تحقيق إخباري

ثـورة دُعَاة التجارب العشوائية

هناك جيل جديد من الاقتصاديين يحاول قلب سياسة التنمية العالمية، من خلال قوة التجارب العشوائية المُحْكَمة.

جيف توليفسون
  • Published online:

<p>تُظْهِر التجارب أن تقديم الحوافز يمكنه رفع نسبة الحضور إلى عيادات التطعيم.</p>

تُظْهِر التجارب أن تقديم الحوافز يمكنه رفع نسبة الحضور إلى عيادات التطعيم.

Esther Havens/Sabin Vaccine Institute


في 70 عيادة صحية محليّة تديرها الدولة في ولاية هاريانا الهندية، يمكن لوالدَي الطفل الذي يبدأ سلسلة اللقاحات الأساسية أن يغادرا العيادة، وفي أيديهما كيلوجرام من السكر المجاني. وإذا حرص الوالدان على التأكد من استكمال الطفل لسلسلة الجرعات؛ فسيحصلان أيضًا في النهاية على لترٍ مجاني من الزيت.

تشكل هذه الهدايا البسيطة جزءًا من تجربة ضخمة تختبر ما إذا كان بوسع المكافآت تعزيز معدلات التطعيم المنخفضة منذ زمن بين الأطفال الفقراء في المنطقة، أم لا. ووفقًا لنموذج التجارب العشوائية المُحْكَمة (RCTs) التي تُستخدم عادة لاختبار فعالية الأدوية، أصدر العلماء تعليمات بإعطاء الهدايا في عيادات اختيرت بشكلٍ عشوائي، من بين تلك الموجودة في الأحياء السبعة التي تسجلّ أدنى معدلات تحصين. ومن المتوقع صدور النتائج الأولية في العام المقبل. وتشير التجارب الأصغر نطاقًا إلى أنّ لدى الحوافز فرصة جيدة للنجاح. في دراسة تجريبية أجريت في الهند، ونُشرت في 2010، شهدت إقامة المخيمات الطبية الشهرية تضاعُفًا في معدلات التطعيم بثلاث مرات، وأدّت إضافة الحوافز، كتقديم كيلوجرام من العدس ومجموعة من الأطباق للأُسَر، إلى رفع معدلات إتمام سلسلة اللقاحات بأكثر من ستة أضعاف1.

«لقد تعلمنا شيئًا عن سبب انخفاض معدلات التحصين»؛ هكذا صرحت إستر دوفلو، خبيرة الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج، التي شاركت في تجربة عام 2010، وتعمل حاليًّا مع ولاية هاريانا على أحدث مشروع لها. ليست المشكلة بالضرورة أن الناس يعارضون التحصين، كما تقول، لكن المشكلة هي أن هناك عقبات، مثل عدم توفّر الوقت أو المال، تجعل الحضور إلى العيادات صعبًا. وتقول: «يمكنك موازنة تلك الصعوبات بحافز بسيط».

تلك هي واحدة من فيض أفكار الباحثين الذين يعملون على إحداث ثورة في مجال الاقتصاد بتجارب مصمَّمة لكي تَختبِر بدقة مدى جودة عمل البرامج الاجتماعية. وتتراوح أهدافهم من البرامج التثقيفية إلى الوقاية من حوادث الطرق، وطريقتهم المفضلة هي التجربة العشوائية. لذا.. أصبحوا يُعرفون باسم «دُعَاة التجارب العشوائية».

لاقى هؤلاء ترحيبًا بشكل خاصّ في مجال التنمية العالمية. فعلى الرغم من تدفّق قرابة 16 تريليون دولار أمريكي من المساعدات على الدول النامية منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن ثمة القليل من البيانات التجريبية عما إذا كان هذا المال يحسّن حياة المتلقِّين، أم لا. ويرى دعاة التجارب العشوائية تجاربهم كوسيلة لاستنباط مثل تلك البيانات، ومنْح الحكومات الأدوات اللازمة لتعزيز التنمية، والحدّ من الفقر، وتوجيه المال إلى الأمور المجدية.

