تحقيق إخباري

مشكلة القراد

ليس لدى العلماء نقص في الأفكار اللازمة لإيقاف الأمراض المنقولة بالقراد. فما الذي يعوقهم إِذَن؟

ميليندا وينر موير
  • Published online:

<p>يقول ريك أوستفلد، المختص بالأمراض البيئية إن جزءًا من مواجهة مرض لايم يكمن في استهداف الفئران.</p>

يقول ريك أوستفلد، المختص بالأمراض البيئية إن جزءًا من مواجهة مرض لايم يكمن في استهداف الفئران.

Robin Moore/robindmoore.com/Cary Instit.


كان سكوت ويليامز ينتظر إغفاءة فأر أبيض القدمين من نوع «فئران الأيائل» في يوم منعش في أواخر يونيو. وكان وليامز ـ وهو عالم أحياء مختص بالحياة البرية، يعمل مع «مركز التجارب الزراعية بولاية كونيكتيكت» في مدينة نيو هيفن ـ قد نَقل لتوه الحيوان من مصيدة إلى كيس بلاستيكي يحتوي على كرة قطنية مغموسة في مادة مخدرة. وبمجرد أن يتباطأ تنفُّس الفأر إلى نَفَس واحد في الثانية، سيُخْرِجه وليامز، ويسحب منه دمًا، ثم يزنه، ويضع علامة على أذنه لتعريفه، ويفحص الفأر، بحثًا عن وجود قراد عليه، مع الاحتفاظ بالدماء منها. ويجب أن يعمل بسرعة، فالفأر سيستيقظ خلال دقيقتين، وقد يصبح غاضبًا.

يختبر وليامز ما إذا كان تطعيم الفئران ضد بكتيريا Borrelia burgdorferi ـ وهي البكتيريا المسببة لمرض «لايم» في الولايات المتحدة ـ سيمكنه الحدّ من نسبة القراد الحامل للعدوى، أم لا. ويتابع مسؤولو الصحة الأمر باهتمام، حيث تحتوي ولاية كونيكتيكت على واحد من أعلى معدلات مرض «لايم» البشري في البلاد، ويمثل شهر يونيو ذروة انتقال المرض، إذ تصيب بكتيريا B. burgdorferi ما يُقدر بنحو 329 ألف شخص سنويًّا في الولايات المتحدة، وفقًا «للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها» CDC، الموجودة في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا. وعلى الرغم من سرعة تعافي معظم الناس الذين يتلقون علاجًا سريعًا - إذ أصيب وليامز نفسه بمرض «لايم» ثلاث مرات – إلا أن واحدًا من كل خمسة مصابين يعاني من أعراض طويلة المدى، قد تهدد حياته، ومنها أعراض في القلب، والرؤية، أو مشكلات في الذاكرة، أو آلام مفصلية منهِكة.

يُعَدّ نهج ويليامز واحدًا من العديد من الاستراتيجيات التي يجري اختبارها، في محاولة لإحباط انتشار الأمراض المنقولة عن طريق القراد. بعض هذه الاستراتيجيات، مثل لقاح الفأر، يقطع الدوائر البيئية لمسبِّب المرض، عن طريق استهداف الحيوانات البرية العابرة المضخِّمة للمرض، بينما تهدف استراتيجيات أخرى، مثل الجهود المبذولة لإحياء لقاح مرض لايم البشري، إلى حماية الناس من الإصابة بشكل مباشر. ويمكن لنهج أكثر تعمُّقًا أن يعوق قدرة القراد على لدغ البشر أو الحيوانات، وبالتالي قد يستطيع الحماية من انتشار العشرات من الأمراض عبر الولايات المتحدة، وأوروبا، وأفريقيا، وآسيا.

