تحقيق إخباري

تجربة نبات القِنَّب

مع تزايُد الإقبال على استعمال الماريجوانا، يسعى الباحثون للإجابة عن أسئلة أساسية حول هذا المخدِّر.

دانييل كريسي
  • Published online:

<p>بوسع بائعي التجزئة الآن في كولورادو بيع القنّب لعامة الناس.</p>

بوسع بائعي التجزئة الآن في كولورادو بيع القنّب لعامة الناس.

Olivier Douliery/ABACA/Press Association


في عام 2013، قام بو كيلمر بإحصاء جريء، حيث كان المواطنون في ولاية واشنطن قد انتهوا للتوّ من التصويت لتقنين استعمال مخدر الماريجوانا لأغراض ترفيهية. وكان مجلس مراقبة المشروبات الكحولية بالولاية ـ الذي سيتولى تنظيم الصناعة الناشئة ـ متشوقًا لمعرفة عدد الأشخاص الذين يستخدمون المخدر ، والأهم من ذلك..معدل استهلاكهم.

لم تكن تلك المهمة بسيطة على الإطلاق، فمستخدمو أي مادة غير مشروعة، وخاصة المفرِطين في استخدامها، غالبًا ما يصرِّحون بتناولهم لكميات أقل من الحقيقة. لذا.. عمد كيلمر ـ وهو المدير المشارك لمركز «راند» (RAND) لأبحاث سياسات المواد المخدرة في سانتا مونيكا بكاليفورنيا ـ إلى قيادة فريق، للقيام باستطلاع على شبكة الإنترنت، ليسأل الناس عن معدل استخدامهم لنبات القنّب خلال الشهر الماضي والسنة الماضية. ولمساعدتهم على قياس الكميات، ضم الاستطلاع صورًا لقياسات تُظْهِر كميات مختلفة من مخدر القنّب. كشَف هذا الاستطلاع ـ إلى جانب غيره من البيانات التي جمعها الفريق ـ عن فجوة بين الواقع والمعتقدات. فبناءً على البيانات السابقة، قدَّر مسؤولو الولاية استخدام القنّب بنحو 85 طنًّا سنويًّا. وأشار بحث كيلمر إلى أن الرقم الحقيقي يبلغ ضعف ذلك، أي حوالي 175 طنًّا1. والرسالة المستنبَطة من ذلك، حسب قول كيلمر، هي أنه «يتعين علينا البدء في جمع المزيد من البيانات».

ردَّد العلماء في جميع أنحاء العالم قول كيلمر هذا. فسرعان ما بدأت القوانين التي تهدف إلى تقنين مخدر القنّب، أو تقليل العقوبات المرتبطة به، تسري في جميع أنحاء العالم؛ لتنقل مكان بيعه من آبار السلالم والأزقّة المظلمة إلى واجهات المتاجر الحديثة، تحت مرأى ومسمع من السلطات. في عام 2013، كانت أوروجواي هي أول دولة تقنن تجارة الماريجوانا، بينما قللت بلدان أوروبية عديدة ـ مثل إسبانيا، وإيطاليا ـ من العقوبات القاسية لتعاطي وحيازة المخدِّر. على الجانب الآخر، تفرض تسع وثلاثون ولاية أمريكية، بالإضافة إلى واشنطن العاصمة، على الأقل بعض الأحكام لاستخداماته الطبية، بل واتجهت كل من واشنطن وكولورادو، وألاسكا، وأوريجون إلى أبعد من ذلك؛ بتقنين الاستهلاك الترفيهي للمخدر. ومن المتوقع أن تصوّت عدة ولايات أخرى ـ من ضمنها كاليفورنيا، وماساتشوستس ـ على تدابير مماثلة للاستهلاك الترفيهي بحلول نهاية عام 2016.

أَرْبَكَ هذا التحول السريع الباحثين؛ حيث يقول كريستيان هوبفر، الباحث في الطب النفسي في كلية الطب في جامعة كولورادو بأورورا: «بشكل عام، الدراسات المجراة على التبغ والكحوليات يبلغ عددها 100 ضعف الدراسات المجراة على المواد غير المشروعة تلك. ولا أعتقد أنها تحصل على الأولوية التي تستحقها».

