أنباء وآراء

فيزياء الجسيمات: فَحْـص المـادة، والمـادة المضـادة بدِقَّـة

إن البحث عن الاختلافات في نسبة الشحنة إلى الكتلة في البروتونات، والبروتونات المضادة ـ الذي أُجري بمستويات غير مسبوقة من الدقة ـ يحجِّم من صلاحية تناظرات فيزيائية أساسية.

كلاوس بي. يونجمان
  • Published online:

يُعتبر النموذج الأساسي1 لفيزياء الجسيمات أفضل نظرية فيزيائية لدينا حاليًّا، فقد تم بناؤه على التناظرات، ونستطيع به وَصْف جميع التجارب والملاحظات المتعلقة بالجسيمات دون الذرية المعروفة، لكنه يتضمن حوالي 30 مُتغيِّرًا حُرًّا، ولا يستطيع أن يقدم تفسيراتٍ كاملة. فعلى سبيل المثال.. لا يمكن لهذا النموذج أن يفسر لغز الفيزياء وعلم الكونيات2، وهو غياب المادة المضادة في الكون. فعندما أبادت المادة والمادة المضادة، كل منهما الأخرى، بعد الانفجار العظيم، تم كسر أي تناظر مسبق بينهما، وبقيت المادة فقط، لكننا نفتقر إلى تفسير مقنِع لكيفية حدوث ذلك3. يمكن للبحث عن الاختلافات الجوهرية بين الجسيمات والجسيمات المضادة أن يقدم جوابًا لتلك المسألة. وفي هذا الصدد.. أجرى أولمر وزملاؤه4 دراسة مقارنة عالية الدقة لخصائص البروتونات والبروتونات المضادة.

استخدم القائمون على الدراسة ذرات الهيدروجين سالبة الشحنة (التي ـ لأسباب فنية ـ تمثِّل البروتونات)، وبروتونات مضادة فردية تم الحصول عليها من منشأة مبطئ البروتون المضاد في مختبر سيرن (المختبَر الأوروبي لفيزياء الجسيمات، الواقع بالقرب من جنيف بسويسرا). وتم تخزين هذه الأنواع من الجسيمات في جهاز متطور، يُعرف باسم "فخ بينينج"، ويتألف من أقطاب معدنية وُضعت عند جهود كهربائية محددة داخل مجال مغناطيسي قوي ومستقر (الشكل-1). في ذلك الفخ، الذي يبلغ قطره بضعة مليمترات فقط، تبدو حركة الجسيمات المشحونة كهربائيًّا مماثلة لتلك الموجودة في مسرّع مثل مصادم هادرون الكبير الموجود في مختبر سيرن، لكن الطاقات المكتسَبة أقل بحوالي 1015 مرة.

كبر الصورة


إن حركة الجسيم الدائرية في فخ بينينج لها تردُّد مميز (يُعرف باسم تردد السيكلوترون)، يتناسب مع شدة المجال المغناطيسي، ونسبة الشحنة إلى الكتلة في الجسيمات. حدَّد أولمر وزملاؤه نسبة تردد السيكلوترون لكل من البروتون المضاد، وأيون الهيدروجين السالب، وتناوبوا إعادة تدوير الجسيمات الفردية نفسها على فترات تمتد لبضع دقائق بين كل واحدة وأخرى، في التجربة نفسها، ثم كرر الباحثون هذا الإجراء 6,500 مرّة في غضون 35 يومًا، مع فحص دقيق للنتائج؛ لاكتشاف الأخطاء المنهجية. ومن ثم، وجدوا أن نِسَب الشحنة إلى الكتلة في البروتونات والبروتونات المضادة متطابقة بفروق لا تزيد على 69 جزءًا من التريليون.

إن هذه النتيجة أكثر دقة بأربع مرات من القياسات السابقة5، وتنعكس على صحة التناظرات الفيزيائية الأساسية، والنظريات التي تم اقتراحها لمعالجة الجوانب غير المفهومة في النموذج الأساسي. ولتلك التناظرات دور مركزي في الفيزياء؛ فالتناظر الكائن في جميع أنحاء الكون هو إشارة إلى فاعلية قانون الحفظ. فعلى سبيل المثال.. ضبْط ساعة ما بفاصل زمني اعتباطي لا يؤثر مطلقًا على أيٍّ من العمليات الفيزيائية، وبالتالي، لا تفنى الطاقة ولا تُستحدث، لكن عندما يُخرق التناظر، أو لا تُحفظ الكمية، فهناك حتمًا كَسْرٌ للتناظر يحدث في تلك اللحظة.