يبدو جليًّا أن الأمر يحتاج إلى حلول مبتكرة، حيث كان للعديد من التدخلات المقترحة لفترة طويلة درجات متفاوتة من النجاح في الدراسات العلمية، مثل استخدام المبيدات، أو التحكم في أعداد الغزلان التي تُعتبر مضيفًا مهمًّا لحيوانات القراد البالغة، ولكن حتى الاستراتيجيات الوقائية التقليدية التي يلجأ إليها معظم الناس لا تستند إلى أدلة. «إننا نطلب من الناس استخدام المواد الطاردة للحشرات، والتأكد من البحث عن القراد، والاستحمام بعد زيارة الحقل، ولكنْ هناك القليل من البيانات التي تبيِّن أن هذه الأمور يمكنها الحدّ من إصابة البشر»، وفقًا لشرح بن بيرد، رئيس فرع الأمراض البكتيرية، الموجود في قسم الأمراض المحمولة بالنواقل، التابع لمراكز CDC.

إنّ الأمراض التي تنشرها القراد آخذة في الازدياد في جميع أنحاء العالم، وهذا بتعزيز من مجموعة من العوامل، تتضمن التحولات المناخية، والزحف السكاني نحو المناطق الريفية. وقد تضاعفت الحالات المبلَّغ عنها لمرض لايم، وهو المرض الأكثر شيوعًا بين الأمراض المحمولة بالقراد في الولايات المتحدة، بمقدار ثلاث مرات تقريبًا في البلاد منذ عام 1992، وهذا على الرغم من أن بعضًا من هذه الزيادة يمكن عزوه إلى زيادة الوعي. كما يُعتبر مرض لايم مشكلة متنامية في أجزاء من أوروبا، ومنغوليا، والصين. وبرغم سوء الوضع، فثمة تهديدات أسوأ آخذة في الازدياد، حيث إنه في أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وجنوب أوروبا، يستطيع القراد أن ينشر «حمى القرم الكونغولية النزفية» التي تسبب الوفاه في %40 من حالات الإصابة بها. وتصيب الحمى الراجعة التي ينقلها القراد ما يصل إلى 1 من كل 20 فردًا من السكان في أجزاء من السنغال، بينما في الولايات المتحدة ينشر القراد 16 مرضًا على الأقل، بما في ذلك مرض أنابلازما، وداء البابسيات، وداء إيرليخ، وحمى جبال روكي المبقعة، وجميعها «حالات عدوى خطيرة، مهدِّدة للحياة»، حسب تعبير بيرد. والكثير منها يزداد معدل حدوثه بسرعة أكبر، مقارنةً بمرض لايم. وقد طالبت جمعية الحشرات الأمريكية في بيان للوضع، صَدَر في يوليو 2015، باستراتيجية وطنية لمكافحة الأمراض المنقولة بالقراد. وجاء في البيان: «إن التجمع الأخير للعوامل البيئية والإيكولوجية والاجتماعية والديموغرافية البشرية قد خلق ما يكاد يكون «عاصفة مثالية» أدت إلى وجود المزيد من القراد في أماكن أكثر في أنحاء أمريكا الشمالية».


ساحات المعركة الخلفية

يعمد وليامز إلى وضع علامات على فئرانه، ووزنها، ثم إطلاقها في الوقت المناسب. فهي لا تحمل قرادًا يمكن إعادته الى المختبر لإجراء مزيد من التحليل، ولكن ستكون هناك فرص أخرى. فقد تطوع أعضاء من 32 أسرة في كونيتيكت لوضع المصائد حول ممتلكاتهم، وسيحصل البعض أيضًا على عدة صناديق من طعام الفئران المحمَّل باللقاح. والأمل هو في أن يقل عدد الفئران والقراد الحاضنة للبكتيريا مع مرور الوقت في مواقع الطعام المحمَّل باللقاح.