لم يقتنع الجميع؛ حيث يقول المشككون إن تركيز دعاة التجارب العشوائية على تقييم برامج مساعدات محددة قد يؤدي إلى غفلتهم عن أمور أخرى، كالطاقة، والبنية التحتية، والتجارة، والفساد.. وهي شؤون الاقتصاد الكلي التي تؤثر بشكلٍ أساسي على قدرة البلاد على الازدهار، ولكن يستحيل عمليًّا ترتيبها بشكل عشوائي. يقول آنجوس ديتون، الخبير الاقتصادي في جامعة برينستون في نيو جيرسي: «في نهاية الأمر، التنمية وليدة السياسة».

كبر الصورة

D. B. Cameron, A. Mishra and A. N. Brown J. Dev. Eff. http://doi.org/6n8 (2015).


وبرغم ذلك.. تكتسب حركة دعاة التجارب العشوائية زخمًا كبيرًا (انظر: «مقياس التزايد»). تضخّ الجامعات في المجتمع المزيد من خريجي الاقتصاد من ذوي الخبرة في التجارب العشوائية المُحْكَمة كل عام، وتقدم منظمات عدة - بدءًا من وزارة التنمية الدولية البريطانية، وصولًا إلى مؤسسة بيل وميليندا جيتس في سياتل بواشنطن - الدعم المالي لمساندة هذه التقنية. يقول الخبير الاقتصادي دين كارلان، من جامعة ييل في نيو هيفن بكونيتيكت، وأحد ممثلي الحركة: «هناك المئات والمئات من التجارب العشوائية الجارية، ولكن قبل عشر سنوات فقط لم يكن الحال كذلك. لقد غيّرنا أسس الحوار».

إن الطلب يرتفع باستمرار. ففي سبتمبر الماضي، اجتمعت الحكومات في نيويورك، تحت رعاية الأمم المتحدة، للموافقة على مجموعة جديدة من «أهداف التنمية المستدامة»، التي تهدف إلى توجيه الاستثمارات على امتداد العقد المقبل. وفي ديسمبر المقبل، ستكون الأسئلة المتعلقة بالمساعدات المالية على رأس جدول أعمال قمة الأمم المتحدة للمناخ، المنعقدة في باريس، حيث تتوقع الحكومات أن توقِّع على اتفاق جديد للمناخ، ربما يتضمن التزامات من الدول الصناعية لتحويل الأموال إلى التنمية المستدامة في البلدان الأكثر فقرًا. وفي الحالتين، من المرجح أن تكون جدوى البرامج موضع اهتمام بالغ.

تقول آن مي تشانج، التي تشغل منصب المدير التنفيذي لمختبر التنمية العالمية في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في واشنطن العاصمة: «يحتل هذا الأمر مقدّمة ولب جدول أعمال الكثيرين: كيف نحصل على أكبر استفادة من صرف أموالنا؟»


تقدُّم، وفرص

استخدمت التجارب العشوائية المُحْكَمة لاختبار مدى فعالية البرامج الاجتماعية منذ ستينات القرن العشرين على الأقل، لكن عهدها الحديث بدأ في عام 1997، عندما بدأت في المكسيك واحدة من أكثر التجارب العشوائية المُحْكَمة شهرة وتأثيرًا في السياسة العامة.

تعود أصول التجربة إلى ما قبل ذلك بثلاث سنوات، عندما تولّى الرئيس المكسيكي إرنيستو زيديلو شؤون البلاد في وسط أزمة اقتصادية، وعيّن الاقتصادي سانتياجو ليفي؛ ليضع برنامجًا لمساعدة الفقراء. ومشكِّكًا في النهج التقليدي ـ الذي يتضمن تقديم الدعم لمنتجات معينة، مثل رقائق التورتيا، والطاقة ـ صمّم ليفي نظامًا، من شأنه دفع مبالغ نقدية للأُسَر الفقيرة، إذا تمكنت من تلبية متطلبات معينة، مثل زيارة العيادات الصحية، وإبقاء أطفالهم في المدرسة. يقول ليفي، الذي يقود الآن التخطيط الاستراتيجي التنموي في بنك إنتر-أميريكان للتنمية في واشنطن العاصمة: «ولأن الناس كانوا شديدي الانتقاد لما كنت أفعله، أردت أن أضمن وجود أرقام بحوزتنا؛ لكي نتمكن من إدارة نقاش مستنير».