وبرغم الادعاءات المزعَمة عن الماريجوانا، التي تتراوح بين كونها تعالِج النوبات، وكونها تسبب الفصام، فإن الأدلة الواضحة على تأثيرها على الصحة والسلوك محدودة ومتناقضة أحيانًا. ويجد الباحثون صعوبة في الإجابة حتى على الأسئلة الأساسية المتعلقة باستخدامها ومخاطرها ومزاياها، والتأثير الذي سيحدثه تقنينها.

لذا.. ينبغي للتحولات السريعة في السياسات تقديم وفرة من التجارب الطبيعية، لكن النافذة لن تظل مفتوحة لفترة طويلة. فـ«ثمة فرصة هنا»، حسب قول روبرت ماكون، عالِم النفس الاجتماعي، والباحث في السياسة العامة في كلية ستانفورد للحقوق بكاليفورنيا، الذي عمل مع كيلمر على البحث الذي أُجري في واشنطن.. «فبعض أكثر البحوث التي تقدم وفرة من المعلومات، ويمكننا القيام بها حاليًّا، هي تلك المتعلقة بتغيّرات السوق».


ما هي الآثار السلبية؟

لعدة سنوات، تعرّض الجدل حول سلامة مخدر القنّب للاستقطاب. فمن يسعون لتقنينه يدّعون أنه ليس مضرًّا، إلا أن الحكومات حول العالم وضعته بين المخدرات غير المشروعة الأكثر خطورة، مُطْلِقة حملات شديدة تحذر من التهديدات التي يشكلها على الصحة العقلية ورفاهية المجتمع.

يتيقّن العلماء ـ إلى حد ما ـ من بعض الأمور، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتأثيرات قصيرة المدى. فهم يعرفون مثلًا أنه يضعف الذاكرة والقدرة على التنسيق، ويمكنه أن يسبب البارانويا (وهو جنون العظمة) والذُّهان2. هذه هي بعض الأعراض الكلاسيكية لحالة «النشوة» التي يسببها القنّب، والتي قد تمثل ـ في حد ذاتها ـ آثارًا صحية كبيرة، أو قد تؤدي إلى أعراض أخرى. فقد وجدت الدراسات مثلًا أن احتمالات تعرُّض السائقين للتصادم تتضاعف بنحو مرتين إلى سبع مرات في حال تدخين المخدِّر قبل القيادة3,4.

وعلى المدى الأطول، يقلّ وضوح التأثيرات، لكن هناك تأثيرات قليلة يتفق عليها معظم العلماء. وخلافًا للعديد من المجادلات الرائجة، ثمة أدلة على أن القنّب يؤدي إلى الإدمان؛ فحوالي %9 من مستخدميه يعتمدون عليه بمرور الوقت، وتظهر عليهم علامات معينة، مثل التحمّل أو المعاناة من أعراض الانسحاب عند التوقف عن تعاطيه. وفيما عدا ذلك.. يصعب تحديد التأثيرات طويلة المدى.

والطريقة الأكثر شيوعًا لتناول نبات القنّب هي تدخينه، وهو ما يزيد من مخاطر مشاكل الجهاز التنفسي والإصابة بسرطان الرئة. فقد وجدت دراسة أُجريت عام 2008 في نيوزيلندا أن تدخين القنّب يزيد من مخاطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبة %8 لكل «عام من تدخين الماريجوانا» (أي ما يعادل تدخين لفافة ماريجوانا يوميًّا لمدة سنة)، حتى بعد أخْذ آثار تدخين التبغ بعين الاعتبار5. وعلى الجانب الآخر، وجدت دراسات أخرى ارتباطًا محدودًا أو معدومًا بسرطان الرئة، حتى في حالة أولئك المفرِطين في التعاطي6.