تُعَدّ الخطة غير تقليدية، لأن غالبية التدابير المتبعة للسيطرة على مرض لايم تركز على الغزال أبيض الذيل Odocoileus virginianus، الذي ازدادت أعداده بشكل كبير في الولايات المتحدة خلال القرن الماضي، بسبب زيادة تجزئة الغابات اليافعة، نتيجة للتطور البشري، وكذلك بسبب القضاء الشامل على الحيوانات المفترسة الكبيرة. يتغذى القراد البالغ أسود الأرجل Ixodes scapularis عادةً ويتزاوج على أجساد الغزلان، ويؤكد عدد كبير من العلماء أن الطريقة الوحيدة للتخلص من مرض لايم هي التخلص من الغزلان، لكن هذه الجهود كان لها «سجل سيئ وملطخ جدًّا»، حسب تعبير ريتشارد أوستفلد، المختص بالأمراض البيئية في معهد كاري لدراسات المنظومات البيئية في ميلبروك بولاية نيويورك، الذي عكف على دراسة الأمراض المنقولة بالقراد على مدى عقود. فعندما عمد سام تيلفورد وزملاؤه ـ وهو المختص بعلم الأوبئة في جامعة تافتس في شمال مدينة جرافتون بولاية ماساتشوستس ـ إلى إنقاص أعداد الغزلان في الجزيرة العظمى في كيب كود بنسبة %50 في أوائل الثمانينات من القرن العشرين، لم يلحظوا أي انخفاض في أعداد القراد، بل على النقيض.. ارتفع1 عدد يرقات القراد على الجزيرة في الواقع. يقول أوستفلد إننا لسنا بحاجة إلى كثير من الغزلان للحفاظ على العدد الكبير من القراد. فعندما ينخفض عدد الغزلان، فإما أن يتجمع عدد أكبر من القراد على ما تبقى من الغزلان، أو أنه يجد مضيفين آخرين. وعندما تم القضاء على معظم الغزلان فقط في الجزيرة العظمى؛ تراجعت أعداد القراد بالفعل. ويضيف تيلفورد: «إن محاولة إنقاص أعداد الغزلان إلى هذا الحد تشبه الكابوس». ومن المستحيل عمليًّا الابقاء على الأعداد منخفضة في أي مكان ليس بجزيرة.

<p>يتمدد جسم القراد البالغ من نوع <i>Rhipicephalus </i>عندما يتغذى. </p>

يتمدد جسم القراد البالغ من نوع Rhipicephalus عندما يتغذى.

Aflo/Naturepl.com



فأر الخطر

يرى أوستفيلد وآخرون أن الفئران هي المحرك الأساسي لكل من مشكلة القراد، ومشكلة المرض. فالفئران مثل الغزلان من حيث إنها تترعرع في الغابات المتجزئة، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن الحيوانات المفترسة ـ مثل الثعالب، والأبوسوم ـ تضطر لترك أماكنها، ثم يترعرع القراد على القوارض، التي تعتبر بيئات حياة سيئة للقراد، حيث تشير الدراسات إلى أن فرصة يرقات القراد في البقاء على قيد الحياة تبلغ %50 عندما تتغذى على الفئران، ولكنها لا تتجاوز %3.5 عندما تتغذى على الأبوسوم2.

توجد الفئران عادة حيثما يلتقط القراد بكتيريا B. burgdorferi، وتصاب غالبية الفئران في المناطق التي يتوطن فيها مرض لايم بهذه البكتيريا في سن مبكرة، ولأسباب لا تزال غير واضحة تمامًا، فالفئران جيدة بشكل خاص في نقل البكتيريا إلى القراد. وبالتالي، تصاب تقريبًا كل حيوانات القراد اليافعة التي تتغذى على الفئران بيضاء القدمين بالعدوى، مقارنة بنسبة قدرها %1 فحسب من القراد التي تتغذى على الغزلان. إن قَطْع دائرة العدوى بين القراد والفأر من شأنها أن تجعل القراد أقل خطورة بكثير، حسب قول أوستفلد.