إبان حدوث ذلك، كانت لدى ليفي مجموعة ضابطة طبيعية للتجربة، وكانت الحكومة تطبق برنامج الدفع على مراحل، وقد تمكَّن من جمع بيانات عن الأُسَر في القرى التي تم تضمينها في التطبيق الأوّلي، وفي القرى المماثلة التي لم تكن قد بدأت بعد. في غضون بضع سنوات، كان بحوزة فريقه بيانات تشير إلى أن البرنامج، الذي أطلق عليه اسم «بروجريسا» (PROGRESA)، كان يعمل بشكل جيد. ارتفع معدل الزيارات إلى العيادات الصحية بأكثر من %60 في المجتمعات المشارِكة، مقارنة بالمجموعة الضابطة. كما انخفض معدّل مرض الأطفال في تلك المجتمعات أيضًا بنسبة %23، وتراجع فقر الدم بمعدّل %18، وانخفضت الزيارات الليلية للمستشفيات إلى النصف في عدّة مجموعات عمرية.

لقد ساعدت هذه البيانات على حشد الدعم للبرنامج، وأصبح يغطي تقريبًا كل المواطنين الأكثر فقرًا في المكسيك، وأَلْهَمَ بدء مبادرات مماثلة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، وصولًا إلى أفريقيا.

يقول وليام سافيدوف، الذي يعمل على فعالية المعونات والسياسات الصحية في مركز التنمية العالمية، وهو مركز أبحاث في واشنطن العاصمة: «كان برنامج «بروجريسا» واحدًا من البرامج الوطنية الكبرى الأولى من نوعها التي تحصل على تقييم دقيق. وتمثِّل برامج التحويلات النقدية المشروطة اليوم بعض البرامج الأكثر تقييمًا في العالم، وهذا في اعتقادي نتيجة مباشرة للتجربة المكسيكية».

كانت فكرة تطوير أدلة دامغة لاختبار السياسات العامة في أوجها في الوقت نفسه في الولايات المتحدة؛ حيث بدأت واحدة من أولى التجارب في عام 1994 بمبادرة صغيرة لتحليل تأثير توريد الكتب المدرسية والزي المدرسي، إضافة إلى إجراء تحسينات أسساسية في الفصول الدراسية لمجموعة من المدارس في كينيا. وكان عالِم الاقتصاد مايكل كريمر ـ من جامعة هارفارد بكمبريدج ـ قد درّس في كينيا قبل سنوات، كما كان أحد أصدقائه الذي يعمل لصالح مجموعة غير ربحية يؤسس البرنامج، فاقترح كريمر أن تُطْلِقه المجموعة على سبيل التجربة. ويقول: «لم أكن أتوقع أن يتمخض هذا عن أي شيء».

بالعمل مع المجموعة، جمع كريمر بيانات عن الطلاب في أربعة عشْرة مدرسة، تلقى نصفهم دعمًا. ومن ثم، ارتفع معدّل الحضور في المدارس، لكن لم ترتفع نتائج الاختبارات. وجاءت نتائج مماثلة من تجربة في عام 1995، شملت 100 مدرسة. أشارت تلك الدراسة إلى أن توفير الكتب المدرسية كان له أثر متواضع على نتائج الاختبارات2، ربما بسبب تحديات اللغة - فالكتب المدرسية كانت باللغة الإنجليزية، التي لم تكن اللغة الأم لكثير من الطلاب. لكن الطلاب الذين حققوا بالفعل نتائج أعلى من أقرانهم تقدموا أكثر من ذلك حين توفرت لهم الكتب.

واصل كريمر إجراء التجارب العشوائية المُحْكَمة لبرامج أخرى، لكنها كانت دوفلو – التي كانت حينئذ من بين طلابه - التي دفعت بالفكرة إلى المسار الرئيس. في جزء من أطروحة دوفلو في عام 1999، قدمت دراسة لمبادرة تعليمية في إندونيسيا، قامت ببناء 61,000 مدرسة ابتدائية على مدى ست سنوات في سبعينات القرن العشرين. وأرادت بذلك اختبار القلق الشائع من أن مثل هذا التوسع السريع سيؤدي إلى تراجع في جودة التعليم، وبالتالي ضياع أي مكاسب. كان إجراء تجربة حينها مستحيلًا، لكن دوفلو تمكنت من استخدام بيانات حول الاختلافات بين المناطق لإظهار أن البرنامج قد نجح، في الواقع، في زيادة فرص التعليم، وكذلك الأجور.