في عملية الاضمحلال النووي (بيتا) ـ على سبيل المثال ـ يتم تحويل النيوترون إلى بروتون، وإلكترون، ونيوترينو مضاد، ولكن ما يظهر هو النيوترينوات المضادة اليمينية فقط. ونتيجة لذلك.. ينبعث الإلكترون في اتجاه معين بالنسبة إلى دوران النيوترون؛ ويُعَدّ عدم التناظر هذا مثالًا على خرق التكافؤ P)6)، مما يعني أن اضمحلال (بيتا) لن يمضي بالطريقة نفسها تمامًا في نسخة منعكسة من العالم. وقد لوحظت خروق مماثلة للتناظر في بعض العمليات فقط، تنطوي على قوة نووية ضعيفة، ويمكن أن تظهر إذا تم عكس إشارات الشحنات الكهربائية - "تبادل الشحنة" (C) - أو إذا تغيَّر اتجاه الزمن.. بمعنى "عكس الزمن" (T). ويخرق التناظر أيضًا حين تنكسر تناظرات C وP المجمعة، التي تُسمى "تناظر CP"، حيث يظهر ذلك جليًّا في العمليات الفيزيائية التي تأخذ مسارًا مختلفًا عندما يتم تغيير إشارات الشحنات والاتجاه في الوقت نفسه.

قدَّم عالِم الفيزياء أندريه ساخاروف7 تفسيرًا لهذا النزوع المرصود للمادة، بناءً على مثل هذا النوع من خرق تناظر CP. ومع ذلك.. لا يمكن لجميع عمليات خرق تناظر CP المعروفة أن تفسر بما يكفي رجحان المادة على المادة المضادة. وإضافة إلى ذلك.. وعند مستويات الدقة الحالية، لم يتم العثور على أي عملية فيزيائية لانتهاك تجميع تناظرات C، وP، وT، التي تُسمى "تناظر CPT"، والتي تتعلق بالمبادئ الفيزيائية الأساسية. ففي ميكانيكا الكَمّ، على سبيل المثال، يضمن هذا التناظر المجّمع أن يبلغ عدد دورانات الجسيم أرقامًا صحيحة وأرقامًا نصف صحيحة فقط. وينطوي ثبات القوانين الفيزيائية ـ الذي يُعرف باسم (ثابتة لورنتز)، في إطارات متحركة من مختلف المراجع ـ على تناظراتCPT 8,9.

أمّا عالِم الفيزياء آلان كوستيليكي وزملاؤه، فقد رأوا أن انتهاكًا لهذا التناظر قد يقدِّم تفسيرًا بديلًا لفَقْد المادة المضادة10. وعلى عكس نموذج ساخاروف، المبنِيّ على اختفاء المادة المضادة في بداية الكون غير المستقر حراريًّا، لا يَشترط نموذج كوستيليكي حدوث ذلك. وفي تناظر CPT، تتطابق الجسيمات والجسيمات المضادة بدقة، باستثناء علامة شحناتها. وتضع قياسات أولمر وزملائه لنِسَب الشحنة إلى الكتلة لكل من البروتون، والبروتون المضاد حدًّا للاختلافات بين خصائص الجسيمات والجسيمات المضادة، كما تقيم فواصل أكثر صرامة على الخرق المحتمَل لتناظر CPT.