تتفق ماريا جوميز سوليكي مع أوستفيلد، وهي خبيرة في طب الأحياء المجهرية في مركز علوم الصحة، التابع لجامعة تينيسي في مدينة ممفيس، وهو ما دفعها إلى اختراع لقاح الفأر، الذي يختبره وليامز، حيث يحفز الفئران على إنتاج أجسام مضادة، تقاوم بروتين السطح الخارجي A المسماة (OspA)، وهو جزيء تعبِّر عنه بكتيريا B. burgdorferi عندما تكون في القناة الهضمية لقرادة. يأكل الفأر اللقاح، ليبدأ بعدئذ في إنتاج الأجسام المضادة لبروتين OspA. وفي المرة التالية التي تتغذى فيها قرادة على الفأر، تهاجم الأجسام المضادة البكتيريا الموجودة في الأمعاء وتنقيها من العدوى. ومع تناقص نسبة القراد المصابة بعدوى بكتيريا B. burgdorferi، يتراجع احتمال التقاط الجيل القادم من الفئران لهذا الطفيلي، حتى من دون تلقيح.

أشار أوستفلد وزملاؤه إلى الاختبارات الميدانية الأولى3 للقاح جوميز سوليكي في عام 2014، ووجد أنه على الرغم من أن %28 فحسب من الفئران الموجودة في المنطقة التي كانت هدفًا لتجاربهم لمدة 5 سنوات قد وصلت إلى إنتاج الأجسام المضادة لبروتين OspA بمستويات وقائية، إلا أن معدل انتشار الإصابة بين حوراوات القراد سوداء الأرجل (مرحلة الحياة الفاصلة بين اليرقات والحشرات البالغة) انخفضت بنسبة %75. كما أن الطُّعم المشرَّب باللقاح جذاب أيضًا، لأنه أقل تدميرًا للبيئة، مقارنة بالاستراتيجيات الأخرى، فهو لا يقتل الحيوانات، ولا حتى القراد، بل يستهدف العوامل المسبِّبة للمرض فقط.

ترغب جوميز سوليكي ـ التي منحت رخصة تقنيتها إلى شركة أسستها بنفسها اسمها «يو إس بييولوجيك» US Biologic في مدينة ممفيس ـ في أن ترى أصحاب المنازل يضعون صناديق الطُعم التي تمر فيها الفئران حول حدائقهم. كما تقترح أن تقوم الحكومات المحلية بنثر الطُّعم في الحدائق، أو الغابات، مثلما يفعلون مع لقاحات داء الكلب، التي تُدمج في طُعوم تلتقطها حيوانات الراكون، وذئب البراري. ويقول ويليامز في هذا الصدد: «يبدو أن القوارض تحبها»، في إشارة إلى الطعوم المغلّفة باللقاح، حيث يسميها أحد زملاؤه: «رقائق الذرة الخاصة بالفئران».

كبر الصورة


يجادل علماء آخرون، مطالبين بوسيلة أكثر مباشرة لحماية الناس من مرض لايم. والوسيلة المثالية هي استخدام لقاح بشري. عندما كان ابن باحث اللقاحات ستانلي بلوتكين في الخامسة والثلاثين من عمره، وقع ضحية لمرض لايم. وكما يحدث في كثير من حالات العدوى، أخطأ طبيب التشخيص، وأمضى الشاب شهورًا دون علاج، حتى غزت البكتيريا قلبه لينهار في أحد الأيام، بينما كان يمشي مع كلبه. وفي هذا الصدد يقول بلوتكين، الذي أصبح الآن أستاذًا فخريًّا في جامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا، إنه عندما وصل المسعِفون كان معدَّل ضربات قلب ابنه منخفضًا بشكل خطير. لقد تعافى منذ ذلك الحين، لكن التجربة «زادت من اقتناعي بأن عدم وجود لقاح لمرض لايم كان مأساة صحية عامة».