وقد ألهمها هذا العمل وأعمال أخرى قبله للنظر في التجارب العشوائية المُحْكَمة كوسيلة لاستنباط البيانات وإجراء قياس دقيق لجدوى السياسات والبرامج. وتقول: «بمجرد أن أتيح لي أفق زمني أطول وبعض الأموال، بدأت العمل على إعداد بعض تلك التجارب».

ركزّ أحد الأبحاث3 الأولى لدوفلو، المنشور في عام 2004، على تعديل جرى في عام 1993 لدستور الهند، منح المجالس المحلية مزيدًا من السلطة على الاستثمارات العامة واحتفظ بقيادة ثلث تلك المجالس للنساء، اللاتي يتم اختيارهن عشوائيًّا. أدركت دوفلو حينها أن هذا قد خلق بالفعل تجربة عشوائية مُحْكَمة يمكنها اختبار تأثير وجود مجالس تقودها النساء. وبتحليل البيانات، وجدت أن المجالس التي تقودها النساء عززت المشاركة السياسية من قبل نساء أخريات، ووجهت الاستثمار نحو القضايا التي طرحناها. في بعض المناطق، كانت النساء مسؤولات عن تأمين مياه الشرب، على سبيل المثال، فكان نمطيًّا أن تستثمر المجالس التي تقودها نساء في البنية التحتية للمياه أكثر من المجالس التي يديرها الرجال. وتقول دوفلو: «كان نطاق السياسة ونطاق هذا الموضوع غير عاديين في ذلك الوقت.. وقد شعرت حينها بمدى اتساع مجموعة الأشياء التي يمكن لتلك الأداة أن تغطيها».

في أوائل القرن الحالي، كان دعاة التجارب العشوائية في ازدهار مستمر. وفي عام 2002، انضم إليها أحد طلابها، كارلان، مع غيره من الباحثين؛ لتشكيل ابتكارات تنموية - تُعرف الآن باسم «ابتكارات لمكافحة الفقر» - في نيو هيفن. وفي السنة التالية، شاركت دوفلو في تأسيس ما يُعرف الآن باسم معمل عبد اللطيف جميل للتطبيقات العملية لمكافحة الفقر (J-PAL) في كمبريدج، مع زميليها الاقتصاديين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.. أبهيجيت بانيرجي، وسينديل مولايناثان.

توسّع العمل بسرعة؛ فأجرى معمل J-PAL حتى الآن ما يقرب من 600 تقييم في 62 دولة، ودرّب أكثر من 6600 شخص. أما دوفلو، فأحد أحدث مشروعاتها الآن هو إعادة النظر في أطروحتها عن التعليم في إندونيسيا، لكن هذه المرة ستركز على المدارس الثانوية والمجموعات الضابطة العشوائية. وتقول: «ستكون لدينا عما قريب ـ كما آمُل ـ نسخة عشوائية من البحث، تركز على الفوائد التي تعود على التعليم».


رأس مال المخاطرة

أحد المتحمسين تجاه تطبيق فلسفة التجارب العشوائية المُحْكَمة هو راجيف شاه، أحد مسؤولي مؤسسة جيتس، الذي أصبح رئيسًا للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عام 2010. وفور تقلُّده المنصب، أنشأ صندوق تمويل تحت اسم «مشروعات ابتكارات التنمية» DIV، لاختبار وتوسيع نطاق حلول مشكلات التنمية، وعيّن كريمر مديره العلمي. كان الهدف ـ وفقًا لقول شاه ـ هو «نقل التنمية إلى مجالات جديدة» عن طريق استخدام الأدلة.

ومنذ ذلك الحين، استثمر صندوق التمويل في أكثر من 100 مشروع تنموي، ينطوي ما يقرب من نصفها على التجارب العشوائية المُحْكَمة؛ أجري إحداها في كينيا من قَِبل اثنين من الباحثين من جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة، ليختبر طريقة بسيطة للحد من حوادث الطرق التي تسببها الحافلات الصغيرة، وهي الحوادث التي يُطلِق عليها كريمر اسم: «القتلة الرئيسون المتزايدون». ويقول: «يصطدم اثنان منهما، فيموت 40 شخصًا».