أما النتائج الأخرى المتعلقة بالصحة، فهي أكثر صعوبة في الفصل عن العوامل الخارجية، حيث وجد بعض الباحثين ارتباطًا بضعف الأداء الدراسي، وانخفاض الحضور الاجتماعي، كالحالة المهنية مثلًا، وتغيُّر تكوُّن المخ. وعلى سبيل المثال.. وجدت دراسة كريست تشيرش للصحة والتطور ـ التي تابعت حوالي 1,300 طفل وُلدوا في نيوزيلندا عام 1977 ـ أن الأشخاص الذين تعاطوا القنّب يوميًّا أكثر عرضة بمعدل %50 للإصابة بأعراض ذهانية7 عن غير المتعاطين، وهم أكثر عرضة لاحتمال عدم إكمال الدراسة8.

كبر الصورة


توضح دراسة أخرى من نيوزيلندا، تابعت 1,000 شخص في ديوندن منذ الولادة، حتى سن الثامنة والثلاثين، أن الاستمرار في تعاطي القنّب ـ وخاصة إذا بدأ في سن مبكرة ـ يرتبط بانخفاض أكثر حدة في معدل الذكاء في المراحل المتقدمة من العمر، ومشكلات في الذاكرة والمنطق، بالمقارنة مع الأشخاص الذين لم يسبق لهم استخدام المخدر9.

يقول هول إن الارتباط بالنتائج السلبية على الصحة النفسية والاجتماعية كان دائمًا ملاحَظًا، لكن يتمحور الجدل القائم حول «كيفية تفسير هذا الارتباط»، وهو ما قد ينطوي على مجموعة من العوامل، على حد قوله.

وحسب قول فاليري كوران، المختصة بالأدوية النفسية في كلية لندن الجامعية، تكمن الصعوبة في الفصل بين الارتباط والسببية، لأن «ثمة الكثير من المُربِكات»، فمثلًا، المراهقون الذين يتعاطون القنّب يشربون ـ في الغالب ـ كميات كبيرة من الكحول، وينخرطون في أنشطة خطرة أخرى. لذا.. فإن نِسَب التأثيرات لمادة أو سلوك محددين أمر شديد الصعوبة.

هناك أيضًا مشكلات مماثلة في الارتباط المتجادَل بشأنه بشدة بين القنّب والفصام. وأظهرت دراسات متعددة زيادة خطر التعرض لاضطراب الصحة العقلية هذا لدى مَن يتعاطون القنّب، في مقابل مَن لا يتعاطونه؛ في دراسة أُجريت على 50,000 رجل سويدي، تتراوح أعمارهم بين 18 و20 سنة، وُجد أن المفرطين في استخدام المخدر كانوا أكثر عرضة للإصابة بالفصام بنحو ثلاثة أضعاف، مقارنة بأولئك الذين لم يتناولوه على الإطلاق10. وعلى الرغم من أن زيادة الخطر كانت كبيرة، إلا أن الخطر الإجمالي لا يزال منخفضًا (%1.4 فقط من الرجال الذين صرحوا بتعاطيهم للقنّب أصيبوا بالاضطراب، مقارنة بـ%0.6 قالوا إنهم لم يجربوا المخدر مطلقًا). ويرى بعض المدافعين عن القنّب أن الارتباط قد يعود إلى الأفراد الذين يعانون من مشكلات مثل «العلاج الذاتي» مثلًا، وهو ما يصعب إثباته.

«تشبه الأبحاث المجراة على الماريجوانا الآن الأبحاث التي أُجريت على التبغ في الستينات. وهناك تحدٍّ لأي دراسة تتناول الأضرار».

يبدو أن نتائج سلبية صحية عديدة تتفاقم إذا استُخدم المخدر في سن المراهقة، مما يشير إلى أن القنّب يؤثر سلبيًّا على الأدمغة في مرحلة التكون. ومن الممكن ربط التأثيرات بفعالية المخدر، الأمر الذي يصعب تحديده بدقة.

