تأبين

إروين ألان روز (2015–1926)

العالِم الذي اكتشف دور اليوبيكويتين في تدمير البروتينات الخلوية.

  • كيث ويلكنسون
  • أفرام هيرشكو
  • Published online:

ساعد إروين ألان روز (إيرني) ـ الذي توفي في الثاني من يونيو الماضي ـ في إيضاح كيفية تعرُّف الخلايا على البروتينات التالفة، وتكسيرها إلى الأحماض الأمينية المكوِّنة لها. وقد أدَّت اكتشافاته إلى تطوير مثبطات الأجسام التي تحلّل البروتينات، وهي أدوية تُستخدم لعلاج بعض أنواع السرطان. وُلد روز في عام 1926 في حي بروكلين بنيويورك، حيث كان أبوه يدير مشروعه الخاص بتصنيع الأرضيات. وقد انضم روز إلى كلية ولاية واشنطن في بولمان للدراسة. وبعد فترة قصيرة قضاها في خدمةِ البحرية الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية، أكمل دراستَه، وحصل على درجة البكالوريوس في عام 1984 من جامعة شيكاجو بولاية إلينوي. وفي عام 1952، حصل على درجة الدكتوراة في الكيمياء الحيوية من الجامعة ذاتها.

Fox Chase Cancer Centre Archives

وبعد عامين من الأبحاث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، أصبح روز عضوًا بهيئة التدريس في قسم الكيمياء الحيوية بكلية الطب في جامعة ييل في نيو هيفين، بولاية كونيتيكت. وفي هذه الفترة، تعرَّف على زيلدا بودينشتاين؛ وتزوجها، وكانت حينها طالبة في قِسمه. وفي عام 1963، انتقل إلى مركز سرطان فوكس تشيز بفيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، حيث قضى هناك الجزء الأكبر من حياته المهنية.

وفي منتصف السبعينات، اكتشف العلماء أن نوعًا خاصًّا من البروتين، سُمي فيما بعد (اليوبيكويتين)، موجود في العديد من الأنسجة والكائنات، غير أن وظيفته كانت غير معلومة آنذاك. وفي أواخر ذلك العقد، وبالتعاون مع أحدنا (أفرام هيرشكو)، وعالمِ الأحياء آرون شيكانوفر، بدأ روز في دراسة هذه البروتينات. وبدراسة اليوبيكويتين في الخلايا الشبكية، وهي خلايا كرات الدم الحمراء غير الناضحة، الأبسط في الاستخدام، مقارنةً بغيرها، اكتشفنا أهميته في هدم البروتين. وكانت هذه هي الخطوة الأولى في اكتشاف أن البروتينات التي ترتبط باليوبيكويتين تتكسر بفعل الأجسام التي تحلِّل البروتينات، ومن ثم يُعاد تدوير الشظايا إلى تكوين بروتينات جديدة.

إن اكتشاف عملية هدم البروتينات المعتمدة على اليوبيكويتين ألقى الضوء على أمراض متنوعة، مثل السرطان، الذي يتسبب في حدوثه اختلال المسار الحيوي. وقد أدَّى هذا العمل إلى تطوير أدوية عديدة تُستخدم لمعالجة سرطانات الدم، وهي تعمل عن طريق تعطيل نظام التخلص من البروتين؛ إذ تموت خلايا السرطان عندما تتراكم هذه البروتينات المعيبة داخلها.

بالرغم من اشتهار روز بإسهاماته في مجال اليوبيكويتين، إلا أنه أثبت ذاته كرائد في مجال دراسة آليات عمل الإنزيمات قبل ذلك بكثير. ففي أواخر الخمسينات، على سبيل المثال، كان روز ضمن أوائل الذين أدرجوا المركّبات المشعة، لتتبُّع مآل المواد الأيضية في المسارات الخلوية. فعن طريق التوسيم الإشعاعي لطلائع الحمض النووي، أوضح روز في دراسات درجة الدكتوراة أن نيوكليوتايد السيتيدين يندمج مباشرة في الحمض النووي، وأن تحويل السيتيدين إلى سيتيدين منزوع الأكسجين يُعَدّ خطوة ضرورية في تشكيل الحمض النووي.