في عام 2008، تعاوَن الباحثون مع أكثر من 1,000 سائق لوضع ملصقات على الحافلات، تحثّ الركاب على تقديم الشكاوى من القيادة المتهورة4، ثم جمعوا معلومات من أربع شركات تأمين كبرى، ليجدوا أن المطالبات المقدمة بسبب الحوادث الخطيرة تراجعت بنسبة %50 بالنسبة إلى الحافلات التي تحمل تلك الملصقات، مقارنة بالحافلات الأخرى. ومن ثم، قدَّم صندوق التمويل منحة لإجراء تجربة أكبر (وجدت أن المطالبات انخفضت بنسبة 25-33 %، ومنحة ثانية بقرابة ثلاثة ملايين دولار، للمساعدة في توسيع نطاق المشروع في جميع أنحاء كينيا.

يقول كريمر: «سيتحقق الربح الكبير حقًّا عندما تغيرّ البلدان النامية أو الشركات والمنظمات غير الحكومية سياساتها»، ولكنْ ثمة سؤال واحد يواجهه صندوق التمويل الآن، هو عمّا إذا كانت استراتيجية كهذه - أو أي مشروع يثبت فعالية في إطار معين - يمكن إعادة تجميعها ونشرها في بلدان أخرى، أم لا، حيث تلعب العوامل الثقافية المختلفة دورًا كبيرًا (انظر: Nature 523, 516–518; 2015).


توسيع النطاق

إن إحداث تغيير في السياسات هو الهدف الأساسي للتمويل العالمي للابتكارات، الذي تم إطلاقه في شهر سبتمبر من عام 2014، برأس مال قدره 200 مليون دولار أمريكي على مدى 5 سنوات من وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وغيرهما، وهو يتبع نموذج صندوق مشروعات ابتكارات التنمية للاختبارات الصارمة. ويقول المدير المؤقت، جيفري براون، المُعار من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إن الصندوق قد تلقّى أكثر من 1,800 طلب لمشروعات في 110 دول مختلفة، وسوف يعلن عن أول مجموعة من المنح في وقت لاحق من هذا العام. ويضيف: «نحاول بشكل أساسي أن نكون جسرًا فوق وادي موت أفكار التنمية الجيدة».

ومِثل هذه المنظمات لا تقدم سوى جزءًا صغيرًا جدًّا من مليارات الدولارات التي تنفق سنويًّا على مساعدات التنمية، ناهيك عن تريليونات الدولارات التي تنفقها الحكومات على البرامج الاجتماعية المحلية. وحتى في مؤسسات الإقراض التي اعتمدت إطار العمل هذا، المبنِيّ على الأدلة، نجد أن جزء الاستثمارات الذي تغطيه التقييمات الدقيقة صغير.

«إنّ السائد اليوم هو منطق (دعونا نجرِّب).. فإذا نجح الأمر؛ يمكننا أن نوسع النطاق».

في البنك الدولي، الذي أنشأ قسمًا لتقييم الأثر الإنمائي في عام 2005، ارتفع عدد المشروعات التي تحصل على تقييمات أثر رسمية – عن طريق التجارب العشوائية المُحْكَمة أو وسائل أخرى - من ما يقل عن 20 في عام 2003 إلى 193 في عام 2014، يغطي معظمها أمورًا معينة، كالزراعة، والصحة، والتعليم، لكن هذا لا يزال يمثل %15 فقط من مشروعات البنك، حسب قول رئيسة قسم التقييم أريانا ليجوفيني، التي تقود فريقًا من 23 موظفًا بدوام كامل، ولها ميزانية سنوية تقدّر بحوالي 18 مليون دولار. وعلى الرغم من أن العديد من هذه التقييمات تغطي أكثر من كلفتها على المدى الطويل، فإن إحدى العقبات هي التكلفة الأولية؛ فمتوسط سعر تقييم الأثر يبلغ 500,000 دولار أمريكي تقريبًا. وتقول ليجوفيني: «لو لم يكن لديَّ تمويل من جهة مانحة؛ لما أمكن عمل هذه الدراسات».

أما البنك الدولي، فيحاول تحقيق الاستفادة القصوى من موارده، عن طريق العمل مباشرة مع البلدان النامية للتنفيذ. وقد حضر أكثر من 3,000 شخص ورشات العمل والدورات التدريبية التي أعدّها منذ عام 2005، وكان معظمهم من المسؤولين الحكوميين في البلدان النامية التي تتلقى أموالًا من البنك.