مع تقنين تعاطي القنّب، قد يصبح جمْع البيانات أكثر سهولة، لكن معدَّل تعاطيه يبقى منخفضًا، مقارنة بالكحول والتبغ، وفقًا لقول واين هول، الباحث في مجال الإدمان بجامعة كوينزلاند في بريسبين بأستراليا. لذا.. يصعب التوصل إلى استنتاجات نهائية. وقد تكون الماريجوانا هي المخدر غير المشروع الأكثر شعبية، حسب قوله، فقد استخدمها حوالي %44 من البالغين في الولايات المتحدة في مرحلةٍ ما من حياتهم، وفقًا لمصدر واحد، لكن شخصًا واحدًا فقط تقريبًا من أصل عشرة استخدمها في العام الماضي. وعلى النقيض من ذلك.. تناول حوالي %70 من الأفراد الكحول في ذلك الوقت. يقول هول: «إن عدد الأفراد الذين يستخدمون الماريجوانا بانتظام لفترة طويلة صغير إلى حد ما، والعواقب على المدى الأطول لم تُدرَس بما يكفي».


ما مدى قوتها؟

يتمحور السؤال الأهم بالنسبة إلى الباحثين حول الجرعات، التي تعقد تفسير الأدلة. هناك أكثر من 85 مادة كيميائية من الكانابينويد في الماريجوانا؛ أكثرها أهمية بالنسبة للباحثين ـ والمتعاطين ـ هي رباعي الهيدروكانابينول (THC). فقد نجح المزارعون في استزراع تركيزات عالية من تلك المادة في سلالات النبات المخصصة للاستخدام الترفيهي والطبي. ووَجد برنامج لمراقبة الفاعلية، تديره جامعة ميسيسيبي لصالح المعهد الوطني الأمريكي لإساءة استعمال المخدرات «نيدا» NIDA، أن مستويات رباعي الهيدروكانابينول زادت بشكل مطّرد في الولايات المتحدة11، من 2–3 % في الفترة الممتدة بين عامي 1985 و1995، إلى %4.9 في عام 2010. وكانت الزيادة أكبر من ذلك بالنسبة إلى القنّب المستورد الذي يستولى عليه الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون. وبالنسبة إلى هذه المخدرات، فقد ازدادت الفاعلية من أقل من %4 في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات إلى أكثر من %12 في عام 2013، لكن من الصعب تحديد كميات رباعي الهيدروكانابينول التي يستهلكها المستهلك العادي. فمن غير الواضح ـ على سبيل المثال ـ ما إذا كان المستخدمون «يعايرون» جرعاتهم، لتعديل الكمية التي يتعاطونها حسب قوة تأثيرها، أم لا. من المعروف أن مستخدمي النيكوتين يعمدون إلى ذلك مع السجائر، لكن النيكوتين لا يعطّل المحاكمة الذهنية بالطريقة نفسها التي يسببها القنّب. إن تأثيرات رباعي الهيدروكانابينول أقل فورية، وخاصة بالنسبة إلى الأنواع الممكن أكلها.

تثير الفاعلية المتزايدة تساؤلات حول الأبحاث السابقة، حيث إن المتعاطين في الدراسات القديمة ربما كانوا يستهلكون أنواع القنّب الأقل فاعلية، وربما كانت التأثيرات مختلفة (انظر: «ثغرات البحوث»). فقد ربطت دراسة نُشرت في وقت سابق من هذا العام ـ على سبيل المثال ـ بين القنّب عالي الفاعلية، وتضاعُف مخاطر الإصابة بالذهان بنحو ثلاث مرات، مقابل عدم استخدامه، لكنها لم تجد أي ارتباط مع الأنواع الأقل فاعلية12. واشتكى الكثير من الباحثين من أن الماريجوانا المعتمدة لدراستها في التجارب التي يمولها معهد «نيدا» لا تتطابق مع الأنواع التي تُستخدم ترفيهيًّا أو طبيًّا.

كبر الصورة

Sources: Scopus; Ref. 11

ومع تغيير القوانين، تعمد إدارة كولورادو للصحة العامة والبيئة (CDPHE) إلى إنشاء مختبرات مرجعية؛ للتحقق من فاعلية ما يباع. وتلجأ حكومة الولايات المتحدة إلى توسيع تنوعات الماريجوانا، التي يمكن للباحثين الممولين فيدراليًّا الحصول عليها.