درَس روز لاحقًا في جامعة ييل كيف تعتمد آليات عمل الإنزيمات، جزئيًّا، على الترتيب الفراغي للذرات التي تشكل كلًّا من المادة المتفاعلة وجزيء الإنزيم، مركِّزًا على العمليات المتضمَّنة في أيض السكريات.

وفي مركز «فوكس تشيز» لدراسة السرطان، اهتم روز بتنظيم عملية تحليل الجلوكوز في كرات الدم الحمراء. ومن الجدير بالذكر أن العديد من الخلايا السرطانية تُبدي اعتمادًا أكبر على تحليل الجلوكوز، مقارنةً بالخلايا الطبيعية، وهي ظاهرة تسمى «تأثير واربورج»، نسبةً إلى عالِم الكيمياء الحيوية أوتو هينريش واربورج. وجذب أمر اكتشاف السبب وراء ذلك الاهتمام الأكبر لدى مجتمع أبحاث السرطان في ذاك الوقت. وقد أظهرت أعمال روز على إنزيم الهيكسوكاينيز أن إضافة ذَرَّة فوسفات واحدة إلى ذرات الكربون في الجلوكوز تُعَدّ الخطوة الرئيسة المحددة في عملية تحليل الجلوكوز، كما وصف بالتفصيل الآليّات المختلفة، والخطوات المتضمَّنة في المسار الحيوي، عن طريق إضافة بعض المحفِّزات والسموم، مثل الفوسفات غير العضوي والميثيلين الأزرق.

وفي عام 1979، تم اختيار روز من قِبَل الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم، لدراساته حول آليات عمل الإنزيمات. في الواقع، ومن نواح عدة، أعدَّته خبرته ذات الثلاثة عقود لتعقيدات دراسة إنزيم اليوبيكويتين، وهذا تذكير بأهمية دراسة العلوم الأساسية. وفي عام 2004، حصل على جائزة «نوبل» في الكيمياء، مشاركةً مع أفرام هيرشكو، وشيكانوفر، إثر دراسة اليوبيكويتين.

كان إيرني عبقريًّا لدرجة أن الناس لم تكن عادة تفهم أفكاره، كما كانوا يرهبونه نوعًا ما، وغالبًا ما كانوا يخشون التعامل معه، حيث كان ناقدًا لاذعًا، لا يتردد في التعبير عن آرائه بوضوح، ولكنه كان كريمًا إلى حد بعيد في تعاونه مع الآخرين، وهي ظاهرة نادرة في المجتمع العلمي اليوم.

لطالما قلَّل روز من تقديره لحجم إسهاماته في مجال اليوبيكويتين، حتى إنه حينما كتب مقالًا عن سيرته الذاتية في دورية «بروتين ساينس» في عام 1995، لم يُشر فيه إلى كلمة (يوبيكويتين) قط. وفي سياق حديثه، وصف دوره في قصة اليوبيكويتين، باعتباره مجرد داعم، لكنْ كانت إسهامات إيرني ـ في الواقع ـ من أفكارٍ، وإلهام، ونقد بَنّاء، مهمة لاكتشاف نظام عمل اليوبيكويتين، فضلًا عن وضع تصوُّر لتفاعلات بعض الإنزيمات الرئيسة في المسار الحيوي. واستمر إيرني بعد تقاعده في تقديم أفكار نيِّرة بشأن قضايا مختلفة، مثل أصل الحياة، ومؤخرًا حول كيفية إيجاد حل لظاهرة الاحتباس الحراري. وفي النهاية، رحل إروين ألان روز، ذلك العالِم المتميز، ولسوف نفتقده كثيرًا.