قد يكون مفيدًا.

يُعتبر إقحام ذرّات غريبة في الشبكيات الذرية للمواد المضيفة خطوة أساسية في تصنيع المواد المستخدَمة في تقنيات الاتصالات، والأجهزة الإلكترونية البصرية، والبناء. ومن الأمثلة التقليدية على ذلك.. إضافة الزرنيخ، أو الفوسفور إلى بلورات السيليكون، حيث تقوم كل ذَرَّة مُدمَجة في البلورات بتكوين 4 روابط مع ذرات السيليكون المجاورة، ومن ثم تمنح إلكترون التكافؤ المتبقي لنطاق توصيل السيليكون. وهذا يحوِّل السيليكون من عازل للكهرباء إلى شبه الموصل الأكثر استخدامًا، غير أنه لم يتم التحري بعد عن التأثير المماثل للإحلال في الشبكيات الفائقة.

ظهرت الشبكيات الفائقة للبلورات النانوية بعد فترة قصيرة من اكتشاف2 إمكانية استخدام التصنيع الكيميائي في إنتاج معلقات من البلورات النانوية في المواد المذيبة، بحيث تكون البلورات النانوية جميعها ذات أبعاد وأشكال متساوية. ويمكن أن تتكون الشبكيات الفائقة من هذه المعلقات، عبر التبلور المستحث بواسطة تبخُّر المادة المذيبة تحت شروط خاضعة للتحكم3. وقد قام كارجنلو وزملاؤه بخلط محلول من مركب CdSe (أو PbSe) مع البلورات النانوية للذهب في مركّب الهكسان، ومن ثم صَبّها على سائل عديم الامتزاج (إيثيلين جليكول)، حيث يعمل كطبقة سفلية يمكن أن تتكون عليها الشبكيات الفائقة. وبهذه الطريقة استطاعوا تحضير طبقات أحادية، وثنائية، وأغشية رقيقة من البلورات النانوية، على شكل مصفوفات مرتبة ومنظمة بشكل مذهل على مدى مئات وآلاف الوحدات الخلوية (الوحدة الأصغر للشبكيات البلورية).

وباستخدام تحليل إحصائي دقيق، أوضح الباحثون كيف تشغل البلورات النانوية المُدمجة للذهب مواقع عشوائية في الشبكيات الفائقة، علمًا بأن هذه البلورات لها أبعاد مماثلة لأبعاد البلورات النانوية للمادة المضيفة (الشكل-1 أ). يُعتبر احتمال أن يشغل جسيم الذهب أيًّا من مواضع الشبكية احتمالًا ثابتًا، إذ يُحدَّد بنسبة عدد جسيمات الذهب، وشبه الموصل في المحلول المعلَّق الذي صُنعت منه الشبكيات الفائقة. ويؤدي شغل الجسيمات العشوائي للمواضع في الشبكية إلى توزيع متجانس متوسط للجسيمات عبر الشبكيات الفائقة (مشابه للذرّات المُدمجة في بلورات السيليكون)، وهو ما يسمح بزيادة تركيز الجسيمات المُدمجة تدريجيًّا، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير بِنْيَة شبكية المضيف.

الشبكيات الفائقة هي بمثابة مصفوفات من الجسيمات بمقياس النانو. وعندما يتم استبدال جسيمات خارجية "مُدمجة" بجسيمات قليلة، يمكن الحصول على ترتيبات بنيوية مختلفة. أ، سجَّل كارجنلو وزملاؤه1 إحلال بلورات نانوية من الذهب في شبكيات فائقة من مركّب سـيلينيد الكادمـيـوم CdSe ـ مع حدوث استبدال عشوائي لجسيمات المادة المُدمجة بجسيمات المضيف ـ عندما تتشابه أبعاد البلورات النانوية للذهب مع أبعاد جسيمات مركّب CdSe. ب، لاحظ الباحثون أيضًا حدوث عزل الطور (تجمُّع الأنواع المختلفة من الجسيمات، كل على حدة) عندما تختلف أبعاد جسيمات الذهب المُدمجة عن أبعاد جسيمات مركّب CdSe. جـ، يمكن للجسيمات ذات الأبعاد المختلفة أيضًا أن تشكِّل شبكيات فائقة ثنائية، وهي بِنْيَة بلورية مُعرَّفة جيدًا، تتكون من شبكيتين، يشغل فيهما كلا نوعي البلورات النانوية مواضع محددة، ولكن لم تتشكل شبكات ثنائية في نظام الباحثين.