في الأماكن المشرّع فيها استخدام المخدر، قد تكون معايير التوسيم المتّبعة غير كافية أيضًا. فقد وجد استطلاع أُجري بين شهري أغسطس وأكتوبر من العام الماضي أن %17 فقط من منتجات القنّب الصالحة للأكل في سان فرانسيسكو، ولوس أنجيليس، وسياتل كانت موسومة بدقة، وأكثر من نصفها احتوى على كميات من رباعي الهيدروكانابينول أقل مما يُدّعى، في حين احتوى البعض الآخر على كميات أكبر بكثير13. «الكثير من الناس يصطدمون بمفاجآت صارخة»، حسب قول ماكون.


هل لها فوائد طبية؟

على الرغم من أن الولايات قد بدأت في تخفيف القيود على الاستخدام الترفيهي للماريجوانا، إلا أن الدافع لتغيير المفاهيم العامة والمشهد القانوني للماريجوانا كان الجدل الدائر حول استخداماتها الطبية.

قدمت ولاية كولورادو قوانينها التي تسمح باستخدام الماريجوانا طبيًّا منذ أكثر من عقد من الزمن، قبل أن تسمح باستخدامها الترفيهي. وقد أوردت التعديلات الدستورية في الولاية قائمة من 8 حالات، تمت الموافقة على استخدام الماريجوانا فيها: السرطان، وعتامة العين، وفيروس العوز المناعي البشري، والدنف (وهي متلازمة الهزال التدريجي)، والتشنجات العضلية المستمرة، والنوبات، والغثيان الشديد، والألم الشديد. لكن، حسب قول لاري فولك، المدير التنفيذي والمدير الطبي لإدارة كولورادو للصحة العامة والبيئة: «تلك الحالات يمليها الدستور، وليست بالضرورة الأبحاث الطبية».

وعلى الرغم من وجود كمية كبيرة من الأدلة السرديّة - والجماعات المؤيدة عالية التنظيم، التي تقود الحملات لتسهيل الحصول على الماريجوانا الطبية – فهناك القليل من الأدلة العلمية القاطعة على الكثير من الفوائد الطبية المزعَمة. وأحد أسباب هذه الندرة في الأدلة هو أن الحصول على التمويل كان بشكل عام ممكنًا، لو كان بهدف إجراء البحوث على التأثيرات السلبية فقط للقنّب. أما الآن، فقد بدأ هذا الأمر في التغير.

عندما شرّعت كولورادو المخدر لأول مرة، بدأت وزارة الصحة العامة في الولاية في تحصيل الرسوم من المرضى الذين تقدموا بطلبات لشراء الماريجوانا من المستوصفات الطبية. وبحلول عام 2014، كانت الولاية قد جمعت أكثر من تسعة ملايين دولار أمريكي، استُثمر معظمها في برنامج بحثي عن الماريجوانا الطبية، كانت إدارة كولورادو للصحة العامة والبيئة قد اختارته. ومن بين المشروعات التي موّلتها ملايين كولورادو، يبحث اثنان فيما إذا كان بوسع القنب المساعدة في تخفيف نوبات الصرع في مرحلة الطفولة، أم لا. كما تجري متابعة بحث مماثل في المملكة المتحدة، وأماكن أخرى من الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك استخدام آخر أكثر رسوخًا لهذا المخدر في حالات التصلّب المتعدد، فقد تمت الموافقة على رذاذ مصنوع أساسًا من القنّب، في 27 دولة، لعلاج المشكلات العضلية المرتبطة بهذا المرض، كالتشنجات مثلًا.

والفوائد الأخرى المزعَمة للماريجوانا، مثل زيادة الشهية لدى الأشخاص المصابين بالعوز المناعي البشري، تدعمها أدلة محدودة أكثر. فإذا كان إظهار التأثيرات الإيجابية بوضوح أمرًا ممكنًا، فسيكون بمثابة صك براءة بيِّن في أيدي مناصري الماريجوانا، وقد يتم التوجه أيضًا نحو تبرير تشريع الماريجوانا الطبية.

