تأبين

يـويتشيـرو نامبــو (2015–1921)

عالِم الفيزياء النظرية الملهَم، الذي شكَّل فيزياء الجسيمات الحديثة.

مايكل إس. تيرنر
  • Published online:

كان يويتشيرو نامبو واحدًا من علماء الفيزياء النظرية الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين. فبصيرته النافذة غير المتوقَّعة في كثير من الأحيان استغرقت سنوات لتُفهَم وتُقدَّر جيدًا من قِبَل الآخرين، وهي تشمل نظرية (الكسر التلقائي للتناظر)، التي حصل بها على نصف جائزة «نوبل» في الفيزياء لعام 2008، ونظرية الكواركات والغلوونات، ونظرية الأوتار.

Univ. Chicago Library, Special Collections Research Center/Chicago Maroon

تُعرَّف نظرية الجسيمات الحديثة بالإنجازات التي حققتها، التي تتجسد بشكل كبير في النموذج العياري للتفاعلات الشديدة، والضعيفة، والكهرومغناطيسية، ومن خلال ما تطمح إليه من وجود نظرية توحِّد جميع القوى والجسيمات. تشكِّل إسهامات نامبو في كسر التناظر ونظرية الكواركات أساس النموذج العياري، أما نظرية الأوتار، فهي السبيل الأكثر وعودًا لنظرية جامعة تفسر كل شيء.

توفي نامبو إثر أزمة قلبية في الخامس من يوليو الماضي في أوساكا باليابان. وكان مولده في طوكيو في عام 1921، وهو العام نفسه الذي زار فيه يوشيو نيشينا كوبنهاجن؛ وعاد بميكانيكا الكَمّ إلى كيوتو، التي مثّلت أول غزو لليابان لمجال الفيزياء الحديثة. ضمّت مدرسة «كوبنهاجن في كيوتو» هيديكي يوكاوا، الذي فاز بجائزة «نوبل» لعام 1949، لتنبؤه بوجود الميزونات، وسين-إيتيرو توموناجا، الذي تقاسم جائزة «نوبل» لعام 1965، نظرًا إلى أبحاثه في الديناميكا الكهربائية الكمية، وهي النظرية التي تصف كل ما يتعلق بالمجال الكهرومغناطيسي، من الكيمياء إلى الليزر.

درَس نامبو في جامعة طوكيو، وحصل على درجة الماجستير في الفيزياء في عام 1942، لكن توقفت دراساته بسبب الحرب العالمية الثانية، فالتحق بالجيش، وأمضى مدته في حفر الخنادق، كما عمل على مشروع الرادار الياباني، لكن عقله كان مولعًا بالفيزياء الأساسية. وفي عام 1945، تزوج من مساعدته، تشيكو هيدا.

في ظل الظروف الصعبة بعد الحرب، والجوع المستمر، وإقامته في مكتبه في جامعة طوكيو، انتهى نامبو من رسالة الدكتوراة في عام 1952. وعلى الرغم من تركيز الأبحاث في قسمه على فيزياء المادة المكثفة، انجذب نامبو إلى الفيزياء النووية، وفيزياء الجسيمات، حيث حضر ندوات حول هذه الموضوعات، أُقيمت من قِبَل نيشينا، وتوموناجا، ويوكاوا في «جامعة طوكيو للتعليم» القريبة منه.

في عام 1950، زكَّى توموناجا نامبو لمنصب عضو هيئة تدريس في جامعة مدينة أوساكا، حيث كتب هناك ورقتين بحثيّتين مميزتين؛ حيث استنبط نامبو معادلة بيث-سالبيتر المعروفة الآن، التي تصف نظرية الكَمّ في كيفية ربط الجسيمات معًا (Y. Nambu Prog. Theor. Phys. 5, 614–633; 1950)، كما اقترح كيفية إنتاج الجسيمات «الغريبة» المكتشَفة حديثًا (Y. Nambu et al. Prog. Theor. Phys. 6, 615–619; 1951). وقد نُشر كل بحث قبل عام من ظهور نظيره الأكثر شهرة، المنشور من قِبَل علماء الفيزياء في الولايات المتحدة.