عمل بلوتكين على إنتاج اللقاح في تسعينات القرن الماضي. وفي نهاية الأمر، حصل منتَج منافس ـ بمثابة لقاح يُدعى «لايميركس» LYMErix، صنعته شركة أدوية، مقرها المملكة المتحدة، كانت تحمل اسم «سميث كلاين بيتشام» SmithKline Beecham (الآن اسمها «جلاكسو سميث كلاين» GlaxoSmithKline) ـ على موافقة إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية عام 1998، حيث أنقص هذا الدواء إمكانية الإصابة بمرض لايم، الذي تسببه سلالات بكتيريا Borrelia الأمريكية بنسبة %76 في التجارب الإكلينيكية4، لكنه واجه مشكلات منذ البداية، حيث حصل على دعم فاتر من مسؤولي الصحة في الولايات المتحدة، وأوصوا به فقط للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 70 عامًا في المناطق المتوطن فيها مرض لايم. وفيما بعد، اشتكى بعض متلقيه من تأثيرات جانبية ذات صلة بالمناعة الذاتية، مثل التهاب المفاصل، ثم رفعوا دعاوى قضائية ضد شركة «سميث كلاين بيتشام». وبعد ذلك.. سحبت الشركة طوعًا لقاح «لايميركس» في عام 2002. ويصر بلوتكين على أن هذا كان خطأ. لقد «كان اللقاح آمنًا»، حسب تعبيره.

ومؤخرًا، قام لقاح جديد، يُحتمل أن يكون مُحسَّنًا أكثر من سابقيه بالمرور بتجارب الأمان5 وتجاوزها، حيث طوَّره باحثون في جامعة ستوني بروك، ومختبر بروكهفن الوطني في ولاية نيويورك، ومُنح ترخيصه لشركة «باكستر إنوفيشنز» Baxter Innovations في فيينا. هذا اللقاح مشابه للقاح «لايميركس» في استهدافه لبروتين OspA، ولكنه لا يحتوي على الجزء البروتيني الذي يخشى بعض العلماء والمستهلكين من أنه يسبب رد الفعل المؤثر على المناعة الذاتية. كما أنه يحتوي على عدة أنواع من بروتين OspA، ولذا.. يحمي من العديد من أنواع بكتيريا Borrelia المعروفة بإصابة البشر بمرض لايم، ومن ضمنها تلك البكتريا التي تؤثر على الناس في أوروبا.

ومع ذلك.. فإن مستقبل هذا اللقاح غير مؤكد، ففي عام 2014، اشترت شركة «فايزر» Pfizer الحق في بيع عديد من لقاحات شركة «باكستر»، ولكنْ لم يكن لقاح مرض لايم السابق ذكره من بينها. وتُجْرِي شركة باكستر حاليًا محادثات مع شركة «جريت بلينز بيوتكنولوجي» Great Plains Biotechnology في روكا بولاية نبراسكا، حيث عبرت الأخيرة عن رغبتها في شراء لقاح مرض لايم؛ وتطويره.

«لقد ألحقنا الضرر بتوازن الطبيعة».

يقول ريتشارد ماركوني، وهو خبير في الأحياء المجهرية وعالم اللقاحات في جامعة فرجينيا كومنولث في ريتشموند، إنه يعمل مع زملائه على تطوير لقاح أفضل. فإحدى سلبيات لقاح بروتين OspA هو أنه يتطلب تعزيزًا متكررًا، لأنه لا بد من استمرار سريان الأجسام المضادة لبروتين OspA في الدم، بغرض مهاجمة بكتيريا B. burgdorferi داخل القراد اللادغ. يعمل فريق ماركوني على تطوير لقاح ليقاوم الأجزاء ذات الصلة المناعية بالبروتين السطحي OspC، الذي تعبِّر عنه بكتيريا B. burgdorferi عندما تكون داخل الثدييات. فعند تعرُّض الأشخاص الذين تلقَّوا اللقاح للدغات القراد المصابة بالعدوى، فإن بإمكان أجسادهم أن تنتِج أجسامًا مضادة لبروتين OspC من الذاكرة المناعية، ولا يتعين على الأجسام المضادة أن تسري في الدم. وقد منح ماركوني وزملاؤه الرخصة بالفعل لنسخة من اللقاح لاستخدامها في الكلاب، ويقول بهذا الصدد: «يوحي نجاح لقاح الكلاب وتفرد الأسلوب الذي استخدمناه بأن اللقاح سيكون شديد الفعالية لدى البشر».