في هذه الأثناء، على أي حال، يراقب العلماء جبهة القنّب الناشئة بعيون حذرة. يقول روبرت بوث، وهو باحث في الطب النفسي في جامعة كولورادو: «أعتقد أنها تجربة. وعندما ننتهي من هذه الدراسة، ونتوصل إلى نتيجتها؛ سنعرف الكثير جدًّا عن تأثيرات الماريجوانا».


ما الذي سيحدث عندما تقنِّنها؟

أحد أكبر الأسئلة الدائرة هو كيف سيغيّر التقنين من أنماط الاستخدام. وأوروبا هي أحد الأماكن التي يبحث فيها الباحثون عن إجابات، حيث إن القوانين المنظِّمة لاستخدام القنّب أقل شدة بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة (انظر: «جنون لفافة القنّب»). وفي المملكة المتحدة، تتغاضى قوات الشرطة عن تعاطي القنّب وعمليات زراعته على نطاق ضيق. أما إسبانيا، فهي تسمح باستهلاك الأفراد للقنّب، لكنها لا تزال تضع قيودًا على بيعه.

المثال الأكثر تطرفًا والأطول أمدًا هو هولندا، التي رفعت صفة (الجُرْم) عن حيازة وبيع كميات صغيرة من القنّب في عام 1976. وبرغم تحوُّل بعض شوارع أمستردام إلى نقاط جذب سياحية ساخنة، إلا أن البلد ككل لم يغير من عاداته بشكلٍ كبير.

وعلى الرغم من عدم تجانس المعطيات الملموسة المتعلقة باستخدام القنّب في أوروبا، إلا أن عدد المستخدمين في هولندا لا يزيد بفارق ضخم عن الدول الأخرى. وتقدِّر البيانات المجمّعة من قِبَل مكتب الأمم المتحدة المعنِيّ بالمخدرات والجريمة معدّل الاستخدام في هولندا بنحو %7، وهو أعلى من ذلك المقدَّر في ألمانيا (%5) والنرويج (%5)، ويعادل تقريبًا المعدل في المملكة المتحدة، ويقل عن مثيله في الولايات المتحدة (%15). ولم تشهد هولندا تزايدًا كبيرًا في استخدام المخدرات الأقوى، مما يقلل المخاوف من أن تشكِّل الماريجوانا بوابة تمهِّد لمواد أكثر خطورة، مثل الهيروين والكوكايين. الرسالة التي توجهها هولندا، حسب قول فرانز تراوتمان، الباحث في سياسات المخدرات في معهد تريمبوس في أوترخت بهولندا، هي أن «السياسة الليبرالية جدًا لا تؤدي إلى معدّل انتشار سريع الارتفاع». بالأحرى، القنّب متوطن، كما يقول. «لا نستطيع التحكّم بالأمر عن طريق الحظر. وهذا شيء يزداد إدراكه بمرور الوقت.»

إن الدرس المستفاد من هولندا قد يكون محدودًا، حيث أن العقار لا يزال غير مشروع، وما يزال إنماؤه وبيع كميات كبيرة منه أمورًا يعاقب عليها القانون. وقد خطت كولورادو خطوات أبعد، ليس بتقنين استخدام العقار فحسب، بل بتقنين سلسلة الإنتاج بأكملها، وقد يكون لهذا تأثيرات مختلفة جذريًا على اقتصاديات الماريجوانا. «الإنتاج المشرّع قانونًا يثير حقًا إمكانية حدوث انخفاض كبير في الأسعار»، كما يقول ماكون.. «ومن المتصوَّر أن تنخفض أسعار الماريجوانا بنحو 75-80 % في النموذج كامل التقنين». (على الرغم من أن أوروغواي قنّنت المخدر في عام 2013، إلا أنها كافحت من أجل تنظيم الإنتاج وتفعيل صرفه من الصيدليات).