حمَل عام 1952 تحدِّيًا كبيرًا لنامبو، حيث تمت دعوته من قِبَل روبرت أوبنهايمر، بناء على اقتراح من توموناجا، إلى معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيو جيرسي، وهي تجربة وصفها نامبو بعدها بعدة سنوات بالعارمة، حيث شعر بأنه محاط بأناس أكثر منه ذكاءً وعدوانية. ومع ذلك.. كان إيمان عالِم الفيزياء ميرف جولدبرجر بقدرات نامبو كافيًا لدعوته إلى جامعة شيكاغو بإلينوي في عام 1954.

في فيزياء الجسيمات، كانت شيكاغو هي المكان المناسب إبان الحرب العالمية الثانية، حيث مثَّل إنريكو فيرمي أعلى القامات الفكرية بقسم الفيزياء، الذي تضمَّن أكثر من عشرة فائزين لاحقين بجائزة «نوبل». وهناك ـ ولأكثر من نصف قرن ـ أمضى نامبو بقية حياته الأكاديمية في معهد إنريكو فيرمي في الجامعة.

ومن ثم، بالاشتراك مع جيوفاني يونا-لازينيو في عام 1961، اقترح نامبو فكرة التناظرات الخفية، أو التناظرات المكسّرة أثناء محاولته فهْم التوصيل الفائق، وهو التدفق غير المُقاوِم للتيار الكهربائي في درجات حرارة منخفضة للغاية. إن التناظرات الرياضية في نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية تختفي عند درجات الحرارة المنخفضة جدًّا، كما هو التناظر بين القوى الكهرومغناطيسية والضعيفة، وهي السمة المميزة لنظرية القوى الكهروضعيفة. ويكشف بوزون هيجز ـ الذي اكتُشف في عام 2012 في مختبر سيرن، وهو مختبر فيزياء الجسيمات الأوروبي، القريب من جنيف بسويسرا ـ عن حقيقة كسر تناظر القوى الكهروضعيفة.

في عام 1964، اقترح كل من جورج تسفايج، وموري جيلمان ـ بشكل مستقل ـ فكرة الكواركات؛ لشرح مئات الجسيمات الأولية الجديدة، التي جرى اكتشافها في مسرّعات الجسيمات. استغرق الأمر أكثر من 20 عامًا لفرز خصائص الكواركات، وكيف تتآلف معًا في أزواج ومجموعات، من خلال قوة «لونية» بواسطة الغلوونات، لتكوين البروتونات، والنيوترونات، والميزونات، وجسيمات أخرى، لكن نامبو ومو-يونج هان وضعا أغلبها معًا في عام 1965. ويقول في ذلك جيل مان: «لقد فعلها.. في حين كان الباقون يتخبطون». وفي محاولة لفهم القوة اللونية بشكل أفضل، انتقل نامبو إلى ابتكار نظرية الأوتار، بالاشتراك مع آخرين.

من حسن حظي أنني بقيتُ زميلا ليويتشيرو لأكثر من 30 عامًا. فقد كان لطيفًا، ومتواضعًا بشكل يثير الدهشة، بالنسبة إلى شخص في حكمته وأهميته. أنصَتْنا جميعًا بعناية إلى أي كلام يصدر عنه، لكن نادرًا ما كنا نفهمه بشكل كامل. قال إدوارد ويتن من معهد الدراسات المتقدمة ذات مرة: «الناس لا يفهمونه، لأنه بعيد النظر جدًّا».

إن الجانب السلبي في أن تكون سابقًا لعصرك هو أن التقدير يأتي متأخرًا، فبعد سنوات من بناء الآمال، غمرتنا الفرحة أخيرًا بحصوله على جائزة «نوبل»، لكنه لم يستطع السفر لحضور الحفل في ستوكهولم، ولذلك.. قدم السفير السويدي لدى الولايات المتحدة إلى شيكاغو؛ ليقدم لعملاق فيزياء الجسيمات المتواضع جائزته في حفل حضره 200 من أصدقائه وزملائه. لا أذكر أنني شهدت من قبل حدثًا أكثر بهجة من ذلك الحدث.