كما يبذل البنك جهودًا لتقييم برنامج تقييم الأثر في حدّ ذاته، على الرغم من أن التحليل يعتمد ـ إلى حد كبير ـ على ما إذا كانت المبالغ المخصصة للمشروعات تُدفع في الوقت المحدد كتفويض لتنفيذ المبادرات، أم لا. ويشير تحليل قدمته ليجوفيني واثنان من أعضاء فريقها إلى أن مشروعات التنمية التي تخضع لتحليل أثر رسمي من المرجح أن تُنَفّذ في الوقت المحدد، مقارنة بتلك التي لا تقييم لها، وربما يرجع هذا إلى الاهتمام الزائد الذي يُعْطَى للإعداد المبدئي، وبدء التنفيذ، وإجراءات المراقبة5.

يمثل هذا الاستنتاج خبرًا سارًّا للمشروعات الفردية، لكنه يمثل أيضًا معضلة محتمَلة في العديد من التجارب العشوائية المُحْكَمة. وقد تختفي الآثار الإيجابية المرصودة في إطار التجربة عند توسيع نطاق البرنامج، وتولِّي الحكومات زمام الأمور، واختفاء الاهتمام الزائد (انظر: Nature 523, 146–148; 2015).

إنّ «السائد اليوم هو منطق (دعونا نجرب).. فإذا نجح الأمر؛ يمكننا أن نوسع النطاق»، حسب قول آنيت براون، التي ترأس مكتب المبادرة الدولية لتقييم الأثر في واشنطن العاصمة، وهي منظمة تموِّل عمليات تقييم الأثر، إلى جانب التحليلات الإحصائية للدراسات الحالية. وتقول براون إنه ربما يتعين على الباحثين والحكومات إجراء دراسات دقيقة عندما يتم توسيع نطاق أي برنامج؛ للتأكد من أن النتائج ستحافظ على مصداقيتها، بالضبط كما تفعل الحكومة في ولاية هاريانا الآن.


انحياز نحو التجارب العشوائية

من منظور سياسي، فإن أقوى حجة في صالح التجارب العشوائية المُحْكَمة، المؤسَّسة بشكل جيد - وهي أنها لا تكذب - قد تكون أيضًا هي أكبر عامل يعمل ضدها.. فكثيرًا ما يودّ السياسيون المحليون التباهي بكونهم أوائل المانحين للأموال في المجتمعات، في حين أن الجهات الدولية المانحة ـ ومن بينها الحكومات، والمنظمات غير الحكومية ـ تسعى لتبنِّي البرامج المميزة التي تظهر كيف يسهمون في تحسين أوضاع العالم. إنهم لا يرحبون بالنتائج التي تبيِّن أن المبادرات لا تجدي نفعًا؛ فحتى في المكسيك، كما يقول ليفي، استعادت بعض الإعانات ـ التي حاربها عندما وضع برنامج «بروجريسا» ـ مساندة سياسية.

اتُّهِم دعاة التجارب العشوائية بالخضوع لتحيز شخصي؛ حيث يخشى البعض من أن يكون إصرارهم على التجارب العشوائية المُحْكَمة قد ساق البحوث نحو مسائل سياسية أصغر، ومنح اهتمامًا أقل لمسائل الاقتصاد الكلي الأكبر. ويأتي أحد الأمثلة من مارتن رافاليون؛ باعتباره الخبير الاقتصادي في جامعة جورج تاون، ومدير الأبحاث السابق في البنك الدولي، فهو يستشهد ببرنامج لمكافحة الفقر في الصين، حصل على 464 مليون دولار أمريكي من البنك في تسعينات القرن الماضي. وعلى الرغم من أن البرنامج كان يشمل إنشاء الطرق والإسكان والتعليم والصحة، وحتى المدفوعات النقدية المشروطة للأسر الفقيرة، فقد وجدت دراسة تستند إلى بيانات تم جمعها في عام 2005، أي بعد 4 سنوات من توقف الإنفاق، معدّل تأثير متدنيًا على المواطنين6. ويقول رافاليون: «كانت هذه هي الدراسة الوحيدة طويلة الأجل الخاصة بالتنمية الريفية المتكاملة، وهو الشكل الأكثر شيوعًا للمساعدة الإنمائية»، إلا أن هناك أُسَر استفادات بالفعل. وعن طريق الجمع بين الإحصاءات والنمذجة الاقتصادية، أظهر رافاليون وفريقه أن الفَرْق يكمن في القضايا الأساسية، مثل مستوى التعليم. وبالنسبة له، فالرسالة الموجهة هي أنه من الأفضل أن تستهدف المساعدات الفقراء المتعلمين، أو ـ بشكل أوسع ـ قضايا أخرى، مثل محو الأميّة. ويقول: «يتعيّن على الحكومات أن تعرف بمثل هذه الأمور. ولا يمكن أن تقتصر معرفتها على أمور فرعية يمكن التعامل معها بعشوائية».