إن تأثيرات الانخفاض الحاد في التكلفة غير معروفة، ويمكن أن يؤدي فرض الضرائب إلى عواقب غير مقصودة. فإذا كانت الولايات تفرض ضريبة حسب الوزن، قد يلجأ المستخدمون إلى سلالات أقوى فعالية، توفيرًا للمال. وعندما يتحول القنّب إلى تجارة؛ ستكسب مجموعات ضغط تجارية. وإلى جانب ذلك.. يتحدث الباحثون العاملون في أبحاث القنّب عن تلقِّيهم لوابل من الرسائل الإلكترونية من الجماعات المؤيِّدة للقنب، إنْ صدرت عنهم تعليقات سلبية عن المخدر. يقول هوبفر: «تشبه الأبحاث المجراة على الماريجوانا الآن الأبحاث التي أُجريت على التبغ في الستينات. وهناك تحد لأي دراسة تتناول الأضرار.. إنه حقًا أمر لا يُستهان به». كما يخشى كثيرون من أن تستدعِي الأموالُ الجمّة التي يمكن أن تنتج عن العمل في القنّب محاولات للتعتيم على مَخاطِره. يقول تراوتمان: «إذا كانت المصالح التجارية كبيرة للغاية، عندئذ ستطغى مصلحة الربح على الاهتمام بالصحة، وهذا هو ما أخشاه».

يوفّر التقنين فرصة للرد على بعض الأسئلة المهمة. وخلال بضع سنوات، ستعرف كولورادو وواشنطن وغيرهما ـ ولو بشكل تقريبي ـ كيف يؤثر التقنين على أنماط الاستخدام، وعدد حوادث السيارات، وعدد الأفراد الذين يطلبون المساعدة للتخلص من إدمان المخدرات. وستكون البرامج المموَّلة من قِبَل إدارة كولورادو للصحة العامة والبيئة قد أضافت أيضًا إلى ما نعرفه عن التأثيرات المفيدة. كما ستؤدي مواصلة الدراسات طويلة الأجل على مجموعات كبيرة من المستخدِمين إلى تقديم المزيد من الأدلة للإحصائيين الذين يحاولون فصل الارتباط والسببية عن التأثيرات السلبية.

يقول ماكون: «عندما تغيِّر سلطة قضائية قوانينها الخاصة بالماريجوانا، يسمح لها ذلك بزيادة قبضتها على مسائل السبب والتأثير»، ويتابع بقوله إن الإشارات ستكون واضحة حقًّا فقط عندما تؤدي القوانين إلى زيادة كبيرة في الاستهلاك، وهو أمر ليس مضمونًا، ولا مرغوبًا فيه بالضرورة. «حقيقةً، نحن لا نريد أن يزداد استخدام الماريجوانا لمجرد أن نتمكن من الحصول على إجابات عن أسئلتنا، لكن إنْ حدث ذلك؛ فإننا سوف نمعن النظر في كافة البيانات».

  1. Kilmer, B. et al. Before the Grand Opening: Measuring Washington State's Marijuana Market in the Last Year Before Legalized Commercial Sales (RAND Corp., 2013); available at http://go.nature.com/ibu8vl

  2. Volkow, N. D., Baler, R. D., Compton, W. M. & Weiss, S. R. B. N. Engl. J. Med. 370, 22192227 (2014).

  3. Hall, W. Addiction 110, 1935 (2014).

  4. Ramaekers, J. G., Berghaus, G., van Laar, M. & Drummer, O. H. Drug Alcohol Depend. 73, 109119 (2004).

  5. Aldington, S. et al. Eur. Respir. J. 31, 280286 (2008).

  6. Hashibe, M. et al. Cancer Epidemiol. Biomarkers Prev. 15, 18291834 (2006).

  7. Fergusson, D. M., Horwood, L. J. & Ridder, E. M. Addiction 100, 354366 (2005).

  8. Fergusson, D. M., Horwood, L. J. & Beautrais, A. L. Addiction 98, 16811692 (2003).

  9. Meier, M. H. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, E2657E2664 (2012).

  10. Zammit, S., Allebeck, P., Andreasson, S., Lundberg, I. & Lewis, G. Br. Med. J. 325, 1199 (2002).

  11. Office of National Drug Control Policy National Drug Control Strategy: Data Supplement 2014 (White House, 2014); available at http://go.nature.com/mm8qyk

  12. Di Forti, M. et al. Lancet Psychiatry 2, 233238 (2015).

  13. Vandrey, R. et al. J. Am. Med. Assoc. 313, 24912493 (2015).