يبقى السؤال قائمًا في ضوء المشكلات التي واجهها لقاح «لايميركس»، وهو ما إذا كان المسؤولون الصحيون والمستهلكون سيتبنون لقاحًا بشريًّا، أم لا. يقول بلوتكين: «من باب التفاؤل، أعتقد أنه ربما يكون الوضع العاطفي قد تغير على مدى 10 أو 15 سنة ماضية، بمعنى أن مزيدًا من الناس باتوا على اقتناع بأهمية التعامل مع مرض لايم»، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت المخاوف بشأن مرض لايم ستفوق المخاوف بشأن اللقاح، أم لا.

لن تثير لقاحات الفئران مخاوف كهذه، ولكنْ هناك باحثون ـ ومن ضمنهم بلوتكين ـ يشككون فيما إذا كان بوسعهم إعطاء جرعات لعدد كاف من الفئران، بما يؤدي إلى خفض معدلات مرض لايم، أم لا. كما أن نَهْجَي استخدام اللقاح محدودان، لأنهما يكافحان مرضًا واحدًا فحسب من الأمراض المنقولة بالقراد، في حين تنتشر أكثر من عشرة أمراض أخرى في جميع أنحاء العالم (انظر: «واقع اللدغات»).


لعاب القراد

هناك استراتيجية واحدة يمكنها أن تحاصرهم جميعًا، وهي تنطوي على تحويل واحدة من أكثر أدوات القراد براعة ضده، ونعني بها لعاب القراد. عندما يلدغ القراد كائنًا مضيفًا، تساعد جزيئات في لعابه على تفادي الكشف عنه، ويبدأ في التغذي عن طريق منع إشارات الألم والالتهاب والمناعة. فإذا كان بوسع لقاح أن يثير استجابة مناعية تجاه بروتينات اللعاب الرئيسة، فقد يجعل لدغات القراد أكثر وضوحًا، أو قد يعطل قدرة القراد على التغذي.

يعتبر أوستفلد نفسه دليلًا على صحة مفهوم هذه الاستراتيجية، فقد تعرَّض للدغات قراد أكثر من 100 مرة، والآن يتفاعل جسمه استجابةً للعاب القراد. «إنني أدرك متى أتعرض للدغة قرادة، إذ ينتابني شعور حارق شديد»، حسب تفسير أوستفلد. ولَدَى أوستفلد متسع من الوقت لطرد قرادة، قبل أن تتمكن من نقل العدوى إليه. ويقول أوستفلد إنه حتى إذا نجا من هذه التجربة، فإنه ـ في كثير من الأحيان ـ يزيل القرادة؛ ليكتشف أنها قد ماتت بالفعل لأسباب مجهولة.

ثمة اتحاد شركات تموِّله المفوضية الأوروبية، يُسمى «أنتيدوت» ANTIDotE (اللقاحات المضادة للقراد، للوقاية من الأمراض المنقولة بالقراد في أوروبا). وهذا الاتحاد يعمل على توصيف بروتينات لعاب القراد التي يمكن استهدافها لإحباط عملية التغذية لديها. وقد أشار6 عضو من المجموعة في عام 2011 إلى تقنية للتمييز السريع لتلك البروتينات التي تتفاعل مع مصل دم الحيوانات المنيعة تجاه القراد، حيث إنه عندما عمد الفريق إلى تلقيح الأرانب لتقاوم ثلاثة بروتينات لعابية، كان قد حددها، أحدها تستخدمه القراد لمنع تجلط الدم، والآخر يمنع الاستجابة المناعية للكائن المضيف، ووجد أن القراد واجه صعوبة في الحصول على الدم منها. كما يعمل الباحثون في الفريق أيضًا على تحديد الجينات اللعابية المشاركة في نقل بكتيريا B. burgdorferi. «إننا نعتقد أن لقاحًا مضادًا للقراد يمكن أن يكون مفيدا جدًّا في حماية كل من البشر والحيوانات»، حسب قول هاين سبرونج، وهو قائد في اتحاد «أنتيدوت» في المعهد الوطني للصحة العامة والبيئة في بيلتهوفن، هولندا. كما تخطط شركة «يو إس بيولوجيك» أيضًا لتطوير لقاح للفئران، يعتمد على الطُعوم، حيث ربما يتمكن اللقاح من إحباط عملية تغذية القراد، وبالتالي يحمي من أمراض متعددة. كما قد يقلل هذا من إجمالي أعداد القراد أيضًا، لأنه سيجعل من الصعب على يرقات القراد الحصول على وجبات الطعام التي تحتاج إليها للبقاء على قيد الحياة حتى سن البلوغ والتكاثر.