بالنسبة إلى أليكسيس دياموند، وهو طالب سابق لدوفلو ويدير عمليات تقييم المشروعات في مؤسسة التمويل الدولية (الذراع التنموية الخاصة، التابعة للبنك الدولي في واشنطن العاصمة)، فإن الجدل القائم بين دعاة التجارب العشوائية واقتصاديي الحرس القديم يدور ـ في كثير من الأحيان ـ حول الوضع الراهن والنفوذ. وقد أمضى هؤلاء الاقتصاديون حياتهم المهنية في الخوض في نماذج أكثر تعقيدًا ومثالية، حسب قوله، ثم «قال دعاة التجارب العشوائية: ’نحن لا نأبه بأيٍّ من ذلك. الكلمة الآن لمن يجلس إلى الطاولة».

لذا.. يقول دياموند إنه يحاول تحقيق توازن في منظمته، حيث لا تزال غالبية التقييمات تعتمد على مزيج من البيانات الكمية والبيانات النوعية، بما في ذلك آراء الخبراء.

أما دوفلو، فتتجاهل النِّقاش، وتقول إنها تحاول فقط تزويد المسؤولين الحكوميين بالمعلومات والأدوات التي يحتاجونها لمساعدتهم على إنفاق أموالهم بحكمة أكثر. وتقول: «إن أفضل استخدام لأموال المساعدات الدولية يجب أن يكون بقصد استنباط أدلة، وخلق دروس للحكومات المحلية».

كما تشير إلى برنامج مكافحة التلوث في المنشآت الصناعية في ولاية جوجارات الهندية. فبالشراكة مع مجموعة من الباحثين الأمريكيين، أجرت الدولة تجربة في عام 2009، قسمت فيها قرابة 500 مصنع إلى مجموعتين. استمرت مصانع المجموعة الضابطة في العمل وفق النظام التقليدي، حيث تقوم باستئجار مراقبين خاصِّين بهم، ليتحققوا من امتثال المصنع للوائح إجراءات منع التلوث. أما المجموعة الأخرى، فقد اختبرت طريقة دُفعت بموجبها لمراقبين مستقلين مبالغ ثابتة من مصدر عامّ، وكانوا يأملون في أن يقضي هذا الأسلوب على خوف المراقبين من الطرد من المجموعة، لتقديمهم تقارير صادقة. وقد نجح الأمر بالفعل، إذ كان احتمال أن يقدم المراجعون المستقلون درجات نجاح مزورة للمصانع أقل بنسبة %80، وتجاوب عدد كبير من المنشآت الصناعية المراقبة من قبل المراجعين المستقلين بالحدّ من درجة التلوث التي تسببها. وفي شهر يناير الماضي، أطْلَق المنظمون البرنامج في جميع أنحاء الولاية.

يقول دوفلو: «في أحسن الأحوال، آمُل أن تحصلوا في السنوات العشر المقبلة على الكثير والكثير من هذه المشروعات، التي ستجرى بشكل اعتيادي من قِبَل الحكومات في المجالات التي يريدون تعلُّمها».

  1. Bannerjee, A. V., Duflo, E., Glennerster, R. & Kothari, D. Br. Med. J. 340, c2220 (2010).

  2. Glewwe, P., Kremer, M. & Moulin, S. Am. Econ. J. Appl. Econ. 1, 112135 (2009).

  3. Chattopadhyay, R. & Duflo, E. Econometrica 72, 14091443 (2004).

  4. Habyarimana, J. & Jack, W. Heckle and Chide: Results of a Randomized Road Safety Intervention in Kenya (Center for Global Development, 2009); available at http://go.nature.com/lyewbv

  5. Legovini, A., Di Maro, V. & Piza, C. Impact Evaluation Helps Deliver Development Projects (World Bank Group, 2015); available at http://go.nature.com/tv3hqo

  6. Chen, S., Mu, R. & Ravallion, M. J. Publ. Econ. 93, 512528 (2009).