كبر الصورة


لا يُعتبر الحصول على شبكيات مشغولة عشوائيًّا بالجسيمات إنجازًا تافهًا على الإطلاق، لأنه يمكن الحصول على نمطين آخرين مختلفين من بِنَى المواد. النمط الأول يمكن الحصول عليه من جرّاء عزل الطور، أي تشكُّل مصفوفات منفصلة من البلورات النانوية لمادة المضيف والمادة المُدمجة (الشكل1- ب). وهذا قد يحدث، إذا كانت قوى الجذب بين البلورات النانوية للذهب أقوى من قوى الجذب بين البلورات النانوية للمضيف، مما يؤدي إلى تبلور الأول قبل الثاني. وقد لاحظ كارجنلو وزملاؤه حدوث عزل الطور في الواقع، إذا كان نوعا البلورات النانوية مختلفَيْن في الأبعاد. أما النمط الثاني، فهو تشكُّل شبكيات فائقة ثنائية، وهي بِنْيَة بلورية مُعرَّفة جيدًا تتكون من شبكيتين، يشغل فيهما كلا نوعي البلورات النانوية مواضع محددة4,5 (الشكل1- ج). وفي الواقع، يمكن اعتبار الترتيب المنظم لجسيمات المواد المُدمجة في هذه الشبكيات الفائقة الثنائية نقيضًا بنيويًّا للترتيب العشوائي لجسيمات المواد المُدمَجة في المحاليل الصلبة، التي ذكرها كارجنلو وزملاؤه.

يمكن أن تكون الطريقة المثلى لفهم العشوائية المرصودة هي البدء في دراسة نموذج يَعتبر البلورات النانوية جسيمات كروية، لا تجذب بعضها في المحلول المعلَّق. وهذه تُعتبر فرضية واقعية، لأن الجسيمات مغطاة بجزيئات عضوية مشابهة لجزيئات مركّب الهكسان المستخدَمة للبدء في محلول البلورات النانوية المعلَّق. وهو ما يعني أن المذيب يعرقل التفاعلات بين جزيئات التغطية لكل بلورتين نانويتين متجاورتين، ويترك التجاذبات الضعيفة فقط بين لب الجسيمات6. وإذا كان تجاذب اللب مع اللب الآخر صغيرًا جدًّا، أو مقداره يماثل التجاذب بين بلورات المضيف والبلورات النانوية للذهب، عندها يمكن توقُّع حدوث اختلاط عشوائي، دون عزل، على أن تكون لكلا نوعي البلورات النانوية الأبعاد نفسها. وبرغم ذلك.. لاحظ الباحثون منافسة خفية بين حدوث تموضع عشوائي للجسيمات المُدمجة، وحدوث العزل. ويَعتمد هذا على طول جزيئات التغطية، على سبيل المثال. وهذا يطرح احتمال أن يكون النموذج المذكور أعلاه بسيطًا أكثر مما ينبغي.

لعل أحد العوامل التي تدفع البحث المكثف حول الشبكيات الفائقة للبلورات النانوية إلى الأمام هو إمكانية تصميم مواد ذات خواص بصرية، أو إلكترونية، أو مغناطيسية غير متوفرة حاليًّا، تنشأ من تفاعلات ميكانيكا الكم7-9، أو التفاعلات ثنائية القطب10 بين مكونات كل بِنْية فيها. وجد كارجنلو وزملاؤه أن التوصيل الإلكتروني لمركّب PbSe يزداد بمُعامل 106 عندما يفوق تركيز جسيمات الذهب النانوية المُدمجة فيه نسبة %16.5 من العدد الكلي للبلورات النانوية. وبهذا.. يكون عملهم البحثي قد أضاف معلومات جديدة إلى المعرفة المتنامية في هذا المجال، بسبب توضيحهم لأول مرة كيف يمكن لإحلال الجسيمات أن يجعل التحكم في خواص هذه المواد والتلاعب فيها أمرًا ممكنًا.

  1. Cargnello, M. et al. Nature 524, 450453 (2015).

  2. Murray, C. B., Kagan, C. R. & Bawendi, M. G. Science 270, 13351338 (1995).

  3. Vanmaekelbergh, D. Nano Today 6, 419437 (2011).

  4. Shevchenko, E. V., Talapin, D. V., Kotov, N. A., O'Brien, S. & Murray, C. B. Nature 439, 5559 (2006).

  5. Kiely, C. J., Fink, J., Brust, M., Bethell, D. & Schiffrin, D. J. Nature 396, 444446 (1998).

  6. Evers, W. H. et al. Nano Lett. 10, 42354241 (2010).

  7. Schliehe, C. et al. Science 329, 550553 (2010).

  8. Boneschanscher, M. P. et al. Science 344, 13771380 (2014).

  9. Zolotavin, P. & Guyot-Sionnest, P. ACS Nano 6, 80948104 (2012).

  10. Talapin, D. V. MRS Bull. 37, 6371 (2012).