هذه الأساليب تقترب بالكاد من الحل، حيث يقول العلماء إن جزءًا من المشكلة هو قلة التمويل، حيث توجد صورة نمطية لمرض لايم، وغيره من الأمراض المنقولة بالقراد في الولايات المتحدة كأمراض تصيب «المترفين» بشكل أساسي، وهي صورة لا تساعد في مقاومة المرض. ويقول أوستفلد إنه شهد تعليقات بهذا المعنى في مراجعات على عروض المنحة التي طلبها. «انهم يقولون أشياء، مثل: «هل يجدر بنا فعلًا إنفاق أموال دافعي الضرائب على مرض يصيب الأثرياء في شمال شرق الولايات المتحدة، بينما يوجد الكثير من الأمراض التي تداهم الناس الذين يعيشون في فقر خارج البلاد؟»، حسب قول أوستفلد، ثم يضيف: «من ناحية.. أعتقد أن هذه النقطة مشروعة. ومن ناحية أخرى.. أعتقد أنها تقلل من تأثير هذا المرض على عدد كبير من المواطنين، ليسوا جميعًا من الأثرياء، ولا حتى أغلبهم». ثمة سبب آخر محتمَل لانخفاض التمويل، وهو أن مرض لايم ومثيلاته من الأمراض المعدية في الولايات المتحدة نادرًا ما تكون أمراضًا فتاكة، إذ يتم كل سنة تشخيص عدد من المصابين بمرض لايم في الولايات المتحدة أكبر من عدد المصابين بسرطان البروستاتا، ورغم ذلك.. فتمويل المعاهد الوطنية للصحة لبحوث سرطان البروستاتا كان أكثر من عشرة أضعاف ما خُصِّص لتمويل البحوث المخصصة لمرض لايم في عام 2014.

وحتى يتوفر حل شامل، ستتطلب السيطرة على الأمراض المنقولة بالقراد مجموعة من الأساليب الأصغر نطاقًا، لمواجهة المشكلة شيئًا فشيئًا على عدد من المستويات. ليس من المستغرب أن تكون هناك حاجة إلى ترسانة من هذه الأسلحة لإبعاد العدو، نظرًا إلى تعقيد بيئة الأمراض المنقولة بالقراد، ودأب البشر على تغييرها جذريًّا، وكذلك حياة الناس على هذه الدرجة من القرب من هذه الطفيليات الحاملة للمرض. «لقد ألحقنا الضرر بتوازن الطبيعة»، حسب تعبير تيلفورد. وإعادة استقرار الموازين مجددًا لن تكون أمرًا هينًا.

  1. Wilson, M. L., Telford, S. R. III, Piesman, J. & Spielman, A. J. Med. Entomol. 25, 224228 (1988).

  2. Keesing, F. et al. Proc. R. Soc. B 276, 39113919 (2009).

  3. Richer, L. M. et al. J. Infect. Dis. 209, 19721980 (2014).

  4. Steere, A. C. et al. N. Engl. J. Med. 339, 209215 (1998).

  5. Wressnigg, N. et al. Lancet Infect. Dis. 13, 680689 (2013).

  6. Schuijt, T. J. et al. PLoS ONE 6, e15926 (2011).