إن نِسَب الشحنة إلى الكتلة ـ التي قام الباحثون بقياسها ـ لا تختلف بأكثر من 720 جزءًا في التريليون خلال يوم نجمي واحد، يُقاس نسبةً إلى مواقع النجوم الثابتة، ولا يُقاس نسبةً إلى الشمس. وبالتالي، فإن هذا المستوى من الدقة يَستبعد خرق تناظر CPT، أو (ثابتة لورنتز) ذات الصلة، التي قد تُنسب إلى إطار الإسناد المفضّل، مثل ذلك الذي تقدمه الخلفية الكونية ذات الموجات متناهية الصغر (وهو الإشعاع المتبقي من الانفجار العظيم). وتجب الإشارة إلى أن قياسات تردد السيكلوترون قد أُجريت في مجال الجاذبية الأرضية، ولذلك.. فإن أي اختلاف في الطريقة التي تتفاعل بها البروتونات، والبروتونات المضادة مع الجاذبية سيعدّل ترددات كل منهما11. ومع ذلك.. لم يجد الباحثون أي فارق أكبر من 870 جزءًا من المليار. وهذا يعني أن مبدأ التكافؤ الضعيف - الذي ينص على أن جميع الأجسام في مجال جاذبية ما تخضع للتسارع نفسه، بغض النظر عن خصائصها المختلفة - محفوظ عند هذا المستوى من الدقة.

حَسَّنَت تجربة أولمر وزملائه فَهْمنا عن المبادئ الفيزيائية الأساسية، عن طريق فرض حدود مهمة على عديد من العمليات، حيث سلّطت هذه التجربة الضوء على الأبحاث التي تتناول السؤال المحوري الخاص بالتناظر الشائع للمادة، والمادة المضادة، الذي يتناوله الباحثون بطريقة واعدة. وبصرف النظر عن تجارب الباحثين على ثابتة تناظرات CPT، هناك تجارب أخرى12 بحثت عن خرق لتناظرات CP وT. وفي هذا السياق.. تضمَّن البحث عن تناظرات CP قياسات مماثلة ودقيقة لخصائص الجسيمات، بما في ذلك نُظم البروتونات المضادة، أما الوصول إلى تناظرات T، فقد تضمَّن البحث عن عزوم كهربية دائمة، ثنائية القطب، خاصة بالجسيمات، وبحوث في ارتباطات متغيرات نوى تمرّ باضمحلال بيتا ومنتجات تحللها، مثل النيوترينوات، والإلكترونات، والنوى الوليدة.

إن مثل تلك التجارب عالية الدقة ذات الطاقات المنخفضة تُعَدّ مكملة لعمليات البحث عن أدلة على انتهاكات تناظر أساسية في مصادمات الجسيمات عالية الطاقة. ولا يوجد حتى الآن ما يدل على كَوْن خرق تناظرات CPT، أو CP هو المسؤول عن عدم تناظر المادة، والمادة المضادة، وأي اختلافات ممكنة، كما هو غير معروف حتى الآن بين الجسيمات، والجسيمات المضادة. ولذا.. يتطلع العلماء إلى نتائج محسّنة من التجارب الحماسية عالية الدقة التي تُجرى حاليًّا3، وتتضمن البروتون المضاد13 بالتحديد، مما يواصل طَرْق أحد أكثر الأسئلة إثارة في الفيزياء.

  1. Olive, K. A. et al. Chinese Phys. C 38, 090001 (2014).

  2. Dolgov, A. D. Frascati Phys. Ser. XXXVI, 507516 (2004).

  3. Willmann, L. & Jungmann, K. Ann. Phys. (Leipz.) http://dx.doi.org/10.1002/andp.201500008 (2015).

  4. Ulmer, S. et al. Nature 524, 196199 (2015).

  5. Gabrielse, G. et al. Phys. Rev. Lett. 82, 31983201 (1999).

  6. Wu, C. S., Ambler, E., Hayward, R. W., Hoppes, D. D. & Hudson, R. P. Phys. Rev. 105, 14131415 (1957).

  7. Sakharov, A. D. JETP Lett. 5, 2427 (1967).

  8. Schwinger, J. Phys. Rev. 82, 914927 (1951).

  9. Lüders, G. Ann. Phys. 2, 115 (1957).

  10. Bertolami, O., Colladay, D., Kostelecký, V. A. & Potting, R. Phys. Lett. B 395, 178183 (1997).

  11. Hughes, R. J. & Holzscheiter, M. H. Phys. Rev. Lett. 66, 854857 (1991).

  12. Blaum, K., Müller, H. & Severijns, N. (eds) Ann. Phys. (Leipz.) 525, A127A143, 539737 (2013).

  13. Johansson, T., Froehlich, P. & Jonsell, S. (eds) Proc. LEAP 2013 Hyperfine Interact. 228, 1165 (2014).